مفهوم البِرّ والمنظومة الأخلاقية القرآنية: البنية والسياق

In: Journal of Islamic Ethics
View More View Less

‫تتناول هذه الدراسة "البِّر" بوصفه مفهوماً أخلاقياً مركزياً في القرآن، من خلال منهج يعتمد الدراسة اللغوية والدراسة السياقية في بعديهما التاريخي والبنيوي، فتثبت مدلوله الأخلاقي الإيجابي؛ بما هو ارتقاء نحو الكمال مع استلزام معنيين مصاحبين هما: الصدق والسعة في الفعل، وذلك بعد الاستقراء والتحليل لتطور معناه في موارد ذكره في الآيات المكية والمدنية وما قدمه مختلف المفسرين من شروح لمفهوم البر. ينتهي الباحث إلى أن البرّ شأنٌ ديني مشترك بين الرسالات الدينية السابقة على الإسلام، ثم أصبح "البِّر" أساس التكاليف التي خوطب بها المؤمنون، متجاوزاً ما استقر لدى الأمم الأخرى من اهتمام بشكليات التكاليف ووسائطها دون اعتبار لجوهرها ومقاصدها، ويؤكد أن البرّ رتبة أعلى من المفهومات القرآنية الحافة به مثل التقوى والطاعة والصدق في فعل الخير. ويرى الباحث أن ما ذهب إليه عموم المفسرين—عند تحديد دلالة مفهوم البر في مجمل السياقات القرآنية—يفتقر إلى الدقة ويوقع في الغموض والخلط؛ رغم اتفاقهم على شمول مفهوم البر لكل الأفعال الإيجابية المحمودة دينيًّا وخلُقيًّا.‬

Abstract

‫تتناول هذه الدراسة "البِّر" بوصفه مفهوماً أخلاقياً مركزياً في القرآن، من خلال منهج يعتمد الدراسة اللغوية والدراسة السياقية في بعديهما التاريخي والبنيوي، فتثبت مدلوله الأخلاقي الإيجابي؛ بما هو ارتقاء نحو الكمال مع استلزام معنيين مصاحبين هما: الصدق والسعة في الفعل، وذلك بعد الاستقراء والتحليل لتطور معناه في موارد ذكره في الآيات المكية والمدنية وما قدمه مختلف المفسرين من شروح لمفهوم البر. ينتهي الباحث إلى أن البرّ شأنٌ ديني مشترك بين الرسالات الدينية السابقة على الإسلام، ثم أصبح "البِّر" أساس التكاليف التي خوطب بها المؤمنون، متجاوزاً ما استقر لدى الأمم الأخرى من اهتمام بشكليات التكاليف ووسائطها دون اعتبار لجوهرها ومقاصدها، ويؤكد أن البرّ رتبة أعلى من المفهومات القرآنية الحافة به مثل التقوى والطاعة والصدق في فعل الخير. ويرى الباحث أن ما ذهب إليه عموم المفسرين—عند تحديد دلالة مفهوم البر في مجمل السياقات القرآنية—يفتقر إلى الدقة ويوقع في الغموض والخلط؛ رغم اتفاقهم على شمول مفهوم البر لكل الأفعال الإيجابية المحمودة دينيًّا وخلُقيًّا.‬

‫* محاضر في "معهد دراسة الثقافة والدين الإسلامي"، وباحث في مشروع LOEWE- Religiöse Positionierung، جامعة فرانكفورت.Helli@em.uni-frankfurt.de.‬

‫تمهيد:‬

‫يعدُّ مفهوم "البرّ" من أهم المفهومات الأخلاقية المفتاحية في القرآن الكريم من حيث ما يكتنزه من معانٍ ودلالات حالت دون الاتفاق على تعريف منضبط له، فرغم وضوح السياقات القرآنية لم يتمكن المفسرون من تجاوز اختلاف اللغويين في ضبط معنى البرّ، فتعددت تعريفاتهم له، وجرى من بعدهم الحديث عن البرّ في مختلف المصنفات كمعنى إجرائي يمكن إطلاقه على كل تصرف إيجابي محمود أخلاقياً، وحتى الباحثون المحدثون الذين أعدوا دراسات مفردة عن الأخلاق من منظور قرآني—على قلتهم—لم يتمكنوا من الإحاطة بالسعة الدلالية للمفهوم الذي وصفه الباحث الياباني توشيهيكو إيزوتسو (1993م) (Toshihiko Izutsu)، بأنه من "التعابير الأخلاقية الأكثر مراوغة" (إيزوتسو2008, 339)، ولجأ إلى بيانه من خلال التعريفات السياقية للكلمة، وما التبست به من مفهومات أخرى أو تشابهت معها، فمن منظوره "لا يوجد عملياً ما يميزه عن الصالحات أو الإيمان" (إيزوتسو2008, 340)، بل "إنّ أمثلة أخرى منتخبة من القرآن لا تفيد إلا في إيضاح هذا الجانب أو ذاك من جوانب هذا المعنى المركب لكلمة بِرّ" (إيزوتسو2008, 340)، وبالرغم من هذه الأهمية لمفهوم "البرّ" فإن إيزوتسو عرض له كمفهوم فرعي ضمن حقل مفهومات "الصالح والسيء"، ولم يعطه حقه من البيان والدلالة، وكذلك لم يضف كيفن راينهارت (Kevin Reinhart) في دراسته ”Ethics and the Qur’an“ ضمن الموسوعة القرآنية شيئاً على ما ذكره إيزوتسو عن مفهوم البرّ سوى الإشارة إلى كونه "مصطلحاً" سابقاً على الإسلام‬ ‪(62–61 :2 ,2002 Reinhart)‬‫، بل إن دراسات ورسائل جامعية تخصصت في دراسة البرّ في القرآن لم تصل إلى أكثر من تأكيد التداخل بين البرّ والإيمان والتقوى والعمل الصالح (أبو داود 2005، ومحمد علي 2004)‬

