الدرس الأخلاقي للقرآن: قراءة في بعض المقاربات الحديثة

in Journal of Islamic Ethics

‫حفل التراث الإسلامي بما لا حصر له من الدراسات الأخلاقية التي اتخذت من القرآن مستندًا أساسيًّا لبنيانها النظري، إلا أن هذا التراث الأخلاقي بقي حتى عهد قريب متناثرًا في فروع معرفية متنوعة: كالفقه والكلام والتفسير. ولم نشهد—في الجملة—تكريسًا نظريًّا، أو تأطيرًا للرؤية الأخلاقية القرآنية إلا في العصر الحديث. وقد كانت دراسة الأستاذ محمد عبد اللّٰه دراز رائدة الدراسات القرآنية في هذا المجال (دستور الأخلاق في القرآن 1947)، وتَتَابعت بعدها دراسات عديدة قدمت إسهامات فلسفية ومنهجية رائدة: كالدراسة الفلسفية لداود رهبر (رب العدالة 1953) والتحليل اللغوي الفلسفي لتوشيهيكو إيزوتسو (المفهومات الأخلاقية الدينية في القرآن 1959) ودراسات عديدة لفضل الرحمن وجورج حوراني وآخرين. وإذْ لم تَلق هذه الجهود بعدُ حظَّها من التحليل والنقد والمراجعة، فإن هذه الدراسة ترمي إلى تقديم رصد وتقييم للتطور النظري والمنهجي لبعض المقاربات الأخلاقية للنص القرآني في العصر الحديث، عسى أن تستفتح بذلك آفاقًا للبحث والنظر الفلسفي والمنهجي في أخلاق القرآن.‬

Abstract

‫حفل التراث الإسلامي بما لا حصر له من الدراسات الأخلاقية التي اتخذت من القرآن مستندًا أساسيًّا لبنيانها النظري، إلا أن هذا التراث الأخلاقي بقي حتى عهد قريب متناثرًا في فروع معرفية متنوعة: كالفقه والكلام والتفسير. ولم نشهد—في الجملة—تكريسًا نظريًّا، أو تأطيرًا للرؤية الأخلاقية القرآنية إلا في العصر الحديث. وقد كانت دراسة الأستاذ محمد عبد اللّٰه دراز رائدة الدراسات القرآنية في هذا المجال (دستور الأخلاق في القرآن 1947)، وتَتَابعت بعدها دراسات عديدة قدمت إسهامات فلسفية ومنهجية رائدة: كالدراسة الفلسفية لداود رهبر (رب العدالة 1953) والتحليل اللغوي الفلسفي لتوشيهيكو إيزوتسو (المفهومات الأخلاقية الدينية في القرآن 1959) ودراسات عديدة لفضل الرحمن وجورج حوراني وآخرين. وإذْ لم تَلق هذه الجهود بعدُ حظَّها من التحليل والنقد والمراجعة، فإن هذه الدراسة ترمي إلى تقديم رصد وتقييم للتطور النظري والمنهجي لبعض المقاربات الأخلاقية للنص القرآني في العصر الحديث، عسى أن تستفتح بذلك آفاقًا للبحث والنظر الفلسفي والمنهجي في أخلاق القرآن.‬

‫* معهد الدراسات الإسلامية بجامعة توبنغن، (samer.rashwani@uni-tuebingen.de).‬

‫مقدمة:‬

‫لا يكاد المرء يقلب صفحات كتاب أو دراسة تتصل بالدرس الأخلاقي المعاصر في الإسلام عمومًا وفي القرآن خصوصًا، أيًّا كان تصور أصحابها لِمَا هو الدرس الأخلاقي النموذجي (صبحي 1969, 13–18)، إلا ويجد إقرارًا مشوبًا بالأسف بالفقر والضحالة والإهمال الذي أَلمَّ بهذا الضرب من المعرفة والبحث (الجابري 2001, 10–17). ويمكن القول: إن الدراسات الأخلاقية العربية الحديثة قد تَوَزعت ما بين التأريخ للفكر الأخلاقي عمومًا والتراث الأخلاقي في الإسلام خصوصًا، وترجمة التراث الأخلاقي الأجنبي عمومًا والغربي خصوصًا ونَقْله إلى العربية؛ ومن وراء هذين الاتجاهين اتجاه أخذ على نفسه التأصيل والتنظير لرؤية أخلاقية مستمدة من أصول الإسلام، وهو أضعفها (عطية 1990). فقد شهد منتصف القرن المنصرم ظهور عدد من القراءات الأخلاقية للنص القرآني قدمت إسهامات تستحق الاعتبار على مستوى النظرية والمنهج؛ ولكنها بقيت حتى يومنا هذا طيَّ الإهمال. ومن هنا تأتي هذه المراجعة النقدية لتلقي الضوء على بعض هذه الإنجازات على مستوى النظرية والمنهج، قراءةً لسياقاتها التاريخية، وبحثًا في أسسها النظرية وقواعدها المنهجية، ثم نظرًا في تَلَقي هذه الدراسات واستقبالها من قبل الجماعة العلمية، وأخيرًا الإشارة إلى أهم الإشكالات التي تحيط بها، والآفاق التي فتحتها لمتابعة البحث الأخلاقي في القرآن وتطويره.‬

أولاً: دستور الأخلاق في القرآن: محمد عبد اللّٰه دراز

‫شرع محمد عبد اللّٰه دراز في كتابة أطروحته هذه في فرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية بين عامي 1941–1947. وكان ذلك تحت إشراف لويس ماسينيون ورينيه لوسن. طبع الأزهر النسخة الفرنسية في القاهرة عام 1950، ونقلها عبد الصبور شاهين إلى العربية وراجعها السيد محمد البدوي عام 1973، ثم اختصرها محمد عبد العظيم علي وأعاد ترجمة أجزاء منها في 1996، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية في 2009.‬

1‬‫ الدوافع والسياقات:‬

‫بيَّن دراز في مقدمته أن دافعه معرفي أساسًا، ويتمثل في تجاهل الكتابات الغربية في علم الأخلاق للأخلاق الإسلامية أو القرآنية بحسب تعبيره، وهو لا يرى ضرورة عرض الرؤية الأخلاقية القرآنية استيفاء للأمانة التأريخية فحسب؛ بل يرى أن فهم الإضافة القرآنية سوف يفيد المشكلة الأخلاقية ذاتها فَهمًا ومعالجة. ثم يضيف إلى ذلك أيضًا خُلو المكتبة الإسلامية من دراسات تتخصص في بحث الأخلاق القرآنية نظريًّا وعمليًّا (دراز 1973, 2–4).‬

‫وواقع الحال أن التجاهل المشار إليه قد انتقل إلى الدراسات العربية كذلك، فكتاب أستاذه محمد يوسف موسى "في تاريخ الأخلاق" يكاد يخلو من الحديث عن أخلاق القرآن، بل إن حديثه عن الأخلاق في الإسلام إنما جاء بمثابة ملحق بالكتاب، عرَض فيه لكتابات الكندي والفارابي وإخوان الصفا، ما يدعم القول بأن علم الأخلاق في نظر كثير من الباحثين بدا علمًا أجنبيًّا عن التراث الإسلامي. على أن محمد يوسف موسى وسّع هذا الملحق فيما بعد وأصدر كتابه: "فلسفة الأخلاق في الإسلام" في عام 1942، ولكنه خلا أيضًا من تفصيل القول في النظرية الأخلاقية في القرآن؛ إذ اقتصر على كتابات فلاسفة الإسلام (موسى 1940, 1942, 1943)، ولكنه مثّل في النهاية بداية إحياء الاهتمام بالنظر الأخلاقي من داخل المنظومة الإسلامية.‬

‫ومما يلفت النظر أن ما أصبح يسمى الأزمة الأخلاقية والوجودية التي ظهرت في الغرب أثناء وأعقاب الحرب العالمية الثانية لم تظهر آثارها في دراسة دراز مطلقًا، وكأني به قد تَعمَّد أن يقدم عملاً فلسفيًّا متجردًا عن إكراهات الحرب والفساد التي كانت تحيط به، على الرغم من كونه فاعلاً في الحقل السياسي قبل الاستقلال في مصر وخلال إقامته بفرنسا عبر نوادي التهذيب التي أسسها الجزائريُّ الفُضيل الورتلاني (حللي 2008)، وذلك خلافًا لعبد الصبور شاهين في تقديمه للترجمة، حيث ركز على وضع كتاب دراز في سياق الانهيار الأخلاقي الغربي إبان اندلاع الحرب العالمية الثانية، وظواهر الاستعمار والنازية والنزعة المادية، ورأى فيه "صرخةً في وادي الدماء والدموع والفساد والضياع، عسى أن ترتد الإنسانية الأوروبية إلى رشدها"، بل إن شاهين وضع الترجمة في سياق الانهيار الأخلاقي العربي إبان هزيمة 1967، مستطردًا في الحديث عن وجوه الفساد الأخلاقي في المجتمع المصري على وجه الخصوص، مستلهمًا كتاب دراز منهاجًا يمكن أن تستند إليه الثورة الأخلاقية المنشودة.‬

‫لكن لماذا اختار دراز القرآنَ منطلقًا لبحثه الأخلاقي دون باقي النظريات الكلامية أو الفقهية كما فعل باحثون لاحقون؟ لهذا السؤال أهمية بالغة لا تقتصر على فهم رؤية دارز وحده، بل تتجاوزها لفهم تطورات الفكر الإصلاحي والأسس المعرفية التي قام عليها. فقد سعى دراز، شأن معظم المصلحين، إلى العودة إلى الأصول الأولى للإسلام متمثلة في القرآن أساسًا، والسنة تبعًا (دراز 1973, 466)؛ متجاوزًا بذلك التراث الكلامي أو الفقهي من غير إهمال مطلق، نظرًا إلى أن الرؤية الأخلاقية التي تَضَمنها هذا التراث تعبر عن روح المذاهب التي انتسب إليها أصحابها أكثر من كونها صادرة عن فهم أو استدلال مباشر من نصوص القرآن أو السنة (دراز 1973, 5). وسنلحظ كيف أن هذه النزعة التأصيلية النقدية قد ألقت بظلالها على دراسته وآرائه الكلامية أو الفقهية التي بناها بقدر من الاستقلال عن أصوله الفكرية: "السُّنية الأشعرية" على الطريقة الأزهرية؛ جامعًا ومتجاوزًا في آن معًا رؤىً ذهب إليها المعتزلة والأشاعرة والفلاسفة.‬

2‬‫ المنهج والبنية المفهومية:‬

‫اعتمد دراز فيما يخص الأخلاق العملية منهج الاستقراء والتنظيم المنطقي للآيات القرآنية، متجاوزًا ترتيب المصحف، المنهج الذي كان رائدًا في اختطاطه وتَطَور فيما بعد تحت عنوان "التفسير الموضوعي". أما فيما يخص الجانب النظري: فقد أقرَّ دراز بدايةً ما سيؤكده كثير من الباحثين بعده، أن القرآن ليس كتابًا في الفلسفة الأخلاقية النظرية؛ إلا أنه يشتمل على الأسس والحجج اللازمة لبناء نظرية أخلاقية متكاملة الأركان. ولكن أين نجد هذه الفلسفة في القرآن؟ إن تأسيس النظرية الأخلاقية في القرآن—حسب دراز—لا ينبغي أن يعتمد على استنطاق منظومته التشريعية أو الاعتقادية، وذلك لافتقار مثل تلك القراءة لضوابط ومحددات ترتقي بها عن رتبة التأويل الرمزي. إن ما ينبغي النظر إليه هو بنية القرآن الحجاجية، وتركيبته الخطابية. فهذه البنية هي التربة الخصبة لاستخلاص نظريته الأخلاقية؛ الأمر الذي أهمله كثير من الباحثين الذين سنأتي على ذكرهم. يقول دراز: "بيد أن أفضل ما يدل على التشابه بين المادة القرآنية بخاصة، وبين الفلسفة أن نلحظ أن القرآن حين يعرض نظريته عن الحق، وعن الفضيلة لا يكتفي دائمًا بأن يذكّر بهما العقل، ويثير أمرهما باستمرار أمام التفكر والتأمل، وإنما يتولى هو بنفسه التدليل على ما يقدم، ويتولى تسويغه. وفضلًا عن ذلك، فإن طبيعة استدلالاته، والطريقة التي يسوق بها الدليل؛ قد اختيرت كلتاهما على وجه يُفحم أعظم الفلاسفة دقة، وأشد المناطقة صرامة." (دراز 1973, 17).‬

‫ويجدر القول هنا: إن مقاربة دراز عمومًا تفترض ضمنًا القول بتجاوز القرآن للمحيط التاريخي الذي نشأ فيه، بحيث تأخذ التقريرات القرآنية طابعًا عالميًّا مطلقًا عن الزمان والمكان، على خلاف العديد من الدراسات الأخلاقية—مما سنذكر لاحقًا—التي قرأت المبادئ القرآنية على ضوء الأخلاق الكتابية أو الأخلاق العربية السابقة على الإسلام أو بالتقابل معها.‬

‫على مستوى التحليل والبنية المفهومية، يقرر دراز منذ اللحظة الأولى اعتماده على منظومة المفاهيم الفلسفية الحديثة، (أو ما سمّاه: مصطلحات الُمحدَثين) كأساس لبناء الإطار المعرفي لبحثه؛ حيث يتخذ من السؤال الفلسفي منطلقًا لمساءلة القرآن واستمطار فلسفته الأخلاقية؛ مقارنًا إياها بالمدارس والنظريات الأخلاقية الحديثة، الغربية على وجه الخصوص. وهذه هي الطريقة المثلى التي أكد عليها في تفسير القرآن وفهمه عمومًا (دراز 1973, 14–15). وهذه إحدى القضايا المنهجية التي لا يزال النقاش بشأنها مفتوحًا، فمثل هذه المقاربة تلقى نُفرة من الباحثين المسلمين أو الغربيين على حد سواء. إن هذه النزعة النصية ترى في التوجه إلى النص الخام الحلَّ الأكثر موضوعية لفهم مراده، ولكن أنصارها يَغفلون عن أنه لا يوجد تَوَجه خامّ، بل هو دائما توجه محكوم بأسئلة مضمرة وسياق محدد. إن التوجه المقترح عند دراز هو توجه صريح يضع الأسئلة على مائدة البحث صراحة؛ واعيًا "بسياق النص وسياق القراءة،" كما يقول الجابري.‬