‫هذا الاكتناز في المعاني لكلمة "بِرّ" يبرر الاختلاف في ترجمتها إلى الانكليزية ما بين (piety) أو (righteousness) أو (kindness) لكن أيُّ هذه الترجمات وحيداً لا يمكن—في أية حال—أن ينصف الكلمة الأصلية التي تتضمن كل هذه وربما أخريات في معناها المركب" (إيزوتسو 2008, 340)، "والترجمة المعتادة لكلمة برّ لا تعطي تماماً روح الكلمة" (Mir 1987, 156).‬

‫وقد استُخدمت الكلمةُ مصطلحًا أخلاقيًّا في حياة المسلمين مُعبرةً عن معانيها وإيحاءاتها بشكل أكثر ثراءً مما تبدو عليه في المدونات النظرية. فالمدونات شرحت المفهوم في سياقاته القرآنية التي تضمنت اشتقاقات مختلفة، فالآيات تحيل إلى مسمى البر بوصفه "مصدراً مُعرَّفاً" وإلى ممارسته "فعلاً" مأموراً به، وإلى القائمين به "فاعلاً"، ووُصف به اللّٰه وملائكته والصالحون من عباده، كما تم بيانه في سياق الحديث عن نقيضه (الأضداد)، ولم يَخْل ذكره من مقترنات لفظية أو موضوعيه تدل على مركزيته وعمق دلالته.‬

‫هذه المعطيات من شأنها أن ترشح مفهوم البرّ في القرآن ليكون النموذج الأهم لدراسة المفهومات الأخلاقية القرآنية، وسيكون للكشف عن معناه أثره في إيضاح الرؤية الأخلاقية في القرآن عموماً، والتي تعد المفهوماتُ المدخلَ الأبرز لمقاربتها، ذلك أن كل نص يمثل بنية يمكن كشف معانيه من خلال تحليل مكوناته. فالعلاقات بين مفردات النص في سياقاته المختلفة تكشف عن تماسك نظامه والرؤية التي يقدمها (حللي 2008)، فدراسة المفهومات في القرآن الكريم من خلال حقل من حقوله الدلالية من شأنه أن يقدم رؤية مُحْكمة ومتماسكة عن الرؤية القرآنية للعالم، والمنظومة الأخلاقية في القرآن من أهم الحقول الدلالية القرآنية الثرية بالمفهومات.‬

‫إن أهمية المفهومات في الدرس القرآني لا تقلل من أهمية عناصر أخرى تعدّ مداخلَ للكشف عن المعنى في القرآن، فدلالة الآية في سياقها الموضعي وسياق السورة، ودلالة الآيات ذات الموضوع المتشابه في عموم القرآن، وأسلوب القرآن في الخطاب والحِجاج، والدلالات غير المباشرة المبثوثة في القصص والأمثال وغيرها، كل ذلك يعد موارد للكشف عن الرؤية الأخلاقية في القرآن، لكن المدخل الأول لها جميعاً هو مدخل مفهومي، إذ به يمكن فهم الموضوع والخطاب والحجاج القرآني، بل إن المفهوم القرآني نفسه لا يتأتى استكناه معناه من غير درس سياقه النصي والتاريخي وموقعه في الخطاب القرآني، وعليه فدراسة المفهوم القرآني—إنْ أُفردت منهجياً—لا تستقل عن الأبعاد الأخرى وإنما تتكامل معها.‬

‫ستعتمد دراسة مفهوم البرّ على السياق النصي والتاريخي لكل آية ورد فيها ذكر "البرّ"، كما سيُلحظ فيها الأسلوب الخطابي في كل آية، إضافة إلى المنطلق اللغوي، كما أوضحته في دراسة سابقة عن المنهجية المقترحة لدراسة المفهومات القرآنية (حللي 2011)، فهي تمرّ بخطوتين أراهما أساسيتين وجامعتين في دراسة المفهومات القرآنية عموماً والأخلاقية منها على وجه الخصوص:‬

‫الخطوة الأولى تمهيدية، وتعنى بالدراسة اللغوية ويلحظ فيها بُعدان: الأول تَتَبع المفهوم واستخدامه قبل الإسلام (الدراسة اللغوية التاريخية)، والثاني الدراسة المعجمية للمفهوم والتي تكشف عن جذره واستعمالاته والمعنى الجامع لاشتقاقاته (الدراسة اللغوية البنيوية).‬

‫والخطوة الثانية: الدراسة القرآنية الداخلية، ويُلحظ فيها بُعدان أيضاً: الأول تَدَرج استعمال المفهوم في الآيات المكية والمدنية (الدراسة القرآنية التاريخية)، والثاني الاستعمال السياقي للمفهوم في الآيات (الدراسة القرآنية البنيوية).‬

‫وبالجمع بين الخطوتين السابقتين يمكن الوصول إلى جميع المحددات المحتملة التي يمكن أن تكون مؤثرة في الكشف عن دلالة المفهوم في النص القرآني. هذه الخطوات هي مراحل منهجية ستكون حاضرة في استكشاف مفهوم البر، ولكن لن تكون بالضرورة هي عناوين أجزاء الدراسة هنا.‬

أولاً: الدراسة اللغوية التاريخية

1‬‫ "البرّ" في الشعر الجاهلي:‬

‫تشتمل دواوين الشعر المنسوبة إلى العصر الجاهلي على استعمالات كثيرة لمادة "برر" في أشعار امرئ القيس (امْرُؤُ القَيْس 2004, 96, 100, 144, 157)، والنابغة الذُّبْياني (الذُّبْياني 2005, 63, 102)، وطَرَفة بن العبد (ابن العبد 2002, 12, 44, 60)، وعَمْرو بن كُلْثُوم (ابن كُلْثُوم 1991, 75)، وفي أشعار المخضرمين كالشمّاخ بن ضرار (الشماخ 1968, 400) ولَبيد بن ربيعة (لبيد 2004, 56)، وزهير بن أبي سُلمى (ابن ابي سلمى 2005, 70). يصف امرؤ القيس (96 ق.ه) البرّ بأنه خير ما يُتَزود به في الرحل (وَاللّٰهُ أنْجَحُ ما طَلَبْتُ بِهِ … والبِرُّ خَيْرُ حَقِيبَةِ الرَّحْلِ) (امرؤ القيس2004, 144)، ويستعمله بمعنى الوفاء بالمواثيق والعهود، كقوله: (عَلَيها فَتَىً لم تحْمِلِ الأرضُ مِثْلَهُ … أبَرَّ بمِيثَاقٍ وَأوْفَى وَأصبَرَا) (امرؤ القيس2004, 96) وقوله: (فَقَدْ أصْبَحُوا، وَاللّٰه أصْفَاهُمُ بِهِ … أبَرّ بمِيثَاقٍ وَأوْفَى بجِيرَانِ) (امرؤ القيس2004, 157)، أو صلة الأشخاص، كقوله: (سَمَاحَةَ ذَا وَبِرَّ ذَا وَوَفاءَ ذَا … وَنَائِلَ ذَا إذا صَحَا وَإذا سَكِرْ) (امرؤ القيس2004, 100). ويقابل طرفة بن العبد (60 ق.ه) البر بالإثم فيقول: (والإثُم داءٌ, ليسَ يُرجى بُرؤُهُ … والبِرُّ بُرءٌ ليسَ فيه مَعْطَبُ) (ابن العبد 2002, 12)، ويَرِد في شعر النابغة الذبياني (18 ق.ه) بمعنى العدل كقوله: (فلما وقاها اللّٰه ضربة فأسه … وللبِرِّ عينٌ لا تُغَمِّض ناظره) (الذُّبْياني 2005, 63)، وجاء في شعره أيضاً بمعنى الصلة في قوله: (مشمّرين على خوصٍ مزمَّمةٍ … نرجو الإله ونرجو البرَّ والطُّعَمَا) (الذُّبْياني 2005, 102)، واستعمل في حالة انتفائه بمعنى العقوق كما في شعر عَمْرو بن كُلْثُوم (نحو 40 ق.هـ): (نَجُذُّ رُؤوسَهُمْ فِي غَيْرِ بِرٍّ … فَمَا يَدْرُونَ مَاذَا يَتّقُونا) (ابن كُلْثُوم 1991, 75)، كما استعمل بمعنى الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، قَالَ طَرَفَةُ: (يَكْشِفُونَ الضُّرَّ عَنْ ذِي ضُرِّهِمْ … وَيُبِرُّونَ عَلَى الْآبِي الْمُبِرْ (ابن العبد 2002, 44)، وقال طرفة بن العبد يمدح سعد بن مالك: (أبَرَّ وأوفى ذِمّةً يَعقِدونها … وخَيراً إذا ساوَى الذُّرَى بالحَوارِكِ) (ابن العبد 2002, 60).‬

‫هذه الكثرة في استعمال مفردة "البر" في مختلف الأشعار المنسوبة للشعر الجاهلي، وفي ضوء سياقاتها، تؤكد على استعمال مشتقات لفظ "البرّ" في الشعر الجاهلي كمفردة تحمل مدلولاً أخلاقياً إيجابياً عند العرب قبل الإسلام، فهي تدل على الخير المطلق، أو العدل، أو الصلة، أو الوفاء، ويُقَابَل البرّ بالإثم. وتتكرر هذه المعاني في القرآن الكريم الذي تشير بعض آياته عن البرّ إلى ما يدل على إقرار تصور المخاطَبين في عصر النزول للبرّ كقيمة أخلاقية إيجابية عليا تجاه اللّٰه أو تجاه الناس.‬

2‬‫ "البرّ" في العهدين القديم والجديد:‬

‫تتكرر هذه المعاني أيضاً في الأديان الأخرى سواء بتعبير "البرّ" أم بغيره، فالترجمات العربية للعهدين القديم والجديد استخدمت لفظ "البر" بكثرة، وذلك ترجمةً لكلمة (righteousness) التي وردت في العهد القديم (207 مرات) وفي العهد الجديد (99 مرة)، وهي المفردة نفسها التي استخدمت في بعض الترجمات الإنكليزية لكلمة "برّ" في القرآن، وقد أشرنا إلى تأكيد الباحثين على عدم وفاء أي كلمة أجنبية بمعاني كلمة "البر" في القرآن، ويبدو العكس كذلك، فإن اختيار مفردة "البر" للتعبير عن معنى كلمة (righteousness) فيه توسع، فمدلول "البرّ" في القرآن أشمل من مدلول الكلمة الأصلية في العهدين القديم والجديد، والتي هي أقرب إلى مفهوم الفضيلة بشكل عام، ولاسيما أن الكلمة لا تحظى ببعد اصطلاحي في قواميس ومعاجم الكتاب المقدس، كما يحيل بعضها إلى اصطلاح (justification ) الذي يعني تبرير الخطيئة في المسيحية، وهذا يرجح اختلاف المفهومين بين القرآن والعهدين القديم والجديد من حيث الدلالة وإن اتفقا في بعدهما الإيجابي وفي بعض الجوانب والسياقات، فبعضُ الأمثلة تتضمن مقابلات شبيهة بالآيات القرآنية كمقابلة البر بالإثم أو اقترانه بالتقوى كما في النصوص الآتية: "أَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ" (العبرانيين 1 :9، والمزامير ٧:٤٥، وانظر أيضاً: بطرس 4 :18)، "وَأَمَّا أَنْتَ يَا إِنْسَانَ اللّٰهِ فَاهْرُبْ مِنْ هذَا، وَاتْبَعِ الْبِرَّ وَالتَّقْوَى وَالإِيمَانَ وَالْمَحَبَّةَ وَالصَّبْرَ وَالْوَدَاعَةَ " (1 تيموثاوس 6: 11، وانظر أيضاً: أيوب 22: 19،متى 25: 46).‬