‫ويمكن القول: إن لدراز غَرامًا لا تخطئه العين بالنظرية الأخلاقية الكانطية، على الرغم من تعرضه للنظريات الأخرى بالنقاش واستفادته منها وطرحه لأسئلتها وحججها؛ إلا أن عُدة كانط الاصطلاحية وخريطته الفكرية كانت الهادي الأبرز لدراز في بنائه للنظرية الأخلاقية القرآنية.‬

‫ولكن لماذا كانط؟ ألم يكن حَرِيًّا بدراز أن يبحث عن نماذج فلسفية أكثر حداثة، ولاسيما أنه قد خرج على كانط وانتقده في جوانب كثيرة؟ قد يكون الجواب كامنًا في الأساس المعرفي الذي قامت عليه النظرية الكانطية؛ التي لا يبعد فهمها على أنها علمنة أو عقلنة للأخلاق الدينية. وعليه يمكن قراءة ما قام به دراز باعتباره إعادة الأخلاق الكانطية إلى بيتها ونبعها الأصيل، أو قد يكون مرد ذلك صلة النسب الوثيقة بين الرؤية الكانطية والنزعة القانونية على ما يرى بعض الدارسين‬ ‪(76–75 ,1948 Paton)‬‫. تلك النزعة التي لا يمكن فصلها عن رؤية دراز للأخلاق باعتبارها التجلي العملي لها. بعبارة أخرى: إن هروب دراز من الأخلاق التشريعية إلى الأخلاق النظرية، لم يكن إلا هروبًا من حيث الشكل، حيث إن العمق المعرفي قد أعاده إليها من الباب النظري من خلال النزوع القانوني الصارم في النظرية الكانطية. على أن المثالية الصارمة التي تقوم عليها النظرية الكانطية قد تعرضت لكثير من التنقيح على يد دراز، من خلال تأكيده على مبادئ: المرونة والتغيير والجهد المبدع.‬

3‬‫ الأخلاق القرآنية عند دراز:‬

‫تقوم النظرية الأخلاقية من منظور دراز على خمسة عُمُد رئيسة هي: الإلزام والمسؤولية والجزاء والنية والجهد؛ وينضوي تحت كل باب منها جملة من الأسئلة والإشكالات الأخلاقية التي اختلف بشأنها الفلاسفة والحكماء. ولعله من المفيد أن يشار هنا إلى بعض أهم الأسئلة المركزية في النظرية الأخلاقية التي تعرض لها دراز، والتي اختلفت الأنظار فيها من بعد:‬

‫هل الأخلاق القرآنية أخلاق دينية؟ يرى دراز أن الأخلاق القرآنية ليست أخلاقًا دينية؛ لأسباب عديدة: أولاً لأنها لا تقتصر على تنظيم العلاقة بين العبد وربه، بل تتجاوز ذلك إلى تنظيم العلاقات بين البشر عمومًا. كما أن رقابتها وجزاءها لا يقتصر على السماء فحسب، بل خوَّلت هذه الصلاحيات لقوتين مؤثرتين: الضمير الأخلاقي، والسلطة الشرعية؛ بل كل فرد في الأمة مَنوط به الحيلولة دون انتصار الظلم والرذيلة. وهي ليست دينية لأن دافعها لا يقتصر على الخوف والرجاء، ولأن تسويغها ليس محصورًا في الإرادة العليا التي تُملي أوامرها على وجه الاستعلاء؛ بل هي أخلاق قامت على تسويغات عقلية وإنسانية سابقة على الديني وشارطة له (دراز 1973, 678). ولكن دراز يعقَّب على هذا بالقول: هناك نقطة لا يظهر عليها الطابع الديني ويغلب فحسب، بل إنه يحتل كل مجال الضمير، هذه النقطة هي "النية" أو جانب القصد، وفيها ينفرد المعنى الديني حقًّا دون منازع. إن الهدف الذي ينبغي لنشاط المؤمن الطائع أن يتوخاه وهو يؤدي واجبه لا يكمن في طيبات هذه الدنيا، ولا في السرور والمجد في الأخرى، ولا في إشباع شعوره الخَيَّر، بل ولا في إكمال وجوده الباطن؛ إنه اللّٰه، اللّٰه الذي يجب أن يكون نصب أعيننا، وأية غاية أخرى تدفع الإنسان للعمل هي في ذاتها انتفاء للقيمة وعدَم. (دراز 1973, 680).‬

‫الفكرة المركزية في الأخلاق القرآنية—كما يرى دراز—هي أن العرف قد جرى على تسمية القوانين الأخلاقية بحسب العنصر الغالب في مضمونها: فرديًّا أو اجتماعيًّا، شريعة عدل أو شريعة رحمة، وهكذا … وليس شيء من هذه الصفات ذات الجانب الواحد بمناسب هنا. إن هذه شريعة توصي "بالعدل" و"الرحمة" معًا، وتتواثق فيها العناصر الفردية، والاجتماعية والإنسانية والإلهية على نحو متين. بيد أننا لو بحثنا في مجال هذا النظام عن فكرة مركزية أو عن الفضيلة الأم التي تتكاثف فيها كل الوصايا، فسوف نجدها في مفهوم "التقوى"، وما التقوى إلا الاحترام البالغ العمق للشرع. هكذا نصل إلى فكرة الواجب مطروحة هذه المرة على الصعيد العاطفي كمحرك للإرادة. وعلى هذا الصعيد يبدو لنا الاحترام في المركز بين شعورين متطرفين يركبهما ويلطفهما: الحب، والخوف (دراز 1973, 682).‬

‫ويثير دراز مسألة نسبية الأخلاق القرآنية من خلال القول: إن الاتصاف بالأخلاقية من وجهة النظر القرآنية لا يتمثل في الالتزام الدقيق بالقواعد الأخلاقية العامة، ولا بمراعاة الحالات الخاصة والظروف الطارئة فحسب؛ بل هو نتاج تنزيل "المَثَل" الشامل القادم من "أعلى" على الواقع الراهن. فبين المثل الأعلى والواقع، وبين المطلق والنسبي، يوجد الضمير الإنساني علامةَ توحيد بين ثبات القانون الأزلي وجِدّة الإبداع الفني (دراز 1973, 126).‬

‫والمسؤولية ترتبط ارتباطًا وظيفيًّا بالشخصية؛ فإذا ما تحددت صفات الشخص تَعيَّن بعد ذلك—أن يكون مسؤولًا عن الأفعال التي يأتيها بإرادته الحرة. فالإرادة والحرية مترادفتان من الناحية العملية، وليس لأي قوة في الطبيعة—باطنة أو ظاهرة—سلطةٌ كافيةٌ لكي تحرك أو توقف النشاط الجُوَّاني لإرادتنا. إن المبدأ القرآني للمسؤولية هو مبدأ فردي يستبعد كل مسؤولية موروثة، أو جماعية بالمعنى الحقيقي للكلمة.‬

‫أما بشأن العلاقة بين التشريع والأخلاق فيرى دراز أن "نور العقل" قاصر عن أن يقدم شرعًا تتوفر فيه—في وقت واحد- صفاتُ: الحسية، والكمال، والشمول. وهذا يعني ضرورةً الرجوعَ إلى سلطة أخرى تُنير للناس طريقهم، وإن كانت ذات طبيعة علوية. هذه السلطة التي يجب أن تكون ذات علم مطلق، ونور أبدي، لا يمكن أن تكون شيئًا آخر سوى الوجود الكامل (l‘être parfait). هكذا يردُّ دراز جميع مصادر هذا الشرع الإيجابي إلى مصدر وحيد، وجميع الأوامر إلى أمر واحد، هو أمر اللّٰه. (دراز 1973, 50). على أن القرآن لا يقدم لنا هذا الأمر الإلهي على أنه سلطة مطلقة، مكتفية بنفسها لكي تكون في أعيننا أساسًا لسلطان الواجب، بل إن مما يثير العبرة في هذا المقام أن نلحظ—على العكس- العنايةَ الفائقة التي التزمها هذا الكتاب في غالب الأحيان، حين قَرَن كل حكم في الشريعة بما يسوّغه، وحين ربط كل تعليم من تعاليمه بالقيمة الأخلاقية التي تُعد أساسَه (دراز 1973, 51). على أن دراز يقرُّ بوجود بعض الأحكام الشرعية المطلقة عن العلل، والتي يتعذر إيجاد مرجعية أخلاقية لها (دراز 1973, 283).‬

4‬‫ تَلَقي الكتاب:‬

‫مما يؤسف له أن هذه الدراسة التي أرادها دراز سدًّ ا لنقص فادح في تاريخ النظريات الأخلاقية وعرضًا لنظرية الأخلاق القرآنية، لم تأخذ حيزها من الاهتمام والعناية في دراسات الباحثين الغربيين الذين اختصوا بدراسة الخطاب القرآني، بل وفي أخلاقه خصوصًا، فضلاً عن الباحثين في حقل الأخلاق عمومًا؛ وقد يكون مرد ذلك الإھمال هو الظروف التي خرج فيها كتابه عقب الحرب العالمية الثانية مباشرة، وكونه طُبع في مصر. ولا يبعد أن يكون الباحثون الغربيون لم يروا في عمله إلا اجتهادًا شخصيًّا لدراز على الطريقة اللاهوتية التي تختلف مع مناهجهم التاريخية والفيلولوجية. فلم أجد غير مراجعة وحيدة كتبها جيمس فينيجان (James Finnegan) الذي أشاد به لتجنبه التورط في النزعة التغريبية السطحية التي وقع فيها أسلافه متجاهلين الكنوز التي تحويها ثقافتهم وتراثهم‬ ‪(111–109 ,1952 Finnegan)‬‫. ولكنه انتقد نزعته العقلانية في عرض الإسلام؛ لما ينتج عنها من تغييب جوانب جوهرية في الإسلام، كالعلاقة بين اللّٰه والإنسان، وصفات اللّٰه، ولاسيما الرحمن. كما انتقد ميل دراز للرؤية الكانطية مما حال دون تقديم رؤية مُرضية للعلاقة بين القانون والحرية بحسب فينيجان—فلم يقدم شرحًا مقنعًا لفكرة "الدمج بين إرادتين،" وذلك نابع من تناقض جوهري في النص القرآني نفسه—بحسب فينيجان—حيث ينتقل هذا النص من القَدر إلى الحرية وبالعكس من غير تَرَدد، ومن غير محاولة البحث عن مصطلح وسيط- وهي فكرة تَعَرض لها دراز في كتاب لاحق ناقش فيه قضية القدر (دراز 1997, 216–302)—وكان حَرِيًّا بدراز أن يتعمق أكثر في فكرة النور المزدوج التي ناقشها لِمَامًا (دراز 1973, 34–35).‬

‫حتى بعد ترجمة الكتاب إلى الإنجليزية عام 2009 لم تصدر له إلا مراجعة واحدة، أشار فيها صاحبها إلى عدم تفصيل دراز للربط القرآني بين الأحكام وأساسها الأخلاقي‬ ‪(112–110 ,2010 Kidwai)‬‫، وهذا حكمٌ متسرع؛ فقد استفاض دراز في التأكيد على هذه الفكرة.‬

‫أما عند العرب فلم يكن مصير الكتاب بأحسن حالاً، حيث لم يُترجم إلا بعد ربع قرن من نشره بالفرنسية. وبعد ترجمته لم يَزد حظه من الدرس والاهتمام عن الإشادة والتلخيص (بدوي 1967؛ الشرقاوي 1988؛ عطية 1990)، إلا نادرًا (عبد الرحمن 2000؛ القشيري 2006؛ فضلية 2007). الأمر الذي حدا بمحمد عبد العظيم علي إلى تلخيصه وإعادة ترجمة بعض الأجزاء التي بدت عسيرة الفهم في الترجمة الأولى، وكأنه أراد بذلك إخراج الكتاب من عزلته التي ربما كان حجمه ولغته الفلسفية سببًا لها (علي 1996). ولكنني أرى أن وراء هذا الإعراض عن كتابه أسبابًا أخرى أكثر عمقًا، منها: أن الكتاب حمل في طياته نقدًا وتجاوزًا لكثير من الأفكار التقليدية في الكلام والفقه مما كان—ولا يزال—سائدًا في مؤسسات التعليم الديني أو الكليات الإسلامية. وكان يمكن لهذه الأفكار النقدية أن تكون مقبولة في حدود كونها موجّهة للقارئ الغربي على اعتبار أنها تُعلي من شأن القرآن على الفلسفات الغربية؛ أما أن يتم القبول بمضامينها أو لوازمها في الدراسات الإسلامية فذلك مما تنفر منه المدرسة التقليدية. ولا يخفى على قارئ هذا الكتاب تلك النزعة العقلية التي بُني عليها أساس الإلزام الأخلاقي القرآني، على نحو جعله يتجاوز الأفق السني الأشعري ليلتقي بالأصول المعتزلية، وكذلك انتقاده للفهم السائد عن بعض العقائد مثل الشفاعة. أما الدارسون القادمون من حقل الفلسفة، فلم يروا فيما كتبه دراز غير دراسة لداعية أزهري نافح فيها عن الأخلاق الدينية القرآنية على نحو حسن (عطية 1990, 171).‬

‫لم يَزَل المبحث الأخلاقي—في الجملة—أجنبيًّا لدى القارئ العربي. والانطباع السائد أن هذا الضرب من البحث مثمر فقط لدى مخاطبة غير المسلمين، أو للمسلمين الذي يعيشون في بلدان غير إسلامية. بل لقد صرح البعض بأن هذا الكتاب موجه أساسا للقارئ الغربي (الشرقاوي 1988, 180). ومما يؤسف له أن الكتاب فشل في إيقاظ سؤال الأخلاق في حقل الدراسات الإسلامية عمومًا والقرآنية على وجه الخصوص. ويبدو أن ترجمته بعد نكسة حزيران وفي بداية فترة ما أصبح يسمى بالصحوة الإسلامية قد انعكست سلبًا على تلقيه؛ خلافًا لتَوَقع مترجمه عبد الصبور شاهين، ذلك أن حالة الثوران على الفساد وما سُمي بالانحطاط الأخلاقي حينها لم تكن لتتناسب مع رؤية أخلاقية قوامها النظر الفلسفي والتدبر العقلي الهادئ.‬