‫ولعل مترجمي العهدين القديم والجديد تأثروا بلغة القرآن، كما أن معظم مترجمي القرآن إلى الإنجليزية تأثروا باللغة الدينية المسيحية، ما جعل من استخدام مفهوم البرّ في ترجمة العهدين أو (righteousness) في ترجمة القرآن متشابهاً وملتبساً. ولكن جذر الكلمة "برَّ" في اللغات السامية (العبرية والآرامية والسريانية والعربية) واحدٌ (كمال الدين 2008, 77)، وهو الدلالة على المعنى المادي بفتح الباء (البَرّ: الأرض، والبرية)، وتربط المعاجم العربية بين الاشتقاقين المادي (البَرّ) والمعنوي (البِرّ)، وكلاهما يرجع إلى جذر واحد مع اختلافٍ سنوضحه.‬

‫يقرُّ القرآن (البقرة: 44) تصور بني إسرائيل للبرّ ولكنه ينتقد عدم التزامهم به، في حين يصحح تصورات المشركين عنه (البقرة: 189)، فاستخدام القرآن لمفهوم البرّ جاء استثماراً لمفهوم ديني وأخلاقي يحمل معانيَ إيجابية ظلت ساميةً في أذهان الجميع في عصر نزول القرآن، ومع الزمن أصبح الناس ينسبون أفعالهم وبدعهم الدينية إلى البرّ دون أن يُنقص ذلك من مكانة البرّ شيئاً في التصورات السائدة، فصَقَل القرآن هذا المفهوم ونفى ما انتسب إليه وحافظ على سموه الديني والأخلاقي المشترك، مبيناً تفاصيله التي تجمع الناس حول معناه القيمي.‬

3‬‫ "البرّ" في المعاجم العربية:‬

‫وبالانتقال إلى المعاجم العربية، وتحديداً إلى أقدم معجم عربي وهو "العين" للخليل بن أحمد الفراهيدي (170هـ) (الفراهيدي د.ت، 8: 259)، ثم معجم "مقاييس اللغة" لأحمد بن فارس الرازي (395ه) (ابن فارس 1979, 1: 177–180) نجد أن (الصدق) أحدُ أربعةِ أُصُولٍ من (بَرَّ) هي: الصَّدْقُ، وَحِكَايَةُ صَوْتٍ، وَخِلَافُ الْبَحْرِ، وَنَبْتٌ، دون ربط بين هذه الأصول، والأصل الأول (الصدق) هو الذي بُنيت عليه المعاني الأخرى التي استُعملت فيها مشتقات "البرّ" كلفظة دالة على قيمة أخلاقية، فبِرّ الْعَمَل (كالحج، والبيع …) "ألاَّ يُخالطه غَيره من الْأَعْمَال الَّتِي فِيهَا المآثِمُ" (ابن سلَّام1964 م، 4: 469)، "والبر: ضد العقوق" (الأزدي 1987, 1: 67)، "تقول: بَرِرْتُ والدي بالكسر، أَبَرُّهُ بِرّاً، فأنا بَرٌّ به وبارٌّ. وجمع البَرّ أَبْرارٌ، وجمع البار البررة. وفلان يبر خالقه ويَتَبَرَّرُهُ، أي يطيعه" (الجوهري 1987, 2: 588)، "وقَدْ بَرَّ والِدَه يَبَرُّه ويَبِرُّه بِرّا، فيَبَرُّ على بَرِرْتُ، ويَبِرُّ على بَرَرْتُ" (ابن سيده 2000, 10: 242)، ومعنى "البَرّ" كاسم من أسمائه تعالى "هُوَ الْعَطُوفُ عَلَى عِبَادِهِ بِبِرَِّهِ وَلُطْفِهِ. والبَرّ والبَارّ بِمَعْنًى، وَإِنَّمَا جَاءَ فِي أَسْمَاءِ اللَّّٰهِ تَعَالَى البَرُّ دُون الْبَارِّ. والبِرّ بِالْكَسْرِ: الْإِحْسَانُ" (ابن الأثير 1979, 1: 116)، "وَ (أَبَرَّ) اللَّّٰهُ حَجَّهُ: لُغَةٌ فِي بَرَّهُ أَيْ قَبِلَهُ. وَأَبَرَّ الرَّجُلُ عَلَى أَصْحَابِهِ أَيْ عَلَاهُمْ، وَأَبَرَّ الرَّجُلُ رَكِبَ الْبَرَّ" (أبو بكر الرازي 1999, 32). ونقل صاحب لسان العرب أن العلماء قد اختلفوا "فِي تَفْسِير البِرّ، فَقَالَ بعضُهم: البِرُّ الصَّلاحُ، وَقَالَ بعضُهم: البِرُّ: الخَيْرُ، قَالَ: وَلَا أَعلمُ تَفْسِيرًا أَجْمَعَ مِنْهُ؛ لأَنه يُحِيط بجميعِ مَا قالُوا" (ابن منظور 1993, 4: 52، والزَّبيدي د.ت، 10: 151)، وأضاف صاحب القاموس المحيط من معانيه "البِرّ: الصِّلَةُ، والجَنَّةُ، والخَيْرُ، والاتَّساعُ في الإِحْسانِ، والصِّدْقُ، والطَّاعَةُ " (الفيروزآبادي 2005, 348–349)، ويصفه الكفوي (1094ه) بقوله: " وكلُّ فعل مرضِي برٌّ" (الكفوي د.ت، 231).‬