5‬‫ إشكالات الكتاب:‬

‫(1) التعامل غير الإشكالي:‬

‫ينطلق دراز من فرضية كامنة ترى النص القرآني واضحًا قاطعًا في رسم نظريته الأخلاقية (دراز 1973, 17)، وكأن كل ما ينبغي على الباحث أن يفعله هو أن يتجه إليه حتى تنفتح له كل مغاليقها. وهنا يتساءل المرء عن سبب الاختلاف القديم بين المدارس الإسلامية العقدية والفقهية منذ القرون الأولى حتى اليوم في تصور هذه النظرية وتحديد مفرداتها! إن هذا الموقف يعكس تجاهلا متعَمَّدًا ليس لهذا التراث فحسب، بل لأحد الأسباب الكامنة خلفه، وهو طبيعة الخطاب القرآني، وقابليته لتعدد القراءة.‬

‫(2) العمومية والتحليل الإجمالي:‬

‫لعل الفرضية السابقة، أي وضوح النظرية الأخلاقية في القرآن، تفسر لنا اكتفاء دراز ببيان إجمالي للنصوص القرآنية التي يتعامل معها، مُهمِلاً البعد التحليلي. بعبارة أخرى، يُلحظ في عمل دراز أن الآيات في كثير من المواطن إنما تأتي كشاهد للرأي الذي انتهى إليه دراز؛ إذ لا يقدم لنا تحليلاً دقيقًا يُزيل عن الآية الغموض الدلالي الذي يكتنف النص لصالح الدلالة المَسُوق لها، ولا يناقش قابليتها لأفهام أخرى. وبعبارة الجابري: "لقد بدا دراز كمن يقرأ القرآن في الأخلاق وليس الأخلاق في القرآن" (الجابري 2001, 14–15).‬

‫(3) إهمال المفاهيم:‬

‫وكان من توابع هذا أن أهمل دراز دراسة المفاهيم الأخلاقية اعتمادًا على فهم إجمالي مفتَرَض. فهو وإن كان يعتمد على البنية الخطابية للقرآن في التحليل، إلا أن المفاهيم لَبِنات لا يمكن تجاوزها في كثير من الأحيان إن لم تُفهم خصائصها ودلالاتها.‬

‫(4) المطابقة بين القانوني التشريعي والأخلاقي:‬

‫يتضح ذلك في احتجاجه الاعتذاري لحجية الإجماع والقياس بوصفهما مصدرين للواجب الأخلاقي. وتتجلى اعتذاريته في افتراضه شروطًا وهمية للإجماع، وبتَخَلف القياس عن تلبية الشروط التي أقرها بنفسه للإلزام الأخلاقي: أي الحسية والكمال والشمول. وهو عمومًا يتحدث عن فهم خاص للمصدرين أكثر مما يحيل إلى تجربة تاريخية معروفة، وهذا يمثل أحد أهم أوجه تطابق الفقه والأخلاق في الوعي الكامن عند دراز، على رغم محاولته التمييز بينهما.‬

‫(5) النزعة الاعتذارية:‬

‫فقد سعى دراز لبيان الأساس الأخلاقي لبعض الأحكام التشريعية، ولاسيما تلك التي أضفى عليها صفة الإطلاقية والعالمية، ولم يُدخلها في الأحكام المرنة التي تُفسح مجالاً واسعًا للجهد البشري الأخلاقي المبدع (دراز 1973، 268)، وهي على وجه الخصوص أحكام العقوبات المسماة بالحدود. وإدراجه هذا الضرب من التشريعات في دائرة الأحكام غير المعللة أو التي لا يتضح أساسها الأخلاقي هو محل نزاع عريض بين الباحثين المعاصرين خصوصًا، مثل فضل الرحمن، وعبد اللّٰه سعيد. وتتجلى الاعتذارية في تجاهل دراز لمناقشة أحكام تَعَاظم إشكالها مثل الردة، من جهة. ومن جهة أخرى في التبرير الاعتذاري الذي قدمه؛ حيث انتهى إلى المطابقة بين الأحكام التنظيمية التي جاءت لتحقيق مبادئ أخلاقية معينة والحفاظ عليها وبين أساسها الأخلاقي، أي بين الحكم التشريعي كوسيلة والحكم كمبدأ أخلاقي. بعبارة أخرى: إن التبريرات التي يقدمها تجعل الحكم التشريعي الموضوعَ لغاية أخلاقية، يرقى ليحتل مكانة المبدأ الأخلاقي المقصودِ نفسه (دراز 1973، 92). وهذه قضية تستحق إعادة نظر واعتبار، حيث تؤكد كثير من الحركات الإسلامية المعاصرة على أولوية تطبيق الشريعة؛ بما هي الحدود على نحو شبه حصري، قبل تأكيدها على أولوية المبادئ الأخلاقية التي جاءت هذه الحدود لتحميها، وبذلك ترفع الأحكام الجزائية إلى رتبة الشعارات والمثل العليا نفسها.‬

‫وحتى محاولات التخفيف الضمني من الإشكالية الأخلاقية للحدود، بادعاء استحالتها عمليًّا، أو ندرة تطبيقها بسبب قوتها الرادعة؛ لم تُرفق بتحليل عميق عن المبرر الأخلاقي لتضمينها الدستورَ الأخلاقي المطلق للإنسانية، بينما يخلو النص القرآني من إرشادات أخلاقية في قضايا هي أكثر تواترًا واطرادًا في حياة البشر، كقضايا الحكم ونظام الدولة مثلاً. يُضاف إلى هذا أن دراز لم يلتزم الدقة في عرض بعض الأحكام التشريعية كما هي معروفة في الفقه، سعيًا لتخفيف تعارضها مع النظرية الأخلاقية، كما في حالة الدية مثلاً، حيث تحدث عن اتفاق العلماء على عدم قبول الدية ممن ارتكب القتل غِيلة. وهذا غير دقيق، لأنه قول المالكية—وحدهم—الذين أوجبوا قتل القاتل غيلة تعزيرًا ورفضوا قبول الدية منه؛ خلافًا لجميع الفقهاء، وأدخلوا القتل غيلة في الحِرَابة (دراز 1973، 262 ؛ ابن قدامة 1968، 8: 270).‬

‫من المسائل الأخلاقية التي أعرض دراز عن مناقشتها على أهميتها: مسألة الحكم الأخلاقي قبل ورود الشرع، التي نحا فيها منحى الأشاعرة من أهل السنة منتقدًا المعتزلة بغير مزيد تفصيل (دراز 1973، 405)، ومسألة رؤية القرآن السلبية للميول الأخلاقية للإنسان (دراز 1973، 598).‬

‫لقد سعى دراز إلى مناقشة جلَّ المسائل والمعضلات الأخلاقية محللاً النظريات المختلفة ومقررًا رؤيته وفهمه للنظرية القرآنية إزاء كل منها. إن هذا الاتساع في الرؤية لا يخلو من سلبيات انعكست أحيانا على عمق التحليل المتصل ببعض المسائل والمعضلات، كما أسلفت الإشارة؛ إلا أنه لا يمكن التقليل إطلاقًا من عمق الحجاج الفلسفي الأخلاقي الذي قدمه. بل لقد فتحت دراسته آفاقًا جديدة في النظر الأخلاقي عمومًا، وفي القرآن خصوصًا على نحو يسهم في إعادة صياغة للمنظومة التقليدية العقدية والتشريعية، الأمر الذي لم يتم استثماره بعد، مثل النظر في لوازم فكرة الأساس الأخلاقي للتشريعات القرآنية التي أثبتها دراز بالاستقراء التام، وما تثيره من أسئلة عن مقاصد هذا التأسيس الأخلاقي للتشريعات وأثره وفائدته في حياة البشرية .‬

‫إن فكرة الجهد المبدع من أبرع الأفكار التي خرج بها دراز في قراءته للأخلاق القرآنية. وهذه الفكرة لو أُخذت إلى نهاياتها المنطقية، فإنها ستدفع إلى إعادة النظر في قضايا الفتوى والتشريع عمومًا والتربية الخلقية خصوصًا. وهي فكرة تجد جذورها عند الشاطبي في كتابه "الموافقات"، حين تحدث عن الأوامر والنواهي التي تَرِد في القرآن على العموم والإطلاق من غير تحديد ولا تقدير، كالعدل والإحسان والوفاء بالعهد والعفو..، وأنها" بحسب كل مقام، وعلى ما تعطيه شواهد الأحوال في كل موضع، لا على وزان واحد، ولا حكم واحد، ثم وُكِل ذلك إلى نظر المكلف؛ فيَزِن بميزان نظره، ويَتَهدّى لما هو اللائق والأحرى في كل تصرف؛ آخذًا ما بين الأدلة الشرعية والمحاسن العادية؛ كالعدل، والإحسان، والوفاء بالعهد، وإنفاق عفو المال، وأشباه ذلك"(الشاطبي 1997، 3/395–396). بل إن الشاطبي يشير إلى أن كثيرًا من الأوامر القرآنية إنما عَيَّنت الأطراف القصوى في الخير والشر، وتُرك ما بين ذلك مسكوتًا عنه "حتى يكون العقلُ ينظر فيما بينهما بحسب ما دلَّه دليل الشرع؛ فيميز بين المراتب بحسب القرب والبعد من أحد الطرفين؛ كي لا يسكن إلى حالة هي مَظِنة الخوف لقربها من الطرف المذموم، أو مَظِنة الرجاء لقربها من الطرف المحمود، تربيةُ حكيم خبير" (الشاطبي 1997، 3، 397–398)، "فلا يزال المؤمن في نظر واجتهاد في هذه الأمور حتى يلقى اللّٰه وهو على ذلك" (الشاطبي 1997, 3, 401).‬

‫عطفًا على هذا فإن تربية الإنسان على المبادئ الأخلاقية الكلية، على نحو يمكنه من توسيع دائرة قدرته على الحكم على الأوضاع الأخلاقية التي تَعْرض له في حياته بحسبها؛ وبما يفسح له مجال الإصابة والخطأ، وتَحَمل المسؤولية التقديرية؛ حتى يصبح" كل أحد فقيه نفسه"، بعبارة الشاطبي التي استخدمها في مواطن عدة من كتابه مشيرًا بها إلى السلطة التقديرية التي ينبغي أن يتمتع بها كل شخص في تقييم الأوضاع التي لم يقرر الشرع حدًّ ا واضحًا لها (الشاطبي 1997، 1: 192، 330، 484؛ 4: 284)، إن كل هذا سيقدم علاجًا لحالة الاستقالة الأخلاقية "للجهد المبدع" عند كثير من المسلمين اليوم، والتي تتجلى في ظاهرة الإفتاء والاستفتاء التي تملأ الآفاق اليوم.‬

ثانيًا: داود رهبر: رب العدالة

‫داود رهبر عالم باكستاني سافر إلى بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية عام 1949 حيث أعد أطروحته للدكتوراه في جامعة كامبردج بإشراف روبن ليفي بعنوان: "رب العدالة: دراسة في الدستور الأخلاقي للقرآن" عام 1953، ونشرتها بريل لاحقًا عام 1960.‬

1‬‫ الباعث الأخلاقي:‬

‫تَرَكزت معالجة رهبر على معالجة سؤالين مركزيين مترابطين هما:‬

  • ‫أ. ما المبدأ الباعث للسلوك الصالح في الفكر القرآني؟‬

  • ‫ب. ما الصفة الأبرز للطبيعة الإلهية التي تحكم ذلك المبدأ الباعث في الفكر القرآني؟‬

‫إذا كان كثير من الباحثين في الأخلاق—حسب رهبر—يلخصون الباعث الأخلاقي في المسيحية في الحب، وفي اليهودية في القوة والشهوة، فإن كثيرًا من المستشرقين يرون أن الخوف هو العنصر الأبرز في الأخلاقية القرآنية، وأطروحة رهبر في مجملها لا تعارض هذه الرؤية، ولكنها تبحث في جذورها العميقة لتنتهي إلى القول بأن دافع "الخوف من اللّٰه" ليس ناجمًا عن صورة إله حاكم مطلق القدرة، ذي إرادة اعتباطية نزوية متقلبة؛ ولكن عن صورة اللّٰه ذي العدل الصارم. (‪6–4 ،1960 Rahbar‬)‫.‬

بالنسبة لرهبر فإن القرآن يؤكد عقيدة العدل الصارم باطراد واتساق، وأي عبارات أو آيات أُوِّلت أو فهمت على أنها تشير إلى إرادة متقلبة للّٰه؛ فإنها تأويلات ناجمة عن نزع تلك الآيات من سياقها، ثم يرى أن مبدأ "العدل المطلق الصارم" مرتبط بحرية الإنسان؛ أما القول بالتقدير المسبق لأفعال الإنسان فلا أساس له في نصوص القرآن؛ إلا عندما يتم نزعها من سياقها. إذًا، إن مكمن الخطل في فهم الأخلاق القرآنية يرجع إلى عنصرين معارضين لفكرة العدل الإلهي: اعتباطية الإرادة الإلهية، والتقدير المسبق لأفعال البشر. ويُرْجع رهبر سبب هذا الخطل إلى ضعف الدراسة النسقية للنص القرآني بين المسلمين (الأمر نفسه الذي أكد عليه دراز)، إضافة إلى أنهم ألحقوا بالقرآن نصوصًا موازية من الحديث والتراث والعقائد المختلفة مما أدى إلى ترجيح تصورات وتأويلات معينة لآيات القرآن‬ (‮rabhaR 0691، 7–8).‬

‫وانطلاقا من القول بأن الأخلاق الدينية هي تَجلًّ للأخلاق الإلهية وانعكاس لها، فلا بد—بحسب رهبر—من إعادة قراءة مفهوم اللّٰه أو الصفات الإلهية "الأسماء الحسنى"؛ حتى يعاد تسكين مفهوم "الأسماء الحسنى" في منظومة الفكر الأخلاقي. إن نزع العديد من الأسماء الإلهية مثل (الجبار، القهار، المتجبر، المضل، الضار، المنتقم) من سياقاتها له بالغ الأثر على دلالاتها ومعانيها الأخلاقية. وبحسب رهبر فإن سياقات هذه الأسماء لم تخضع لدراسة وافية في التراث الإسلامي‬ (‮rabhaR 0691، 21).‬

‫سعى رهبر لتقديم تحليل سياقي لعدد من الصفات الإلهية لإثبات أطروحته المركزية عن عدالة اللّٰه باعتبارها الأساس الحقيقي للأخلاق القرآنية، وقد صَنف الصفات الإلهية ضمن القائمة الآتية:‬

  1. ‫النسب أو الصفات ذات الدلالات الميتافيزيقية، مثل: الحق، الأول، الآخر، القيوم.‬

  2. ‫النسب أو الصفات ذات الدلالة على تقدير الأفعال البشرية، مثل: علم، شاء، أضل، هدى، كتب، ختم.‬

  3. ‫النسب الدالة على المحبة والعفو (المبني على رغبات وميول ذاتية محضة)، مثل: غفر، عفا، رحم، أحب.‬

‫انتهى رهبر إلى أن الباعث الأخلاقي في الإسلام هو "الخوف من عدل اللَّّٰه." فالإيمان هو مبدأ الفضيلة والسلوك الصالح، وأساسه كامن في الخوف "التقوى"؛ باعتباره حافظًا للإيمان. ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّّٰهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين َ﴾ [المائدة: 93]. بل يرى أن ثلث آيات القرآن قد وردت للتذكير بعدل اللّٰه‬ ‪(255 ،1960 Rahbar)‬‫، كما أن فكرة القدر؛ بما هي إقرار بمعرفة اللّٰه السلوكَ البشري منذ الأزل، لا وجود لها في القرآن‬ (‮rabhaR 0691، 622).‬

‫لقد أثار رهبر عددًا من القضايا المنهجية المتصلة بالدراسة الأخلاقية للقرآن منتقدًا القراءة التجزئيية أو الاجتزائية للقرآن، ومقترحًا في المقابل خطة تكاملية نسقية. ينطلق رهبر من أن الآية القرآنية لا يمكن الاعتماد عليها بمفردها في فهم موقف القرآن من قضية معينة؛ إلا نادرًا. فقوله تعالى: ﴿واللّٰه خلقكم وما تعملون ﴾ [الصافات: 96] لا يدل على خَلق اللّٰه لأفعال العباد إلا بعد نزعه من سياقه الخاص جدًّ ا، وهو مجادلة إبراهيم قومَه حول الأصنام التي يصنعونها بأيديهم. وعليه فلا بد لفهم العبارات القرآنية من قراءتها في سياقها النصي. أما السياق التاريخي فإن ترتيب المصحف المخالف لتاريخ نزوله لا يساعدنا كثيرًا في إدراكه وتوظيفه في فهم الآيات. والدلالة السياقية هي المعيار في تحديد موقف القرآن من الفعل الإنساني، وطبيعة الفعل الإلهي‬ (‮rabhaR 0691، 81–02).‬

2‬‫ الاستقراء الاستقصائي:‬

‫بحث رهبر في دلالة المفاهيم القرآنية عبر العودة إلى جذور الكلمات، واستقراء جميع استعمالاتها في القرآن مهما بلغت كثرة وعددًا، مُصَنِّفًا إلى مجموعات بحسب القضايا أو السياقات الموضوعية التي وردت فيها، ثم تخصيص ما له صلة بالمسألة الأخلاقية بالتحليل، ثم اعتماد التأويل الذي تدل عليه السياقات الواضحة. ويرى رهبر أن تكرار عبارات متشابهة في القرآن مع اختلافات طفيفة ناتج عن البنية البلاغية للنص القرآني الرامية إلى دعم أفكاره المركزية من خلال الإلحاح عليها في عقول سامعيه من غير أن يكون هناك التزام بالوضوح في موارد التكرار جميعًا. إن الدلالة المحددة لأي عبارة بلاغية يمكن فهمها فقط بالإشارة إلى المناسبة التي جاءت في سياقها وبالنظر إلى الأثر الذي كان مقصودًا إنتاجه منها"‬ (‮rabhaR 0691, 35).‬

‫وبما أن من آيات القرآن ما هو واضح بَيِّن وما هو مشكل غامض، فإن الطريق لتوضيح الغامض منها يتلخص في وضعها بمحاذاة الواضح/المفصَّل لتتكشف معانيها. وعليه فإن الانطباع الذي يتركه قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ [هود: 119؛ والسجدة: 13] عن إله توجهت إرادته الاعتباطية المسبقة إلى مَلء جهنم بقدر ما من الناس؛ سيزول إذا فُهِم في ظل آية أخرى هي قوله: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبَّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: 48]، حيث تشير إلى أن الإرادة الإلهية متعلقة بمحاسبة المذنبين، وبإثبات أنه لا مفر لهم من العقاب (Rahbar 1960, 48).‬

‫يعترف رهبر أنه في حالات نادرة جدًّ ا لم يستطع أن يجد سياقًا واضحًا لعبارات معينة مثل: ﴿وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وحينها يلجأ إلى معيار الأغلبية، فيحمل هذه الحالات على مجمل ما انتهى إليه من الفهم‬ ‪(213–214 ,1960 Rahbar)‬‫. وقد أشار رهبر مرارًا إلى قضية التطور الدلالي للكلمات، لكنه توقف عن تقديم منهج متكامل في هذا الخصوص.‬

3‬‫ تَلقي البحث وإشكالاته:‬

‫على الرغم من أن كتاب رهبر قد نُشر بالإنجليزية في دار علمية شهيرة، وقد عَرف به المختصون وأشادوا به كما فعل هاملتون جب‬ ‪(140–143 ,1961 Gibb)‬‫، إلا أن منهج الكتاب الاستقصائي لا يبدو أنه اجتذب كثيرًا من الباحثين، على الرغم من تأكيد جب—مثلاً—على أن قيمة هذه الدراسة ستتجلى إذا ما اقتفى الباحثون أثرها في الاستقصاء والتحليل؛ حينها فقط يمكن الحكم على دقة نتائجها. أما من حيث المنهج فيوضح جب أن وجاهته ومتانته لا مطعن عليها، ولكنه انتقد رهبر في تجاهله لفكرة وجود تناقضات في النص القرآني فيما يعرف عند المسلمين بالنسخ، وأن ذلك يمكن أن يخدمه في إثبات نظريته من خلال افتراض نسخ الآيات المتعارضة معها. كما انتقده في قوله: "إن من المعاني والمفاهيم ما لم يكن موجودًا في لغة العرب قبل الإسلام، مثل اللّٰه وقدرته"‬ ‪(97 ,1960 Rahbar)‬‫، قائلاً: إن غالبية مفردات القرآن مشتقة من الاستعمال المطرد لها قبل الإسلام (مثل: الحي القيوم)، وسيكون من المصادرة الادعاء بأن محمدًا استخدم هذه المصطلحات بغير وعي بالأفكار التي كانت متصلة بها قبله.‬

‫تتضح أهمية هذا المنهج الاستقرائي الاستقصائي في تعليق ديفيد مارشال على عمل فضل الرحمن الذي اتخذ رأيًا مخالفًا لرهبر بخصوص أن العدل الصارم صفةٌ أساسية للّٰه، حيث رأى مارشال أن مجرد تجاهل فضل الرحمن للمنهج الاستقرائي الاستقصائي الذي اعتمده رهبر سيجعل من الصعب تَقَبل رأيه مهما بدا مقنعًا‬ (‮llahsraM 9991, 18).‬

‫أما رودي باريت (Paret 1963, 117) فلم يَبدُ مقتنعًا بمحاولة رهبر التوفيق بين الآيات الخاصة بالهداية والإضلال، ورأى أن الاختلاف في آيات القرآن في هذه القضية مردُّه إلى موقف النبي من رفض الكفار الصارم له، ما جعله يبرر ذلك بإضلال اللّٰه لهم؛ أما المؤمنون فإن محمدًا لم يجد مشكلة في عزو ذلك لإرادتهم الطيبة. أطلق باريت على رهبر اسم المعتزلي الجديد، وتوقع أنه سيواجَه بالاستنكار والاستهجان من قبل محيطه الإسلامي، ولكنه اعتبر عمله نوعًا من التجديد الداخلي في الإسلام، وهو مما ينبغي تشجيعه (انظر أيضًا‬ ‮remearK 2691; ahnadlaS 3691).‬

‫عربيًّا، لم أجد من الباحثين العرب في مجال الأخلاق من أشار إلى هذه الدراسة، فضلاً عن الاستفادة منها أو التعليق عليها.‬

ثالثًا: إيزوتسو: المفهومات الأخلاقية الدينية في القرآن

‫توشيهيكو إيزوتسو مستعرب ياباني ترجم القرآن إلى اليابانية وقدم عددًا من الدراسات المهمة في علم الكلام والتصوف، ودراساته القرآنية تعد من أهم ما كتبه. في عام 1959 أصدر كتاب: "بنية المصطلحات الأخلاقية في القرآن: دراسة في علم الدلالة"، ثم أصدر طبعة ثانية في عام 1966 طوَّر فيها منهجه وتحليله تحت عنوان: "المفهومات الأخلاقية الدينية في القرآن".‬

1‬‫ المفاهيم والمنهج اللغوي:‬

‫لا مبالغة في القول: إن الجانب الأكثر براعة وأصالة في دراسة إيزوتسو إنما يكمن في النظرية والمنهج اللغوي الذي طوره وأصَّل له وطبقه في دراسة المفاهيم والمصطلحات القرآنية. وبحسب إيزوتسو فإن كل منظومة لغوية—العربية منظومة، وعربية القرآن منظومة أخرى—تمثل مجموعة مفهومات منسقة تعكس معًا نظرةً مستقلة إلى العالم ومشتركة عمومًا بين متكلمي تلك اللغة ومميِّزة لهم. وهكذا تُطابق "عربية القرآن"—في جانبها الدلالي—ما يمكن أن نسميه بحق نظرة القرآن إلى العالم، التي هي نفسها مجرد جزء من تلك النظرة الأوسع إلى العالم التي تعكسها اللغة العربية التقليدية. وعلى النحو نفسه تمامًا، لا تمثل اللغة الأخلاقية القرآنية سوى جزء من جملة نظرة القرآن إلى العالم. وتؤلف التعابير الأخلاقية الدينية منظومة صغيرة مستقلة نسبيًّا ضمن ذلك القسم الأخلاقي. والمفاهيم الأخلاقية تكتسب دلالاتها المميزة فقط عند نسبتها وقراءتها ضمن المنظومة الأخلاقية الدينية، وهذا ما لا يمكننا الحصول عليه بالرجوع إلى المعاجم العربية. ولتحقيق ذلك كان لا بد من استنباط منهج خاص يتَتَبع كل تعبير مفتاحي في سياقاته اللفظية المتعينة، وبتعبير آخر: ينبغي أن يكون هناك منهج يَدَع التعابير القرآنية تشرح نفسها (إيزوتسو 2008, 399–400).‬

‫وفقًا لهذه الرؤية انطلق إيزوتسو متتبعًا التحولات الدلالية التي خضعت لها التعابير الأخلاقية الرئيسية في لغة العرب إبان ظهور الإسلام، وذلك أملاً في الكشف عن الروح الموجّه للدستور الأخلاقي الإسلامي. ويمكن إجمال الخطوات المنهجية لإيزوتسو في العناصر الآتية:‬

‫(1) القراءة المقارنة مع الشعر الجاهلي: إن المعجم اللغوي للشعر الجاهلي سابق زمانيًّا على القرآن، والمقارنة يمكن أن تُلقي ضوءًا كاشفًا على المعنى الوضعي لبعض التعابير المفتاحية في القرآن. بل تسمح بأن نرى على نحو دقيق التحولات التي طرأت على المفاهيم الجاهلية.‬

‫(2) المعنى الوضعي والسياقي: المعنى الوضعي هو محتوى الكلمة الدلالي مستقلاً عن أي سياق، والذي يبقى في جوهر الكلمة في أي سياق استُخدمت فيه. أما المعنى السياقي فهو الذي تتخذه الكلمة حينما تدخل في نسيج خطاب معين؛ فتحاط بهالة من الدلالات، وتدخل في علاقات دلالية مع جملة من التعابير الأخرى، فتكتسب حياة جديدة كليًّا. الكلمة في السياق القرآني المثقل بالدلالة ينبغي أن تُفهم بلغة التعابير المترابطة، وفي هذا السياق فإنه لا يُبحث عن المعنى الأصلي، أو أصول الكلمات على النحو الذي اعتمده الفيلولوجيون القدامى، ذاك أن الكشف عن أصول الكلمات في اللغات الأخرى لن يُسهم إلا قليلاً في فهم النص القرآني؛ الذي دخلت معه الكلمات في حياة جديدة كليًّا، واكتسبت معاني وظلالاً لم تعرفها من قبل.‬

‫(3) المعجم الأخلاقي للقرآن: (الكلمات المفتاحية): إن الكلمات في المعجم اللغوي الخاص ليست على قدر واحد من القيمة في تشكيل التصور الوجودي، فإن هناك كلمات تلعب دورًا حاسمًا في تشييد البنية المفهومية الأساسية للنظرية الأخلاقية للقرآن؛ وهي ما يسميه الكلمات المفتاحية.‬

‫(4) الحقول الدلالية: هي مجموعة من الصلات الدلالية ذات طابع نمطي بين كلمات محددة في لغة من اللغات. إنها المناطق التي شكلتها العلاقات المختلفة للكلمات فيما بينها ضمن المعجم اللغوي.‬

‫(5) التمييز بين أوزان الكلمات في الحقل الدلالي: (الكلمة الصميمية، والكلمة الثانوية): الكلمة الصميمية هي تلك التي تحتل المركز المفهومي لقطاع دلالي أو حقل دلالي من المعجم اللغوي، والكلمة نفسها قد تكون صميمة في حقل دلالي معين، وثانوية في حقل دلالي آخر.‬

‫إذا كانت هذه هي الإجراءات المنهجية لبناء منظومة المعجم الأخلاقي، فكيف ينتقل من تكوين المعجم إلى فهم الأبعاد الدلالية لمفرداته؟ يشير إيزوتسو إلى ستة معايير تسهم في الكشف عن المكونات الدلالية للمفاهيم في القرآن وهي:‬

  1. ‫التعريف السياقي: حين تعرف الآية مفهومًا بشكل صريح ومباشر، كما في آية البر.‬

  2. ‫التعريف بالترادف.‬

  3. ‫التعريف بالتغاير والتقابل.‬

  4. ‫التعريف بالنفي.‬

  5. ‫الحقل الدلالي: عندما يكشف الاستخدام القرآني لمجموعة من المفاهيم الأخلاقية عن محددات الحقل الدلالي الذي تنتمي إليه، فإنه يحدد من ثم مكوناتها الدلالية، كما في الآيات التي تربط بين (ظلم، افترى، كذب).‬

  6. ‫الاستعمال في السياقات الدنيوية: يسهم في الكشف عن المعنى الوضعي للألفاظ.‬

‫بالنظر في المفاهيم الأخلاقية في القرآن يشير إيزوتسو إلى أنها على ثلاثة أصناف: صفات اللّٰه الأخلاقية، وصفات تحدد موقف الإنسان من اللّٰه، ومبادئ السلوك بين أفراد البشر. وقد اقتصر في تحليله على المجموعة الثانية التي موضوعها العلاقة الأخلاقية للإنسان بربه؛ فقد لاحظ—وفقًا للتصور القرآني—أن اللّٰه ذو صفة أخلاقية ويتعامل مع الإنسان بطريقة أخلاقية؛ وعليه يُتوقع من الإنسان أن يستجيب بطريقة أخلاقية كذلك.‬