‫ومع أبي هلال العسكري (نحو 395هـ) نجد اتجاهاً جديداً في تحديد أصل برّ، إذ يربط اشتقاقات لفظ البرّ بأصل واحد ويذهب إلى أن "أصله: السعة. ومنه: البَرّ خلاف البحر. ثم استعمل في الزيادة، فقيل: أبرّ فلان على فلان، إذا زاد عطية. والجواد المبِر: السابق لكل ما سبقه، كأنَّه اتسع لما يتسع له غيره".‬1 ‫(العسكري 2007, 131)، ويوافقه الراغب الأصفهاني (502هـ) في تحديد المعنى الأصلي للكلمة (السعة) لكن من وجه آخر؛ إذ يرى أن "البَرّ خلاف البحر [وهو المعنى الذي بدأ الخليل به دون بيان علاقته بمعنى البِرّ]، وتصوّر منه التوسع فاشتق منه البِرُّ، أي: التوسع في فعل الخير، وينسب ذلك إلى اللّٰه تعالى تارة، وإلى العبد تارة، فيقال: بَرَّ العبد ربه، أي: توسّع في طاعته، فمن اللّٰه تعالى الثواب، ومن العبد الطاعة" (الأصفهاني 1991, 114)، ويؤكد هذا المعنى الفيروزآبادي (817هـ) الذي يرى أن "أَصل الكلمة ومادّتها—أَعني (ب ر ر)—موضوعة (لخلاف البحر)، وتُصوّر منه التوسّع، فاشتُقّ منه البِرّ أَي التوسّع في فعل الخير"، وجعل استعمال البر بمعنى الصدق لكون الصدق بعض الخير، كما أرجع تسمية البُرّ لكونه أَوسع ما يُحتاج إِليه في الغذاءِ، وبَرَّ العبدُ ربّه أَي توسّع في طاعته، وبِرّ الوالدين: التَّوسُّع في الإِحسان إِليهما (الفيروزآبادي 1996, 2: 213)، ويضيف العسكري (نحو 395هـ) قيداً لمعنى البِرّ يميزه عن الخير هو القصدية فـ "الْبر سَعَة الْفضل المقصود إليه" (العسكري، د.ت، 170)، وبذلك يختلف عن مطلق الخير الذي قد يحصل عرَضاً.‬

‫حصيلة كلام اللغويين في بيان أصل البرّ وما اشتُق من لفظه من استعمالات أخلاقية أنه يرجع إلى أحد معنيين: إما "الصدق" ومنه استخدم مجازاً لمعاني الطاعة والصلة والوفاء والإحسان والقبول والثواب والخير، وإما "السعة" فيدل على الاتساع في فعل الخير من كل فاعل بحسبه، ومَن مال إلى أن أصله السعة جَعَلَ الصدق بعض أفعال الخير، فهو—في نظرهم- استعمالٌ وليس أصلاً للفظ البرّ، لكنّ دلالة جذر الفعل برّ في اللغات القديمة والسياقات النصية الدينية الأخرى على معنى الصدق ترجح كونه أصلاً في معناه ولاسيما أنه هو المعنى الذي ورد في أقدم المعاجم العربية (العين)، ولم يظهر أصلُ السعة إلا في معاجم القرن الرابع الهجري، واستُنبط هذا الأصلُ؛ جمعاً بين معاني المشتقات المختلفة المادية والمعنوية، ومقاربة هذا المعنى الجامع تبدو متسقة وتدعمها الأمثلة والاستعمالات المشتقة من الجذر، وهذا يرجح لدي أن المعنيَيْن هما أصل ينبغي اعتباره في الكشف عن دلالة مفهوم "البرّ"، فمعنى السعة هو أصل لمشتقات الجذر في السياقات المادية أو المعنوية، وفي السياق الأخلاقي يفيد معنى الشمول في كل ما هو إيجابي، ومعنى الصدق هو أصل في الحقل الأخلاقي من مشتقات جذر "برّ"، ويصعب—في ضوء المعطيات—ترجيح أيًّ من الأصلين، كما يصعب استبعادهما لوجاهة شواهدهما، ومن خلال السياقات اللغوية والقرآنية نجد وجاهة اعتبارهما معاً أصلاً حاضراً فيها، فيكون المعنى اللغوي المركزي لمفهوم البرّ جامعاً بين معنيي الصدق والسعة، فالصدق يحيل إلى المعاني النفسية في ذهن الفاعل للبرّ من القصد والإخلاص والتوجه …، والسعة تحيل إلى أوصاف الفعل موضوع البرّ من حيث الإيجابية والإحسان والكثرة …، وبالجمع بين الأصلين يمكن القول: إنّ كلَّ فعل أخلاقي يَصدق صاحبه في استكمال محاسنه يدخل في البرّ، فصدق فاعل البر يدفعه إلى تحقيق مقاصد الفعل—وليس أداءه شكلاً فقط- وإقامتِه على الوجه الأمثل الذي يحقق تلك المقاصد، وهذا المنحى يجعل الفعل موضوع البرّ ارتقاءً مستمراً نحو الكمال، لذا كان "البرّ" مرتبة عليا تستكمل محاسن أفعال الخير.‬

‫إذا أضفنا إلى هذين الأصلين ما يُعرف بالاشتقاق الكبير، ويعني اشتقاق لفظ من لفظ آخر يشترك معه في الحروف الأصلية، ويسمى لدى المتأخرين القلب المكاني، ففي حالة برّ، يكون لدينا لفظ "رب"، الذي يحيل إلى معاني التربية، والرِّبّيّون "الذين صبروا مع الأنبياء" (الفراهيدي د.ت، 8: 256) والسادة، فكلها معانٍ تعزز المعنى الأخلاقي للفظ البرّ، الدال على رتبة رفيعة. فأخلاق الأبرار، هي أخلاق الرّبانيين المتبعين للأنبياء، والمتربين الذين هذبوا أخلاقهم، والسادة أصحاب المروءة، وأخلاق هؤلاء تجمع بين صفتي الصدق في الفعل والسعة في استكمال محاسنه.‬

‫فيمكن تفصيل معاني البرّ من هذين الأصلين بناء على من يتجه إليه الفعل والفاعل للبرّ، فالاتجاه بصدق وسعة في الفعل من الأدنى إلى الأعلى يعطي البرَّ معنى الطاعة في أحسن وجوهها، والاتجاه من الأعلى إلى الأدنى يعطي البرّ معنى العطف، وبين المتساويين يعطيه معنى الصلة والإحسان، وعندما يتعلق بما هو التزام يعني الوفاء على أحسن وجه، وعندما يستقل بالوصف من دون تعلق يعطي الموصوف به صفة الصدق المطلق، وعندما ينفرد ذكر البرّ كمعنى فهو أصل جامع يحيل إلى مبدأ الصدق في التوجه إلى فعل الخير والسعة فيه والالتزام به، وهذه المعاني هي المستخدمة في الشعر الجاهلي، وهي التي فُسّرت بها ألفاظ البرّ في القرآن.‬