‫وفي مقابل اهتمام الفلاسفة بكلمات المستوى الثاني من الخطاب الأخلاقي، مثل: خير، شر؛ فإنهم يهملون مفاهيم المستوى الأولي منه، مثل: الورع، الكرم. إن منظومة كلمات المستوى الأولي هي التي تحدد المميزات الحقيقية للدستور الأخلاقي لأي جماعة (إيزوتسو 2008, 70)، لذا فهي أول ما ينبغي إخضاعه للدرس والتحليل. "إن الآلية الحقيقية للدستور الأخلاقي القرآني تعمل على مستوى التعابير الأخلاقية الأولية (إيزوتسو 2008, 72). بل يرى إيزوتسو أن التعابير الأخلاقية الثانوية الحقيقية في الإسلام هي تلك التي تم تطويرها لاحقًا: أي الأحكام الخمسة المعروفة، حيث تحتل أفعال الإنسان مكانها المناسب وتُقيَّم بالرجوع إلى معيار ثابت للخير والشر، وهي منظومة لا وجود لها في القرآن، ولكنها بنية فوقية (إيزوتسو 2008, 72).‬

‫يميز إيزوتسو بين طبقتين مختلفتين للتعابير الأخلاقية الأولية: طبقة وصفية وأخرى تقييمية، صحيح أنهما ملتحمتان، لكنه ممكن نظريًّا وضروري إجرائيًّا التمييزُ بينهما (إيزوتسو 2008, 74)، إلا أن إيزوتسو قد أفرد الفصل الأخير لدراسة مفاهيم المستوى الثاني التقييمية التجريدية، ولاحظ أنها قد حملت مع العنصر التقييمي الذي فيها عنصرًا وصفيًّا، بل إن بعضها ليس تقييميًّا إلا على نحو غير مباشر (إيزوتسو 2008, 397). ويمكن القول: إن القرآن نفسه يتمتع ببنية فوقية—رغم أنها بسيطة جدًّا—من شبكة مفهومات أخلاقية من المستوى الثاني (إيزوتسو 2008, 398).‬

‫ووفق ملاحظة إيزوتسو، فإن الملمح الأكثر بروزًا لتطور الفكرة الأخلاقية في جزيرة العرب هو أن الإسلام أعلن أخلاقية جديدة مبنية على الإرادة الإلهية المطلقة، بينما تَمَثل المبدأ الرئيس للحياة الأخلاقية الجاهلية في التقليد القَبَلي أو عادة الأجداد. ذلك أن الحياة الجاهلية كانت منظمة بالدستور الأخلاقي الصارم لـ"المروءة" المؤلَّف من عدد من المفهومات المهمة، كالشجاعة والصبر والكرم، وهذه المفهومات الأخلاقية ذات طبيعة تجعل قيمها الخالدة والشاملة معترفًا بها في أي عصر ولدى أي شعب، ولكن لأن هذا الدستور الأخلاقي كان مبنيًّا على القبلية الضيقة، فإنه احتفظ بطابع مميز منعه من أن يكون مشروعًا إنسانيًّا شاملاً. فلا غرو إذًا أن يرفض القرآن بعض القيم الجاهلية، بينما يأتي على معظمها بالتعديل والتطوير؛ وفقًا لرؤية الدين الجديد (الكرم نموذجًا)، قبل أن يضمها إلى منظومته الأخلاقية (إيزوتسو 2008, 401).‬

‫تقوم النظرة الأخلاقية في القرآن—بحسب إيزوتسو—على ثنائية بسيطة ولكن قوية وصارمة، وهي الصالح والسيء، ولكن بدلاً من استعمال هذين المفهومين التجريديين، يستعمل القرآن مفهومين عمليين هما: الإيمان والكفر. ويرى إيزوتسو أن المفهومات الأخلاقية الدينية هي الأكثر أهمية بين كل المفهومات التي ينبغي أن ترتبط بالأخلاقية، كما أن القرآن لا يميز تمييزًا جوهريًّا بين الديني والأخلاقي. بل حتى حقل الأخلاق الاجتماعية المنظمة للعلاقات بين البشر، جوهره ذو طبيعة دينية؛ لأن جملة قواعد السلوك معتمدة على الأوامر والنواهي الدينية. وهذا خلاف ما ذهب إليه دراز من التمييز بين الأخلاقي والديني في القرآن، ومن استناد الخطاب الأخلاقي في القرآن على مرجعيات غير دينية تتمثل في الضمير أو الفطرة الأخلاقية السابقة على حضوره.‬

2‬‫ التلقي:‬

‫لقد حظيت أعمال إيزوتسو عمومًا وكتابه في الأخلاق بنسختيه خصوصًا باهتمام المستشرقين عقب صدورهما مباشرة. فقد علق عليه مونتغمري واط، ورودي باريت، وبرتون وآخرون. وقد تنوعت مواقفهم وتقييماتهم للكتاب: ما بين مشكِّك في الإضافة المنهجية التي يقدمها الكتاب، باعتبار أنها لا تقدم جديدًا مختلفًا عن المنهج الفيلولوجي التقليدي (برتون)، ومتشكِّك في ملاءمة الدراسة الدلالية وجدواها عموما (واط). ويبدو أن كبار المستشرقين عمومًا قد فضَّلوا التمسك بمناهجهم الفيلولوجية الكلاسيكية؛ قناعةً بنجاعتها وغَنائها عن العدة الاصطلاحية المعقدة التي تفيض بها علوم اللغة أو الاجتماع الحديثة‬ ‪(Kugel 1990, 207)‬‫. ولا يبعد أن يكون إهمال إيزوتسو أو تجاهله للخلفية الكتابية (اليهودية المسيحية) للخطاب القرآني، واقتصاره على الخلفية العربية، قد قلل من أهمية الكتاب في نظر كثير من المهتمين بالضرب الآخر من القراءة‬ (‮nosboR 1691, 582–7; teraP 2691, 06–16; teraP 8691, 432; ttaW 4691, 272; ttaW 9691, 331; notruB 8691, 193–29; adjaV 8691, 012–11; yomeN 9691, 96–17; nitraP 0791, 853–262).‬

‫في المقابل، فإن هذه الأسباب نفسها ربما تكون هي التي جعلت الكتاب يحظى باهتمام وتقدير في دوائر معينة في العالم الإسلامي، كالمؤتمر الذي عقد في ماليزيا في‬ ‪(2010 Thoha)‬‫، حيث ترجم كتابه إلى التركية‬ ‪(1983 Ayaz)‬‫ والإندونيسية‬ ‪(1993 Husein)‬‫ والأوردية (1994) والفارسية (بدره اي 1999)، ومؤخرًا إلى العربية. وكما أوضح إسماعيل البيرق فإن إيزوتسو أصبح مقرّرًا يُدرَّس في العديد من الجامعات التركية منذ أواسط الثمانينيات، وتم، تأثرًا به، تخصيصُ مقرّر آخر لدراسة علم الدلالة في كليات اللاهوت الإسلامية. وتكاثرت الدراسات الجامعية المعنية بتحليل المفاهيم القرآنية على حساب الدراسات التاريخية للقرآن وتفسيره‬ ‪(Albayrak 2012)‬‫. والأمر كذلك في الجامعات الإيرانية وإن تأخر ذلك نحو عقد من الزمان عن تركيا.‬

‫أما في العالم العربي فإن كتب إيزوتسو حديثة الترجمة، ولم تلق بعدُ حقها من الدرس والتمحيص. وعلى الرغم من الحفاوة التي استُقبل بها من قبل بعض المتخصصين في الدراسات القرآنية والعربية المنفتحين على التجديد (زرور2001; حللي‬ ‪2008; Al-Akoub 2012‬‫)، إلا أن تأخر ظهوره عربيًّا، ولاسيما بعد العديد من الدراسات التي زعمت تبني مناهج لغوية حديثة مثيرةً كثيرًا من اللغط حولها، ربما ساهمت حتى الآن في إضعاف الاهتمام به، وبفكرة تطبيق علوم لغوية حديثة على النص القرآني. فقد انتقد أحمد عبد الرحمن، مثلا، النظرية اللغوية التي تربط بين اللغة ورؤية العالم، كما اتهم إيزوتسو بالتناقض والجمع بين النسبية والمثالية في الأخلاق والمعرفة، متفقًا في ذلك مع الفاروقي كما سنرى (عبد الرحمن 2002, 36–57).‬

3‬‫ مراجعة الفاروقي النقدية:‬

‫يبدو أن إسماعيل الفاروقي—وهو أحد أهم المتخصصين في النظرية الأخلاقية في منتصف القرن المنصرم (‪1967 ;1952 Al-Faruqi‬)‫—لم يكن مقتنعًا مطلقًا بعمل إيزوتسو في نسخته الأولى، فكتب مراجعة مطولة انتقده فيها انتقادًا لاذعًا على مستوى المضمون والمنهج. فقد رأى أن عمل إيزوتسو لم يُسفر عن اكتشاف أفكار تشكل نظامًا مُحكمًا من الفكر الأخلاقي، بل سلسلة من الملاحظات المتعلقة بمفاهيم أخلاقية مفتاحية متفرقة. وذلك ناجم—بحسب رأي الفاروقي—عن أن القرآن نفسه لا يقدم هذا النظام الأخلاقي على شكل منظومة واضحة‬ ‮(iquraF-lA 2691, 841–451).‬

‫ثم انتقد إيزوتسو بشدة؛ بسبب اعتماده ثنائية: الإيمان/الكفر باعتبارها حجر الزاوية في النظام الأخلاقي في الإسلام، وعارضه بأن الثنائية الأخلاقية الأساسية فيه إنما تتمثل في القيمة/اللاقيمة، الخير/الشر؛ مشيرًا إلى القيمة الإيجابية التي نسبها القرآن إلى اليهود والنصارى على الرغم من أنهم خارج دائرة الإيمان. ثم إن القرآن يخبرنا أن القيمة متداخلة مع اللاقيمة بما يجعل الثنائية غير واضحة، ولاسيما حينما يأمر بتحقيق ما يراه أدنى قيمة في سبيل ما هو أعلى قيمة. بعبارة أخرى: ليس هناك من تصنيف هيّن للمبادئ الأخلاقية القرآنية، وكان حريًّا بالمؤلف أن يبقى أمينًا لهذه الفكرة التي أشار إليها بنفسه. كما انتقد تعميماته بخصوص طبيعة العرب التي وصفها—تبعًا لدوزي—بأنها غير دينية، اعتمادًا على آية واحدة تشير إلى مجموعة محدودة من العرب كان النبي يخاطبهم.‬

‫كما انتقد الفاروقي قول إيزوتسو بأن رؤية محمد المبدئية للحياة الدنيا هي رؤية تشاؤمية؛ مبيّنًا أن قوله هذا مبني على مقدمتين خاطئتين:‬

‫أولاهما: أن رؤية العالم عند الجاهليين كانت تشاؤمية بسبب إدراكهم لفناء الحياة البشرية، وافتقارهم لأي تصور للآخرة. وتعقيبًا على الشواهد الشعرية الكثيرة التي اعتمد عليها إيزوتسو، يقدم الفاروقي تفسيرًا مختلفًا لها، مُفاده: أن ما يبدو في أشعار العرب ضربًا من التشاؤم واليأس من الحياة الدنيا، ليس نتاج مَقت لها، بل إنه أكبر دليل على تعلقهم بها، وطمعهم في الخلود فيها، وما مَقتهم لها إلا مقتًا لزوالها وانقضائها. ثم يبين الفاروقي أن القول بأن الجاهلية والإسلام يقومان على رؤية منكرة للعالم يتعارض بشدة مع تاريخ الإسلام وتراثه، فهذا تصور قد يمكن نسبته للمسيحية أو البوذية وليس للإسلام. وثانيهما: أن محمدًا استبدل بروح التضامن القبلي عند الجاهليين روح التضامن الديني بين المؤمنين، بمعنى أنه حوَّل مركز العصبية ونقله من القبيلة إلى الإيمان؛ وقد فهمه الفاروقي على أنه محاولة لجعل الإسلام نسخة كربونية معدلة عن الحياة الجاهلية ورؤية العالم عند الجاهليين. بل إنه رأى أن تفسير إيزوتسو للتقوى بالخوف ليس إلا تكرارًا ممجوجًا للفكرة الاستشراقية عن إله الإسلام المتجبر الباعث على الخوف والرهبة.‬

‫يخلص الفاروقي إلى أن استعداد إيزوتسو اللغوي لا يؤهله للمهمة التي انتدب نفسه لها، ثم انبرى مبينًا أن منهج التحليل الدلالي الذي اتبعه—على الرغم من فضائله العديدة—لا يصلح للدرس الأخلاقي للأسباب الآتية:‬

  1. ‫إن القول بأن كل أشكال الوعي تحدد من خلال الاستعمال الاجتماعي يتجاهل الافتراضات الأولية التي يقوم عليها التحليل الدلالي؛ إذ لا يمكن للمرء أن يستخرج نسقًا من الظواهر ويجمعها تحت عنوان محدد دون أن يمتلك فكرة مسبقة عن مبدأ الاختيار والتصنيف. بعبارة أخرى: إن هذا الوعي الاجتماعي لا يمكن فهمه في النهاية إلا عبر عملية تصنيفية تنظيرية يقوم بها المحلل الدلالي عبر مجموعة أخرى من الافتراضات المبدئية الكامنة؛ بما ينفي ادعاء هذا الضرب من التحليل قدرته على تقديم فهم موضوعي مطلق.‬

  2. ‫القول بأن كل مفهوم أخلاقي دال إنما هو تجريد لاستعمالاته المادية الملموسة، غير دقيق. فما الاستعمال المعتمد للتحليل أهو استعمال رجل الشارع، أم المثقف، أو المسؤول الحكومي أو الأديب؟ هل يمكن للاستقراء التطبيقي لأدب لغة ما—إذا كان ذلك ممكنًا—أن يكون معتمدًا للإجابة عن الأسئلة التي تسعى وراءها الأخلاق؟‬