ثانياً: سياقات لفظ البرّ في القرآن

‫يحتوي القرآن على اثنين وثلاثين استعمالاً مشتقاً من جذر(بَرَّ)، ثمانية عشر منها في الآيات المكية، وأربعة عشر في الآيات المدنية، وتتوزع على استعمالين أساسيين، الأول: البَرّ (مقابل البحر)، وقد ورد اثنتي عشرة مرة كلها في الآيات المكية غير واحدة، والاستعمال الثاني هو البِرّ (كقيمة أخلاقية)، واستُعمل عشرين مرة، ثمانٍ منها في الآيات المكية، والأخرى في الآيات المدنية.‬

‫واشتقاقات اللفظ المستخدمة في القرآن كمفهوم أخلاقي هي كالآتي- وقد ميزت الآيات المكية بحرف (ك)- :‬

  • ‫بصيغة الفعل (استعمالان): تَبَرُّوهُمْ (الممتحنة: 8)، تَبَرُّوا (البقرة: 224).‬
  • ‫بصيغة الاسم (10 مرات): الأبرار وصفاً للمؤمنين: (6 مرات): (آل عمران: 193, 198، الإنسان (ك): 5، الانفطار (ك): 13، المطففين (ك): 18, 21). بررة وصفاً للملائكة: (عبس (ك): 16). بَرًّا وصفاً ليحيى وعيسى عليهما السلام: (مريم (ك): 14, 32). البَرُّ وصفاً للّٰه تعالى: (الطور (ك) : 28)‬
  • ‫بصيغة المصدر: البِرّ (8 مرات)، وقد انفردت بذكره الآيات المدنية: (البقرة: 44، 177 (2)، 189 (2)، آل عمران: 92، المائدة: 2، المجادلة: 9).‬

1‬‫ البرّ في الآيات المكية:‬

‫أقدم ذكر لمشتقات "برّ" في القرآن كقيمة أخلاقية نجده وصفاً للملائكة في سورة عبس ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16) قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17)﴾. فهم كرام على اللّٰه، و"بَرَرَة" صادقون في إقبالهم على الطاعة، يحفظون الصحف التي كُلفوا بها، وفي مقابل الملائكة تتابع السورة بعدها ذكر أوصاف الإنسان الذي يتكرر منه الكفر لتصف آخر السورة الجاحدين بـ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾، هذا الجحود المتكرر من الإنسان يقابله ديمومة من الملائكة في صدق التوجه إلى اللّٰه فكانوا "بررة" مقابل "الكفرة الفجرة"، وهذا ما يعطي معنى البرّ الديمومة والثبات مع الصدق في التوجه إلى اللّٰه.‬

‫ونجد المفسرين قد عبروا عن معنى "بررة" بأساليب مختلفة، فمقاتل بن سليمان (150ه) يقول: "يعني مطيعين للّٰه تعالى أنقياء أبرارًا من الذنوب" (ابن سليمان 2002, 4: 591، وغيره)، وتدور سائر التفاسير حول معاني "الطاعة"، و"الصدق"، و"الصلة"، و"التقوى"، ويضيف الماوردي (450ه): "أن البررة مَن تعدى خيرهم إلى غيرهم، والخِيَرة مَن كان خيرهم مقصوراً عليهم" (الماوردي د.ت، 6: 205)، وينفرد من المتقدمين الطوسي (460ه) في تفسير هذه الآية ببيان أصل الكلمة بالقول: "والبرّ فعل النفع اجتلابًا للمودة. والبار فاعل البر، وجمعه بررة مثل كاتب وكَتَبة. وأصله اتساع النفع منه، ومنه البَر سمي به؛ تفاؤلاً باتساع النفع به، ومنه البِر لاتساع النفع به" (الطوسي د.ت، 10: 272)، وهو يتابع في ذلك أبا هلال العسكري (نحو 395هـ) الذي بينا رأيه في أصل الكلمة في مبحث اللغة، وهو المعنى الذي يؤكد عليه البقاعي (885ه) جمعاً بين المعنى اللغوي وسياق الآية: "(بررة) أي أتقياء في أعلى مراتب التقوى والكرم وأعزها وأوسعها" (البقاعي د.ت، 21: 258).‬

‫بعد سورة عبس يرد لفظ البرّ في سورة الإنسان، وقد اختُلف في تاريخها، ونرجح رأي ابن عاشور (1393هـ) في كونها مكية، (ابن عاشور 1984, 29: 370)، وفُسِّر لفظ الأبرار في السورة ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الإنسان:5] بالشاكرين المطيعين للّٰه أو المؤمنين الصادقين، ورأى ابن جُزَيّ (741ه) أنهم "العاملون بالبر وهو غاية التقوى والعمل الصالح" (ابن جزي 1995, 2: 437)، ويأتي الحديث عن الأبرار في السورة بعد تصنيف الإنسان بين شاكر وكَفور، فبدأ بذكر مصير الكافرين مختصراً، ثم ثنى بتفصيل جزاء الشاكرين الذين سماهم الأبرار، ثم ذكر الخصال التي استحقوا بها هذا الوصف، وهي صفات ذكرت من خصال البر في آيات أخرى، كالوفاء بالعهد (الوفاء بالنذر)، والإنفاق مما يحبون، فتضيف الآيات هنا أوصافاً تساعد في تحديد مفهوم البر، وهي صفات ستفصلها الآيات المدنية لاحقاً وبأسلوب مباشر.‬