  3. ‫وهَبْ أنه تم تحديد الافتراضات الأخلاقية، فهل يمكن لها أن تستنفذ معنى الأخلاقي؟ هل يمكن للافتراض المعياري أن يُختزل في مجموعة من العبارات الوصفية؟ ما معنى أن تقول: إنه يجب أن تفعل كذا؛ لأن الناس اعتادوا استخدام هذه المصطلحات للتعبير عن هذا المعنى؟ وإيزوتسو يدعي أنه يريد أن يقدم لنا أخلاقًا معيارية غير متحيزة عبر هذا الاختزال الوصفي!‬

  4. ‫وإذا ما ادعى إيزوتسو العكس فإنه يرتكب المغالطة الطبيعية—التي تعرِّف الخير بخصائصه الطبيعية مثل أنه مرغوب أو مُفرح—(naturalistic fallacy) أو المغالطة الاختزالية (reductionist fallacy)، وفي كل الأحوال فإنه ينتهك قانون الهوية (law of identity). ولكن الفاروقي لا يبين لنا كيف ارتكب إيزوتسو كل هذه المغالطات!‬

  5. ‫على الرغم من نقد إيزوتسو لفكرة النسبية الأخلاقية، إلا أن نظريته لا تترك مجالا لغيرها.‬

  6. ‫يرى الفاروقي أن التحليل الدلالي هو ابن النسبية في الأخلاق وابن الإمبريقية الصارخة في الأبستمولوجيا، بل إنه أحد موروثات حلقة فيينا، ونتاج حالة التشاؤمية (الكلبية) والإحباط التي أعقبت الحرب العالمية الأولى. ولكن إذا كانت الأحصنة الأوروبية الميتة قد وجدت طريقا لها في أمريكا فهذا مفهوم، أما في اليابان فتلك هي المفاجأة. إن الكتاب ليس فيه شيء ياباني أو شرقي. إنه امتداد للروح الغربية، بل لأقل ما فيها قيمة من المعالم الفكرية لروحها؛ أي الوضعية المنطقية أو التحليل الاختزالي داخل حقل الإسلاميات. إن إيزوتسو لم يقم إلا بتأكيد الأحكام المسبقة القديمة التي اعتدنا عليها من المستشرقين الغربيين، بحسب الفاروقي.‬

‫لقد قدم الفاروقي قراءة فلسفية جوهرانية—تحيل إلى صفات مطلقة مثالية لما هو شرقي وغربي—لإيزوتسو حمَّله فيها وزر العديد من النظريات الفلسفية التي رأى أنه ينتمي إليها دون أن يقدم دلائل واضحة على ذلك، ودون أن يعلق على الجهد التأويلي في قراءة المفاهيم القرآنية، بل جعل الفاروقي قراءته الخاصة للقرآن معيارًا يحاكم به إيزوتسو. ومن المفارقة أن أحد الباحثين قد عقد مقارنة بين منهجي إيزوتسو والفاروقي في دراسة الأخلاق، وخلص إلى القول بتقاربهما الشديد‬ ‮(ihsaH 8002).‬

4‬‫ الاختزال المفاهيمي للخطاب:‬

‫إحدى المشكلات الأساسية التي تتصل بالنظرية التي يستند إليها إيزوتسو تتمثل في اختزال الخطاب إلى المفاهيم المكونة له، حيث يتم التركيز على تحديد دلالة المفاهيم اللغوية، ومن ثم استنطاقها بدلالة فلسفية كليّة، دون الرجوع إلى بنية الخطاب الحجاجية ومحدداته للآفاق الفلسفية لمفاهيمه. فإذا كانت المفاهيم تكتسب مكانتها بمجاورتها بأخرى في حقل دلالي معين، فإن سياق الخطاب الحجاجي ينبغي أن يبقى هو المتحكم في مقاصدية المفاهيم التي يوظفها. وعليه ينبغي التمييز بين مستويين من التحليل متراكبين: تحليل المفاهيم المبني على فهم السياقات، ثم تحليل الخطاب بناء على مجموع دلالات المفاهيم.‬

‫بعبارة أخرى: إن المَقول الكلي الذي يصدر عن نظرية تقوم على تحليل المفاهيم، لا يصلح لأن يكون مقولاً كليًّا ينطبق على الخطاب. فإذا كان حضور مفهوم اللّٰه ثابتًا ومطردًا في الآيات التي تتناول الأخلاق الاجتماعية مثلاً، فهذا لا يعني أن مرجعيتها الأخلاقية دينية-إلهية فحسب، فالحضور المطَّرد للمفهوم لا يعني ثقلاً مطلقًا له، فالسياق الحجاجي قد ينقل الثقل الدلالي إلى أطراف أخرى في الخطاب. وأجلى مثال لأثر السياق الحِجاجي هو اطراد الخطاب القرآني في ربطه الأخلاق الاجتماعية بمفاهيم أخلاقية إنسانية (سابقة على الديني)؛ بما يشكل دليلاً على أن المرجعية الأخلاقية تتعدى الإلهي إلى الإنساني، على النحو الذي أوضح دراز ببراعة من قبل، وكذلك حوراني بعده‬ ‮(inaruoH 5891).‬

‫ومما يتصل بهذا الجانب أيضًا، تركيز إيزوتسو على السياق الجزئي للآية أو الآيات، وإهمال السياق الكلي للسورة؛ السياق الذي يمكن أن يؤثر على نحو حاسم في فهم الخطاب، بل وفي إدراك الأبعاد الدلالية والفلسفية للمفهوم نفسه.‬

‫إن الحوار القرآني مع الموروث الكتابي اليهودي-المسيحي يقتضي أن تؤخذ الخلفية الكتابية كذلك في الاعتبار عند قراءة المفاهيم الأخلاقية القرآنية. كما ينبغي الالتفات إلى الخطوط العامة للتطور التاريخي للمفاهيم الأخلاقية بين مرحلتيه المكية والمدنية (مرحلة القوم، ومرحلة الأمة).‬

‫إن بعض النتائج التي انتهى إليها إيزوتسو أوسع من الإطار التحليلي الذي اشتغل به: مثل القول بأن الأخلاق القرآنية—عموما—تستمد مشروعيها من نسبتها إلى اللّٰه، وهذه آفة تُحيق بكثير من هذه البحوث المحكومة بإطار بحثي ضيق بحسب القدرة البشرية، والمدفوعة برغبة الباحث إلى الخروج بنتائج كلية ورؤى عامة حاكمة. وقد كان هذا الاستنتاج متوقعًا بحكم الحقل الدلالي أو المعجم الذي اشتغل به ايزوتسو، ولعله إن اشتغل على حقل آخر تبين له معيار آخر ومفهوم آخر.‬

‫على أنه لا بد من القول: إن نظرية الحقول الدلالية والمعجم الأخلاقي للقرآن، وتقنيات التحليل الدلالي والقراءة الكلية، كلها عناصر منهجية حَرِيَّة بالاستثمار والتوظيف في دراسات لاحقة تسبر عمق الخطاب الأخلاقي في القرآن، المهمة التي لم تنجز بعد.‬

رابعًا: صالح الشمّا: النظام الأخلاقي للقرآن

‫الشما باحث عراقي أعد أطروحته للدكتوراه في أدنبره، وطبعت في عام 1959. يرى الشما أن الغالب على أخلاق القرآن هي أخلاق الواجب—خلافًا لدراز الذي جعلها أخلاق واجب وخير—، ما كان منها إيجابيًّا على شكل فضائل واجبة الاتباع، وما كان منها سلبيًّا على شكل رذائل واجبة الاجتناب. وقد خصص دراسته لدراسة قائمتين متقابلتين من هذه الخصال الفاضلة والرذيلة.‬

1‬‫ منهج الاستقراء والتحليل التاريخي:‬

‫انطلاقًا من القول بأن للقرآن معجمه الخاص، يعتمد الشما منهج الاستقراء والتحليل التاريخي للنصوص المتعلقة بجذر لغوي معين، وغالبًا ما يعتمد أكثر من جذر؛ بسبب كثرة المترادفات في القرآن. والمقصود بالتحليل التاريخي هو ترتيب التحليل على التسلسل التاريخي لسور القرآن، على النحو الذي اقترحه نولدكه (الفترة المكية: المبكرة، المتوسطة، المتأخرة، والفترة المدنية جملةً ). والخلفية التي اعتمدها الشما لقراءة الأخلاق القرآنية هي الأخلاق العربية، أو أخلاق الجاهلية، وليست الخلفية الكتابية.‬

‫ولأن المبدأ الاحصائي كان حاكمًا في التحليل الدلالي والسياقي عند الشما؛ فقد كان للتكرار والترادف أثرٌ بارز في تحديد ظلال المعنى وضفافه، وهذا ما يفسر صعوبة التحديد الدقيق للكلمات النادرة أو قليلة الاستخدام. وفي مواجهة عدد من الظواهر اللغوية التي تزيد عادة من صعوبة تكوين رؤية واضحة عن المفاهيم الأخلاقية القرآنية، مثل الترادف والاشتراك؛ فقد سعى الشما إلى تثبيت معنى واحد للكلمات المشتركة قدر الإمكان بحسب الدلائل، حيث تقوم الاستعارات بتفسير المشترك بشكل كبير. أما الترادف فرأى أن له أثرًا في توضيح المعنى من جهة وفي إرباكه من جهة أخرى. إن المعيار الإحصائي الذي اعتمده الشما يقوم على تعيين الأهمية النسبية للمفهوم بحسب نسبة توارده في فترة زمنية معينة، وعلى الرغم من شكلية هذا المعيار، فإنه كان واعيًا في معظم الأحيان، بتعدد الاحتمالات التأويلية التي يعنيها الاختلاف الإحصائي بين الحقب التاريخية للآيات.‬

2‬‫ خصائص الدستور الأخلاقي:‬

‫يلخص الشما خصائص الدستور الأخلاقي القرآني بما يأتي: رفض المُثُل البدوية وشبه البدوية، وتفضيل مُثل مجتمع مستقر حيث تزدهر الفردية. والتصرفات الأخلاقية إجمالاً لا تُحاكم بظواهرها الخارجية بل بمقاصدها والنية الطيبة. وعلى الرغم من أهمية العائلة، فإنها لا تقوض من حقوق الفرد أو المجتمع، في مقابل الأخلاق الجاهلية حيث العائلة والقبيلة هي أساس النظام الأخلاقي. وإذ ينتقد القرآن مبدأ التبعية والتقليد الجاهلي، فإنه يستبدل به تقليد النبي أو سنته. إن الدستور الأخلاقي للقرآن ليس مرتبطًا بعلاقات الدم، بل بعقيدة يتجاوز أفقها حدود الارتباطات القومية والقبلية. فالمُثل الأخلاقية القرآنية تختلف عن المثل البدوية في جوانب عديدة: التواضع، العفة، الصدقة، الأخوة، العدل. والتقوى القرآنية هي المقابل للمادية الجاهلية والأخلاق المنحلة.‬ ‮(ammahS-lA 9591, 341–441).‬

‫أخيرًا: يتوقف الشما عن الجزم بوجود نظام أخلاقي كامن في القرآن أو بعدمه، ولكنه يؤكد—في إشارة ضمنية إلى القول بانعدام هذا النظام النظري وتعويضه بنظام عملي—أنه إذا ما أخذنا الأخلاق خارج الميتافيزيقا والقيم المطلقة وربطناها بالقانون، فستظهر الأخلاق القرآنية باعتبارها دستورًا للسلوك وهيكلاً متسقًا من الأحكام. فإذا ما انعدم النسق النظري لأخلاق القرآن، فإن هناك نسقًا عمليًّا منسجمًا يقوم مقامه، كما أن السلطة الإلهية التي تستند إليها الأخلاق القرآنية تمنحها انسجامًا يُغنيها عن قاعدة نظرية قوية‬ ‮(ammahS-lA 9591, 831–931).‬

3‬‫ التلقي والإشكالات:‬

‫اعتمد الشما الجاهلية كخلفية وحيدة لقراءة الأخلاق القرآنية متجاهلاً الحوار الكتابي الذي خاضه القرآن؛ ولم يَخل من مبادئ أخلاقية. يفتقد البحث إلى الحيوية بسبب الفصل الحاد بين المفاهيم الإيجابية والسلبية. إن الباحث مقتصد جدًّ ا في التحليل الدلالي وبيان الفروق الدلالية، ومعنيٌّ أكثر بالمعيار الإحصائي، ثم إن تحليله للبيانات الإحصائية غالبًا ما يعتمد على بيانات ما وراء قرآنية يعوزها التحقق والمصداقية، مما يُضعف من موضوعية التحليل الدلالي للنص.‬

‫تلقى بعض المستشرقين المعروفين هذا الكتاب بالاستحسان‬ ‮(lemmihcS 3691, 962)‬‫، ولكن الكتاب لم ينتشر بين غير المختصين. وعربيًّا لم أعثر على أحد أشار إلى الكتاب على الرغم من أن صاحبه أستاذ في الجامعات العراقية.‬

خامسًا: جورج حوراني: الافتراضات الأخلاقية للقرآن

‫حوراني باحث بريطاني من أصل لبناني اختص بدارسة التراث الأخلاقي العربي، ولاسيما المعتزلي منه‬ ‮(inaruoH 1791)‬‫. وعلى الرغم من أنه لم يكن مَعنيًّا بالأساس بتحليل الرؤية القرآنية، إلا أنه أفرد بعض دراساته للبحث في أصول الأخلاق النظرية في القرآن‬ ‮(inaruoH 5891).‬

‫في دراسته عن "افتراضات القرآن الأخلاقية"‬ ‮(inaruoH 0891; 5891)‬ ‫يرى حوراني أن علماء الكلام المسلمين لم يميزوا في جوابهم عن أسئلة الأخلاق (المعرفية والوجودية) بين ما هو من اجتهادهم ونظرهم وما هو مستنبط ومشتق من النص القرآني، كما لم يميزوا بين موقف القرآن من السؤالين المعرفي والوجودي، وهو تمييز لا بد منه لفهم رؤية القرآن الأخلاقية بشكل دقيق. يُقر حوارني—مثل كثير ممن أسلفنا ذكرهم—أن القرآن ليس كتابًا نظريًّا يُنتظر منه أن يقدم صراحة نظريته للأخلاق، ولكنه شأن كل الكتب السماوية يقوم على افتراضات كامنة في طريقة إيصاله لرسائله الأخلاقية، وهي ما يجب البحث عنه واكتشافه‬ ‮(inaruoH 5891, 52).‬

‫وللقيام بذلك اقترح حوراني تحليل المصطلحات الأخلاقية والجمل الأخلاقية في القرآن، مع الأخذ في الاعتبار الترتيب التاريخي لسور القرآن (كما اقترحه بلاشير). لم يتمسك حوراني بمبدأ الاستقراء الشامل للمصطلحات القرآنية، فقد رأى أنه بالإمكان استخلاص نتائج محددة من خلال نماذج معينة يتم استقراؤها في كل القرآن، ومن ثم يمكن تجاهل الاختلافات الطفيفة، إلا إن كانت هذه الاختلافات مثيرة لمشكلات تخالف تلك النتائج. كما اشترط حوراني على نفسه تجاوز النظر في التفاسير التقليدية باعتبارها مُعبِّرة عن مذاهب واتجاهات مؤلفيها، ولأنه يمكننا النظر في القرآن مباشرة من خلال سياقه اللغوي والتاريخي.‬

‫بعد حديثه عن المبادئ المختلفة لمصادر المعرفة الأخلاقية: الموضوعية والذاتية، العقلانية والتقليدية، والتشكيلات المذهبية التي يمكن أن تظهر من الجمع بين هذه المبادئ، انطلق حوراني متسائلاً عن مذهب القرآن: هل يعتمد مبدأ الذاتية الإلهية/الدينية (theistic or divine subjectivism) أو ما يسمى النزعة الإرادوية/الوضعية في الأخلاق (ethical voluntarism)، أم مبدأ العقلانية المطلقة أو العقلانية الجزئية في الأخلاق؟ بعبارة أخرى: يعيد حوراني طرح سؤال دراز بطريقة أخرى: هل تستند الآمرية الأخلاقية في القرآن إلى إرادة إلهية محضة، أم إلى مبادئ يمكن تعقُّلها وفهمها؟‬

‫في الجواب عن مبدأي الذاتية والموضوعية: يخلص حوراني إلى أن القرآن يستخدم اللغة العربية عمومًا بحسب استعمالها الشائع قبل الإسلام مع بعض التعديلات الاصطلاحية الخاصة به. أي أن القرآن يستخدم المصطلحات الأخلاقية عمومًا بشكل موضوعي. فالقرآن خاطب مشركي مكة منذ البداية بمصطلحات أخلاقية مثل الصالح والظلم والعدل، ما يعني أن لهذه المفاهيم الأخلاقية دلالة موضوعية سابقة على الإسلام، وأن القرآن يستند في حواره معهم إليها. وكما ينفي هذا مذهب الذاتية الإلهية في الأخلاق، فإن القرآن ينفي صراحة الذاتية البشرية في الأخلاق، بمعنى أن يكون مصدر الأخلاق ما يستحسنه الإنسان أو يكرهه بدافع من هواه وميله المحض‬ ‮(inaruoH 5891, 82).‬

‫وفي الجواب عن سؤال الإرادوية/الوضعية الأخلاقية: يرى حوراني أن كثيرًا من علماء الكلام انطلقوا من مقدمة صحيحة تكررت في القرآن وتتلخص في أن اللّٰه يعرّف ما هو الحق والصواب، ويخلص إلى نتيجة مُفادها أن ذلك ناتج عن أنه هو الذي يقرر ما هو حق وصواب؛ على الرغم من أنه لا يوجد في القرآن ما يؤيد هذه النتيجة. ولإثبات ذلك ناقش حوراني مفاهيم الظلم والعدل والإحسان وغيرها، وانتهى إلى مثل ما انتهى إليه إيزوتسو، من أن القرآن قد استعملها في اتجاهين: أحدهما موضوعي يستند إلى معايير معقولة، والثاني استعمال يربطها بالأمر والإرادة الإلهية. وعليه فإنه لا يمكن الحديث عن أن المفاهيم الأخلاقية الإنسانية كلها مفاهيم دينية/ذاتية محضة؛ إذ إن القرآن يشير باطراد إلى قيم موضوعية لا يمكن تحليلها بناء على مفهوم الأمر والطاعة. وهنا يقر حوراني أن هذا الاستنتاج يتفق مع ما ذهب إليه المعتزلة قديمًا.‬

‫ولكن بغض النظر عن الوجود الموضوعي للقيم، هل يمكن للناس عمومًا، أو لبعضهم، أن يحصَّلوا معرفتها من دون الهداية الربانية؟ ينتهي حوراني إلى أن القرآن يَعرض نفسه مصدرًا أساسًا أو المصدر الأوحد للهداية الأخلاقية والدينية؛ ومن دونه فإن الخيار الوحيد المتاح للإنسان هو خيار لا أخلاقي: أي اتباع الهوى.‬

‫ولكن هل يمكن للإنسان أن يدرك أحيانًا بالعقل المحض الحكم الأخلاقي بعيدًا عن النص؟ يَخلص حوارني إلى أنه رغم تأكيد القرآن على مرجعية الوحي، إلا أنه لم يَنف أو يستنكر استخدام العقل المستقل في الأحكام الأخلاقية، بل إن هناك اعتبارات معينة ترجح وجود افتراض غير جازم يدعو إلى القيام بذلك؛ إذ لا يوجد في القرآن ما يؤكد وجوب رجوع الإنسان في كل حكم أخلاقي إلى الكتاب.‬

‫وفي تعليقه على آثار هذه الفهم الذي قدمه على الفكر الإسلامي، يوضح حوراني أن شيوع نظرية الوضعية الدينية للأخلاق في تراث الفقه الإسلامي والكلام قد قوَّضت ثقة المسلمين العاديين في قدرتهم على إصدار أحكام أخلاقية سليمة؛ باعتبار أنها ينبغي أن تكون دومًا مستمدة من الوحي أو العلماء ورثتِه. وهذا يعني بالنسبة للمسلمين المعاصرين: أنه لا يمكن—عمومًا—للحركات أو الثورات الإصلاحية أن تقوم بغير قيادة دينية عبر المهدي أو الإمام أو الشيخ المتصوف، فهم المحيطون بالمعرفة الشرعية وبالخير والشر. ويضيف حوراني أنه إذا كان القرآن لم يؤكد نيته تنظيم كل تفصيل من تفاصيل الحياة البشرية، فإنه ينبغي إعادة النظر في اتجاه مدارس الفقه الإسلامي إلى تفصيل القول وإصدار الأحكام في كل شؤون الحياة، وكذا النظر فيما خلّفه الواقع المعاصر بمشكلاته الجديدة من فراغ فقهي أو تأويل متكلَّف.‬

‫حقيقة الأمر أن ما قدمه حوراني لم يكن إلا تأكيدًا وتعزيزًا—سواءٌ على مستوى النظرية والمنهج أم على مستوى النتائج—لما انتهى إليه قبله دراز أو ورهبر بنحو ما. وهنا تجدر الإشارة إلى أمرين: التوافق الذي ساد تلك الدراسات الأخلاقية في تلك الحقبة الزمنية من جهة، والتأكيد على أهمية إدراك البعد النظري والعملي لهذه القراءات من جهة أخرى، الأمر الذي أشار إليه حوراني صراحة، في تقارب مُدهش مع رؤية دراز لفكرة الجهد الأخلاقي المبدع التي تتلخص في ضرورة إعادة ثقة المسلم العادي بقدرته على الحكم الأخلاقي، وهي فكرة لم تزل تفتقر إلى النظر والتحقيق. على خلاف ذلك فإن البعض—مثل مجيد فخري وهو باحث في تاريخ الأخلاق الإسلامية أيضًا—قد حاول أن يقدم موجزًا عن أخلاقية القرآن والسنة، ولكنه فضّل الانتقال إلى دراسة التراث الأخلاقي الإسلامي؛ لقناعته بضعف الأساس العلمي لأي محاولة لاستخراج نظرية أخلاقية منهما‬ ‮(yrhkaF 1991; rattA 0102).‬

‫خاتمة:‬

‫إن مما يلفت النظر أن معظم الدراسات التي سلف ذكرها قد تمت في الغرب على يد باحثين مسلمين وبعض الدارسين من غير المسلمين، ثم إنها ظهرت في حقبة زمنية متقاربة لا تتجاوز العقدين من الزمان بعد منتصف القرن المنصرم. فما السر وراء هاتين الظاهرتين؟‬

‫في بحثه عن تطور المذاهب الإسلامية في الإجابة عن مسألة الحكم الشرعي والأخلاقي على أفعال الإنسان قبل ورود الشرع، انتهى راينهارت (Reinhart) إلى أن المذهب الذي كان يرى أن العقل البشري قادر على تحديد الصالح والطالح ومن ثم الحكم بالإباحة والتحريم على الأفعال قبل ورود الشرع، كان هو المذهب السائد في القرون الأولى للإسلام، والمعتزلة كانوا حَمَلة لوائه. ويرى أن تأصيل المعتزلة لهذه المسألة يستند إلى أسس قرآنية خالصة، ولم يخضع المعتزلة في ذلك لتأثيرات الفكر العقلاني اليوناني كما يقال. ويرى راينهارت أن هذا الموقف—شأنه شأن القرآن—مدفوعٌ بروح دعوية تبشيرية قوية كانت سائدة في القرون الأولى للإسلام بحكم كونه دين الأقلية حينها، الأقلية التي تسعى إلى إيجاد مشتركات أخلاقية مع الغالبية غير المسلمة تكون سبيلاً لإقناعها بخيرية الإسلام ورفعته الأخلاقية. ولكن هذا المذهب بدأ بالاضمحلال والزوال ليحل محله المذهب المؤيّد لفكرة التوقف والقول بعجز العقل البشري المستقل عن الحكم بالخير والشر. وهنا يعزو راينهارت هذا التحول والاختلاف إلى تغير الظروف التاريخية والاجتماعية للمسلمين الذين أصبحوا أغلبية في المجتمع، فانخفضت الروح الدعوية التبشيرية لترتفع الروح الاستعلائية التي تصور الوحي مستغنيًا عن أي سند من أي مصدر خارجه، من عقل أو سواه‬ ‮(trahnieR 5991).‬

‫عطفًا على المنظور السابق فإن قارئ تاريخ الفكر الإصلاحي الحديث—عمومًا—يلحظ كيف انعكس التحول التاريخي الذي حاق بالمجتمعات المسلمة ونقلها من حال الهيمنة والقوة إلى الاستضعاف والاستتباع، على الفكر الإسلامي الحديث الذي سعى لإحياء تراث السلف العقلاني المحمَّل بنزوع إنساني مشترك وروح دعوية. في هذا السياق يمكن فهم الدراسات الأخلاقية التي قدمها المسلمون في الغرب والتي انتهت في قراءتها للقرآن إلى موقف مقارب لموقف المعتزلة الأوائل، على أنها إعادة إحياء للاتجاه العقلاني الإنساني الذي يسعى لإيجاد مسالك مشتركة للحوار مع الآخر الغالب من جهة، و تَجَلًّ للروح الدعوية والتبشيرية التي عادت بعد انحسار القوة الثقافية والفكرية للإسلام من جهة أخرى.‬

‫إن هذا الضرب من الدراسات قد جاء تلبيةً لطلب لم يَزَل حاضرًا في الغرب المسيحي لفهم الرؤية الأخلاقية للإسلام عمومًا، وللقرآن على وجه خاص؛ باعتباره النص الأكثر موثوقية وقِدَمًا في التراث الإسلامي. ولا يُستبعد أن السؤال عن الأسس والمبادئ الأخلاقية للإسلام كان حاضرًا بقوة في أوساط المعاهد الاستشراقية التي بدأت تستقبل وتخرّج طلابًا مسلمين منذ بدايات القرن العشرين.‬

‫ولكن هل يفسر لنا هذا إهمال البحث الأخلاقي عمومًا وفي القرآن خصوصًا في الجامعات الإسلامية؟ قد ينازع البعض في شرعية هذا السؤال؛ باعتباره يقرر واقع الإهمال المحيط بالبحث الأخلاقي ابتداء. ثم هو يفترض وجود بحث أخلاقي نموذجي ذي خصائص معينة ينبغي احتذاؤه، وهذا محل نزاع. فإذا كان المقصود بالبحث الأخلاقي ذاك الذي يحتذي النموذج الفلسفي اليوناني القديم، أو الغربي الحديث، فلا منازعة في حقيقة نأي الباحثين المسلمين—في الجملة—عن الانشغال به. ذاك أن كثيرًا منهم يرى أن البحث الأخلاقي الأصيل في السياق الثقافي الإسلامي إنما تجده في علم الكلام الإسلامي، أو في أصول الفقه، ولاسيما على النحو الذي انتهى إليه على يد الشاطبي والعز بن عبد السلام، أو كما تجلى في تراث التصوف والإشراق والتزكية. ووفق هذا المنظور فإن البحث الأخلاقي عمومًا وفي القرآن ضمنًا لم ينقطع ولم يُهمل قط.‬

‫إذا كان الدرس الأخلاقي سعيًا في بناء نظرية عمومية أو نسق من التفكير يهدي الإنسان إلى معرفة الشر والخير، فإن المنظومة الإسلامية التقليدية—في الجملة—لم تَرَ ضرورة لبناء مثل هذه النظرية العمومية، واكتفت بكونها منثورة في ثنايا الحقول الآنفة الذكر، أو بتعبير كاتب جلبي، صاحب "كشف الظنون": "إن الشريعة قد قضت الوطر عن أقسام الحكمة العملية على أكمل وجه وأتم تفصيل" (حاجي خليفة 1941, 1, 36). وعلى الرغم من أن التراث الإسلامي قدم الكثير من الإسهامات الأخلاقية بالمعنى النظري المشار إليه، إلا أنها—وباتفاق الباحثين- بقيت على هامش العلوم الإسلامية.‬

‫في دراسته عن العلاقة بين الفقه والأخلاق، يعرض فضل الرحمن لهذا الرأي بالنقد والتحليل، حيث يرى أن الاستغناء بالنظر الجزئي إلى الأخلاق، الموزّع بين الفقه والكلام والتصوف، ظاهرةٌ مَرَدّها—ليس إلى العقلية العربية ذات المنزع التجزيئي الكاره للتعميم والتنظير كما يزعم بعض المستشرقين—بل إلى الظروف التاريخية التي أحاطت بتطور المعرفة الإسلامية في علاقتها مع السلطة السياسية من جهة، وإلى أن الثقافة الإسلامية لم تَزل تُعلي من فضل العلوم التي يكون لها أثرٌ مباشر في العمل، ولا تكون نظرًا محضًا‬ ‮(namhaR 3891, 301–121).‬