‫بعد سورة الإنسان يصف اللّٰه عز وجل في سورة مريم يحيى عليه السلام بأنّه برٌّ بوالديه ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15)﴾ [مريم: 12–15]، و"البَرُّ الكثير البر" (ابن عطية 2001, 4: 8)، وذلك بعد وصفه بأنه تقي وقبل نفي وصف التجبر والعصيان عنه، ووقوع الوصف ببر والديه بين وصفين آخرين يدل على مغايرته لهما، فهو وصف مختلف عن التقوى ومضاد للتجبر، إذ تبدو الآيات تقابل بين وصفين بترتيب معكوس (تقياً × عصياً) و(براً × جباراً)، فالتجبر قصد للتعالي ورفض الامتثال، فكان يحيى عليه السلام براً ولم يكن جباراً، وكان تقياً ولم يكن عصياً، وقد ذكر المفسرون في بيان معنى "وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ" معظم ما ذكر من معان للبرّ كالطاعة، والإحسان، واللطف (الرازي 1999, 21: 518)، ونفس الوصف يتكرر في نفس السورة على لسان المسيح عيسى بن مريم عليه السلام حين تكلم في المهد متحدثاً عما خصه اللّٰه به ﴿قَالَ إِنَّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالز َّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)﴾ [مريم: 27–33]، ويبدو سياق لفظ البرّ هنا شبيهاً بالحديث عن يحيى عليه السلام في الآية السابقة، وكذلك تفسيره. ويقترن لفظ البرّ أيضاً بنقيضه وهو التجبر، مع اقترانه بوصف الشقاء، ويفيد سياق الآيتين أنّ البر غير التقوى، وهو أمر زائد عليها، والبرّ ضد التجبر، وعليه فعنصر الإرادة في الاقدام على الخير حاضر في معنى البرّ وعنصر الإرادة في الابتعاد عن فعل الخير حاضر في معنى التجبر، فالتقوى والعصيان هما فعل الخير نفسه أو الامتناع عنه، والبرّ قمة الإقبال على فعل الخير والتجبر قمة الإعراض عنه، وعليه فمعنى البرّ أعمق من مجرد الطاعة.‬

‫بعد سورة مريم يرد لفظ البرّ في سورة الطور على لسان المؤمنين في الجنة يصفون به اللَّّٰه عز وجل، بأنه البرّ الرحيم ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21) وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (22) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (23) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (24) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (25) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (26) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28)﴾ [الطور: 21–28]، يأتي ذلك في سياق ذكر فضله ووفائه بما وعدهم، وهذا المكان الوحيد في القرآن الذي يوصف به اللّٰه عز وجل بأنه "البَرُّ". وقد فُسر البرّ كاسم من أسمائه تعالى بـ "الصادق" أو "اللطيف" أو "المحسن"، ويرى الطوسي (460هـ) أن "أصل الباب اللطف مع عظم الشأن" (الطوسي د.ت، 9: 411) ، ويتابع البقاعي (885هـ) تعريف البرّ كما درج عليه في تفسيره "الواسع الجود"، ويذهب الألوسي (1270هـ) إلى أن الإحسان هو الأصل في معناه ويربط بينه وبين الصدق (الألوسي 1994, 14: 36).‬

‫بعد سورة الطور تأتي سورة الانفطار ﴿ يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيَِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8) كَلَّا بَلْ تُكَذَّبُونَ بِالدِّينِ (9) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدَّينِ (15)﴾ [الانفطار: 6–16]. تتحدث عن مصير الأبرار الذين عبر عنهم المفسرون بـ "المطيعين للّٰه"، وفصّل بعضهم مفهوم الطاعة بأنهم "برّوا بأداء فرائض اللّٰه، واجتناب معاصيه"، فهي—بوجه آخر—تفيد معنى التقوى، وبحسب الماتريدي (333هـ) إن "البرّ إذا ذُكر دون التقوى اقتضى المعنى الذي يُراد بالتقوى" (الماتريدي 2005, 10: 449) ، وربطه آخرون بالإيمان وتصديق الأيمان، وقصره البعض على مطلق الإيمان. ولكن سياق الآية واضح الدلالة على أن "الأبرار" وصف للمؤمنين المنعمين في مقابل وصف "الفجار" للكفار الذين يَصْلون جهنم. وإذا لاحظنا معنى القبح والتشنيع في لفظ الفجار فينبغي أن نلحظ قمة اللطف والسمو في معنى الأبرار، وهذا التقابل يجعل من مفهوم البرّ مرتبة أعلى من مفهوم التقوى، فما ذكرته غير آية من جزاء الأبرار يأتي في سياق بيان رتب الجزاء ويحتلون فيها رتبة أعلى من مجرد النجاة من العذاب والفوز بالجنة، وهذا ما سيتأكد في آيات لاحقة تحدثت عن البرّ.‬

‫نفس المعنى يتكرر في الذكر الأخير للبرّ في الآيات المكية في سورة المطففين التي يرد لفظ الأبرار فيها مرتين: الأولى وصفًا لكتابهم ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18)﴾ والثانية وصفاً لمصيرهم ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22)﴾، ويعزز ما ورد في سورة الانفطار من حيث الوصف والمقابلة، فأرفع جزاء (عِلِّيين- نعيم) لأرقى رتبة من المؤمنين (الأبرار) يقابلها أسوأ مصير (سِجِّين- جحيم) لأدنى رتبة من الكافرين (الفُجّار)، ومن هذه المتقابلات يمكن أن نؤكد أن مفهوم البرّ رتبة أعلى من مجرد الالتزام بالأوامر والنواهي، وإن كانت شرطاً للبرّ، وهذا ما سنلحظ معناه في الآيات المدنية.‬

2‬‫ البر في الآيات المدنية:‬

‫وردت مشتقات "برّ" في السور المدنية اثنتي عشرة مرة، وأول ذِكر للبرّ في السور المدنية يَرِد في سورة البقرة، وهي أكثر سور القرآن اشتمالاً على مفهوم "البرّ". فأول مرة يَرِد في خطاب بني إسرائيل ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرَّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]، بعدما طلب منهم تقوى اللّٰه وعدم لَبْس الحق بالباطل، ثم انتقل الخطاب إلى نقد موقفهم من البرّ الذين يعلمونه ويأمرون الناس به ولكنهم لا يلتزمونه وهم يتلون الكتاب، وهذا يشير إلى أن البرّ المتَحَدَّث عنه في الآية يُعلم من تلاوة الكتاب، وقد لجأت معظم التفاسير إلى شرح معنى البر في الآية من خلال ماصَدَقاته التي تشترك فيما وصفه الطبري (324ه) بأنه "ما فيه رضا اللّٰه من القول أو العمل" (الطبري 2001, 1: 615).‬