‫في مقابل هذا، يدافع فضل الرحمن عن ضرورة النظر إلى القرآن باعتباره دعوة أخلاقية في المقام الأول، فهو إن لم يقدم لنا النظرية الأخلاقية بصيغتها المجردة، فإنه قد حوى على كل العناصر اللازمة لتكوين هذه النظرية، ولكن الفقهاء أخفقوا حين اختزلوا القرآن في أحكامه الجزئية، غاضّين الطرف عن النظر العميق في الكليات الأخلاقية التي نادى بها القرآن مرارًا، كمثل: العدل والقسط والإحسان والتقوى. وعلى الرغم من أن تاريخ أصول الفقه قد شهد ظهور نظريات فقهية تصب في هذا المسعى، مثل الاستحسان أو المصلحة المرسلة، إلا أن فضل الرحمن يرى أن جمهور الفقهاء قد أعرض عن تطوير هذه النظريات؛ لما يكتنفها من اعتباطية تستعصي على الضبط الذي يرومونه. ولا يهمل فضل الرحمن الإشارة إلى جهد الشاطبي والعز بن عبد السلام في استخراج الكليات الشرعية، على محدودية توظيفها وتلقيها في المنظومة التقليدية. كما يستدرك فضل الرحمن بأن الخبرة العثمانية قد عرفت كيف تستفيد من هذه المداخل النظرية (المصالح المرسلة، العرف، مقاصد الشريعة …) في تطوير نظام قانوني وتنظيمات ساعدت في تطوير الأنظمة القانونية في تركيا وكثير من البلدان الإسلامية. إلى مثل هذا انتهى راينهارت حين أكد كذ لك على غلبة الخطاب الأخلاقي على النص القرآني؛ بالمقارنة مع الخطاب القانوني، إلا أن ظروفًا تاريخية وسياسية فرضت ضربًا من الأسئلة المتعلقة بتكوين الجماعة الإسلامية والسلطة السياسية وإخفاقاتها الأولى، ما صرف النظر عن الرؤية الأخلاقية القرآنية درسًا وتحليلاً لمصلحة النظر الفقهي‬ ‮(trahnieR 2002; 5002).‬

‫إن علم الأخلاق القرآنية—كما يقترحه فضل الرحمن—موكل بتمييز تلك القيم الكلية عن الأحكام الإجرائية أو الوسائل، وبتوضيح العلاقة بينهما في بناء النظام الأخلاقي والقانوني. وقد قدم فضل الرحمن بعض الدراسات في هذا السياق، فقد أدار كتابه عن القضايا الكلية في القرآن على مفهوم الرحمة باعتباره جوهر الأخلاق الإلهية، وليس العدل كما انتهى إلى ذلك رهبر‬ ‮(namhaR 0891)‬‫. وفي سياق آخر قدم تحليلاً لمفاهيم: الإيمان والإسلام والتقوى باعتبارها من المفاهيم التأسيسية للأخلاق القرآنية‬ ‮(namhaR 4891).‬

‫ويبقى مشروع دراز وفضل الرحمن في درس الخطاب الأخلاقي في القرآن، باعتباره الحامل لبعده العالمي والإنساني، معلقًا في انتظار التفات الباحثين إليه. إن فكرة النور المزدوج وفكرة الجهد الأخلاقي المبدع اللتين أشار إليهما دراز وآخرون من بعده، والشاطبي من قبلهم دون توسع وتفصيل، هما من أعمق المبادئ التي أرى حاجة ماسة لمساءلتها وتطويرها، لما تكنُّه من قدرة على إعادة بناء الفكر الأخلاقي الإسلامي، بحيث يستجيب لحاجة الإنسان المعاصر، ويسهم في تربية ملكة الحكم الأخلاقي لديه وترقيتها.‬

المراجع

‫أحمد عبد الرحمن.2000 .نقد الإسلاميين المعاصرين. مصر: شركة الأمل.‬

‫أحمد عبد الرحمن.2002 .من أخطاء المستشرقين وخطاياهم: نقد الاستشراق—دراسات تطبيقية. القاهرة: مكتبة وهبة.‬

‫بدره اي، فريدون.1999 .مترجم. مفاهیم اخلاقی—دینی در قرآن مجید. تهران: فرزان .‬

‫بدوي، السيد محمد.1967 .الأخلاق بين الفلسفة وعلم الاجتماع. القاهرة: دار المعارف.‬

‫الجابري، محمد عابد.2001 .العقل الأخلاقي العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.‬

‫حاجي خليفة.1941 .كشف الظنون في أسامي الكتب والفنون. بيروت: دار إحياء التراث العربي، مصورة عن طبعة المعارف التركية.‬

‫حللي، عبد الرحمن.2008 .استخدام علم الدلالة في فهم القرآن: قراءة في تجربة الباحث الياباني توشيهيكو إيزوتسو، مؤتمر: "التعامل مع النصوص الشرعية (القرآن والحديث) عند المعاصري" الأردن: عمان .‬

‫حللي، عبد الرحمن .2008، دستور الأخلاق في القرآن. آخر وصول شباط 7، 2017 http://almultaka.org/site.php?id=596

‫دراز، محمد عبد اللّٰه.1973 .دستور الأخلاق في القرآن: دراسة لنظام الأخلاق النظرية والعملية في القرآن الكريم مقارنًا بالنظريات القديمة والحديثة، تعريب وتحقيق وتعليق عبد الصبور شاهين: مراجعة السيد محمد بدوي. بيروت: مؤسسة الرسالة.‬

‫دراز، محمد عبد اللّٰه .1977 .المختار من كنوز السنة. دمشق: هاشم الكتبي.‬

‫زرزور، نوال كريم.2001 .معجم ألفاظ القيم الأخلاقية وتطورها الدلالي بين لغة الشعر الجاهلي ولغة القرآن الكريم بيروت: مكتبة لبنان ناشرون.‬

‫الشاطبي. أبو إسحاق.1997 .الموافقات. الخبر: دار ابن عفان.‬

‫الشرقاوي، محمد عبد اللّٰه.1988 .الفكر الأخلاقي: دراسة مقارنة. القاهرة: مكتبة الزهراء.‬

‫صبحي، أحمد محمود.1969 .الفلسفة الأخلاقية في الفكر الإسلامي. القاهرة: دار المعارف.‬

‫عطية، أحمد عبد الحليم.1990 .الأخلاق في الفكر العربي المعاصر: دراسة تحليلية للاتجاهات الأخلاقية الحالية في الوطن العربي. القاهرة: دار الثقافة.‬

‫علي، محمد عبد العظيم، دراز، محمد عبد اللّٰه.1996 .مختصر دستور الأخلاق في القرآن: دراسة لنظام الأخلاق النظرية والعملية في القرآن الكريم مقارنا بالنظريات القديمة والحديثة. الإسكندرية: دار الدعوة.‬

‫فضليّة، محمد مصطفى.2007 .محمد عبد اللّٰه دراز دراسات وبحوث، الكويت : دار القلم.‬

‫ابن قدامة، موفق الدين.1968 .المغني، القاهرة: مكتبة القاهرة.‬

‫القشيري، أبو بكر سعيد عبد الراضي.2006 .العقيدة والأخلاق في فكر محمد عبد اللّٰه دراز. نشر خاص.‬

‫موسى، محمد يوسف.1940 .في تاريخ الأخلاق. القاهرة: مطبعة أمين عبد الرحمن.‬

‫موسى، محمد يوسف .1942 .فلسفة الأخلاق في الإسلام وصلاتها بالفلسفة الإغريقية. القاهرة: مطبعة الرسالة.‬

‫موسى، محمد يوسف .1943 .مباحث في فلسفة الأخلاق. القاهرة: مطبعة الأزهر.‬

If the inline PDF is not rendering correctly, you can download the PDF file here.

الدرس الأخلاقي للقرآن: قراءة في بعض المقاربات الحديثة

in Journal of Islamic Ethics

Sections

References

Al-AkoubEisa, '“Izutsu’s Study of the Qurʾān from an Arab Perspective”' (2012) 14 Journal of Qurʾānic Studies: 107-130.

AlbayrakI., '“The Reception of Toshihiko Izutsu’s Qurʾānic Studies in the Muslim World: With Special Reference to Turkish Qurʾānic Scholarship”' (2012) 14 Journal of Qurʾānic Studies: 73-106.

Al-FaruqiIsmaʼil R.On Justifying the Good1952Indiana UniversityThesis (Ph. D.)

Al-FaruqiIsmaʼil R., '“Book Review: The Structure of the Ethical Terms in the Koran”' (1962) 1 Islamic Studies: 148-154.

Al-FaruqiIsmaʼil R., Christian Ethics: A Historical and Systematic Analysis of Its Dominant Ideas, (McGill University Press, Montreal 1967).

Al-ShammaSalih Hadi, The Ethical System Underlying the Qurʾān: A Study of Certain Negative and Positive Notions, (Hopfer, Tübingen 1959).

AttarMariam, Islamic Ethics: Divine Command Theory in Arabo-Islamic Thought, (Routledge, New York 2010).

AyazSalahaddin, Kur’an da dini ve Ahlaki Kavramlar, (Pinar Yayinlari, Istanbul 1983).

BurtonJohn, '“Book Review: Ethico-Religious Concepts in the Qurʾān”' (1968) 31 Bulletin of the School of Oriental and African Studies: 391-392.

DarāzMohamed A., La Morale Du Koran, (Presses Universitaires de France, Paris 1951) Le Caire: impr. de Al Maaref.

DarāzMohamed A.RobinsonDanielleMastertonRebecca, The Moral World of the Qurʾān, (I.B. Tauris, London 2008).

FakhryMajid, Ethical Theories in Islam, (E. J. Brill, Leiden 1991).

FinneganJ., '“Book review: La Morale du Koran”' (1952) 13 J M Theological Studies: 109-111.

GibbH., '“Book review: God of Justice, a Study in the Ethical Doctrine of the Qur’ān”' (1961) 51 The Muslim World: 140-143.

HashiAbdurezak Abdulahi, International Conference on Contemporary Scholarship on Islam-Japanese Contribution to Islamic Studies: The Legacy of Toshihiko Izutsu, August 7–8, Gombak, Malaysia.

HouraniGeorge Fadlo, Islamic Rationalism: The Ethics of ʻAbd Al-Jabbār, (Clarendon Press., Oxford 1971).

HouraniGeorge Fadlo, '“Ethical presuppositions of the Qurʾān”' (1980) 70 The Muslim World: 1-28.

HouraniGeorge Fadlo, Reason and Tradition in Islamic Ethics, (Cambridge University Press, Cambridge 1985).

HuseinAgus Fahri, Konsep-konsep etika religius dalam Qurʾān, (Tiara Wacana Yogya, Yogyakarta 1993).

IzutsuToshihiko, The Structure of the Ethical Terms in the Koran: A Study in Semantics, (Keio Institute of Philological Studies., Tokyo 1959).

IzutsuToshihiko, Ethico-Religious Concepts in the Qurʾān, (McGill-Queen’s University Press, Montreal 1966).

KidwaiA., '“Book review: The Moral World of the Qurʾān, By M. A. DRAZ”' (2010) 21 Journal of Islamic Studies: 110-112.

KraemerH., Een nieuw geluid op het gebied der Koranexegese, (Noord-Hollandsche Uitg. Mij., Amsterdam 1962).

KugelJames L., Poetry and Prophecy: The Beginnings of a Literary Tradition, (Cornell Univ. Press, Ithaca 1990).

MarshallDavid, God Muhammad and the Unbelievers: A Qurʾānic Study, (Curzon, Surrey [England] 1999).

NemoyLeon, '“Book Review: Ethico-Religious Concepts in the Qurʾān”' (1969) 60 The Jewish Quarterly Review: 69-71.

ParetRudi, '“Book Review: God of Justice”' (1963) 58 Orientalistische Literaturzeitung: 117.

ParetRud, '“Book Review: The Structure of the Ethical Terms in the Koran. A Study in Semantics”' (1962) 8 Die Welt Des Islams: 60-61.

ParetRudi, '“Book Review: Ethico-Religious Concepts in the Qurʾān”' (1968) 11 Die Welt Des Islams: 234.

PartinHarry B., '“Semantics of the Qurʾān: A Consideration of Izutsu’s Studies”' (1970) 9 History of Religions: 358-362.

PatonH. J., The Categorical Imperative: A Study in Kant’s Moral Philosophy, (University of Chicago Press, Chicago 1948).

RahbarDaud, God of justice: A study in the ethical doctrine of the Qurʾān, (E. J. Brill, Leiden 1960).

RahmanFazlur, Major Themes of the Qurʾan, (Bibliotheca Islamica, Chicago 1980).

RahmanFazlur, '“Law and Ethics in Islam”', in Richard G. Hovannisian (ed), Ethics in Islam, (Undena, Malibu, CA 1983) 103-121.

RahmanFazlur, 'Some Key Ethical Concepts of the Qurʾan' (1984) 11 Journal of Religious Ethics: 170-185.

ReinhartA. Kevin, Before Revelation: The Boundaries of Muslim Moral Thought, (State University of New York Press, Albany, N.Y. 1995).

ReinhartA. Kevin, '“Ethics and the Qurʾān”', in Jane Dammen McAuliffe (ed), Encyclopaedia of the Qurʾān, (Georgetown University, Washington 2002) 55-79.

ReinhartA. Kevin, '“The Origin of Islamic Ethics”', in William Schweicker (ed), The Blackwell Companion to Religious Ethics, (Blackwell, London 2005) 244-253.

RobsonJames, '“Book Review: The Structure of the Ethical Terms in the Koran”' (1961) 6 Journal of Semitic studies: 285-287.

SaldanhaLawrence J., A Critical Approach to Qurʾānic Exegesis: By a Contemporary Pakistani Dr Daud Rahabar, (s.n., S.l 1963).

SchimmelA., '“Book review: The Ethical System Underlying the Qurʾān: A Study of Certain Negative and Positive Notions”' (1963) 58 Orientalistische Literaturzeitung: 269.

ThohaAnis Malik, Japanese Contribution to Islamic Studies: The Legacy of Toshihiko Izutsu Interpreted, (IIUM Press, Kuala Lumpur 2010).

VajdaG., '“T. Izutsu. Ethico-Religious Concepts in the Qurʾān”' (1968) 174 Revue De L’histoire Des Religions: 210-212.

WattM., '“Book Review: The Structure of the Ethical Terms in the Koran. A Study in Semantics”' (1964) 39 Der Islam: 272.

WattM., '“Book Review: Ethico-Religious Concepts in the Qurʾān”' (1969) 45 Der Islam: 133.

Index Card

Content Metrics

Content Metrics

All Time Past Year Past 30 Days
Abstract Views 6 6 0
Full Text Views 139 139 136
PDF Downloads 42 42 41
EPUB Downloads 0 0 0