‫إن سياق ذكر البرّ هنا يُعد تطوراً في استخدامه، ففي الآيات المكية كان يستخدم وصفاً للّٰه أو الملائكة أو الأنبياء أو المؤمنين، وهذه المرة الأولى التي يتحدث فيها القرآن عن البرّ كقيمة مجردة بصيغة المصدر، فيرِد البرّ في الآية هنا بعد ذكر مجموعة من التكاليف خوطب بها بنو إسرائيل، تبدأ بالحض على الإيمان بما أنزل مصدقاً لما معهم والتزام التقوى، ثم ينتقل إلى مستوى أعلى من الإرشاد مذكّراً بمفهوم مشترك متفق عليه هو (البرّ)، فيحضّ على التزامه ويتابع الإرشاد في بيان ما يتحقق به من الصبر والصلاة. فالبرّ شأن ديني مشترك بين رسالات الأنبياء، ولم يتطرق القرآن إلى مفهوم البرّ كقضية مُعَرَّفة دينياً وأخلاقياً قبل هذه الآية التي تَرافقت مع بدء جدل ديني مع أهل الكتاب ونقاش حول الكتاب ومشمولاته، فكان مفهوم البرّ—حسب خطاب الآية—واحداً من القضايا التي اتفقت فيها التوراة والقرآن وأقرها بنو إسرائيل المخاطبون في الآية.‬

‫هذا القدر المشترك لن يدوم طويلاً، فمع حدث مثيرٍ كتغيير القبلة سيجد المشككون فرصة للتنصل من مفهوم البرّ وتحريفه، وادّعاء أمور ليست منه ليبدأ جدل جديد حول المفهوم نفسه بعد أن كان حول تطبيقه، فتأتي الآية 177 من سورة البقرة ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرَّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الز َّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ والتي عُرِفَت بآية البرّ، وهي أصرح آية في القرآن تتحدث عن البرّ في بعده الأخلاقي والديني، وتستعيد معناه المشترك رداً على ادعاء أهل الكتاب استحواذَهم على البرّ كما ادعوا الاستحواذ على الدين الحق ونفوه عن غيرهم رغم وجود مرجعية الكتاب بينهم (البقرة: 111–113)، فجاءت هذه الآية مشابهة لتلك الآيات من سورة البقرة التي تتحدث عن الجدل الديني مع أهل الكتاب حول الدين الحق والنجاة، ويلحظ المفسر أبو السعود (982ه) أن الآية تستأنف معنى البرّ المشترك والمتفق عليه وتُبين الاختلاف فيه، فالآية—بحسبه—"تفصيلٌ لخِصال البِر مما لا يختلف باختلاف الشرائعِ وما يختلف باختلافها" (أبو السعود د.ت، 1: 193)، فآية البر مركزية في سياق الجدل مع أهل الكتاب في مجتمع إسلامي ناشئ يستأنف مفاهيم أخلاقية ودينية ويعيد إحياءها بمعناها الأخلاقي والديني الذي توارثه الأنبياء وجاءت به الكتب، "فيكون المعنى: ليس البر المقصود من الديانات الإلهية أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر المقصود—وهو الغاية من الديانات الإلهية—هو الحال التي يكون عليها مَن آمن باللّٰه واليوم الآخر … وآتى المال على حبه ذوي القربى إلى آخر ما بينته الآيات" (أبو زهرة د.ت، 2: 118)، فتقع الآية "واسطة العِقد من سورة البقرة" بحسب تعبير محمود شلتوت (1383ه) (شلتوت 2004, 62) الذي يرى أنها تربط بين غرضي سورة البقرة: الجدل مع بني إسرائيل، والتشريع للمسلمين كجماعة في مجتمع جديد (شلتوت 2004, 45).‬

‫وقد اختلف المفسرون في تحديد المخاطب في الآية هل هم أهل الكتاب أو المسلمون؟ ولكن كونها خطاباً للمسلمين لا يمنع شمولها لأهل الكتاب من باب أولى، كما أن موقعها من السورة الفاصل بين ما جادلت به أهل الكتاب وما أُثير عن تغيير القبلة وبين ما شرَّعته للمسلمين بعدها، يرجح كونها خطاباً عاماً القصدُ منه تصحيح معنى البرّ كمقدمة لما سيتم تأسيسه من تكاليف يُخَاطب بها المؤمنون. ويلخص الماتريدي (333ه) معنى الآية—بغض النظر عن المخاطب—بوجهين: "أحدهما: أن يقال: (ليس البر) كله ذلك لكن ما ذُكر، والثاني: أن يكون ذلك بنفسه ليس براً، وإنما صار براً بالأمر به أو بما ذكر من الإيمان والخيرات" (الماتريدي 2005, 2: 3). وسياق الآية واضح في الدلالة على أنها تقرر فك الارتباط بين شكليات التكاليف ووسائلها وبين جوهرها ومقاصدها، وأن لا قيمة للوسائل من غير مراعاة المقاصد، بل يمكن القول: إن هذا المعنى هو محور سورة البقرة التي تجادل بني إسرائيل في مفهوم الدين وما جاء به الكتاب، وتتجاوز الشكليات التي اصطبغت بها التكاليف الدينية اليهودية لتعيد الاعتبار إلى الجوهر الذي يركز على التقوى والبر.‬

‫الإضافة التي تقدمها هذه الآية على الآيات الأخرى التي ورد فيها ذكر البرّ، هي أنها تضمنت الصفات التي بها يكون البرّ، و"البرّ ضربان: اعتقاد وأعمال، فالاعتقاد أصوله الإيمان باللّٰه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والأعمال ضربان: أحدهما ما يأخذ الإنسانُ به نفسَه في معاشرة الناس من الأقارب والأباعد، من ذلك المعروف والمواساة والتحبب إليهم بالسر والقول الحسن، والثاني: ما يتخصص به في نفسه من إقامة العبادات واستعمال الصدق والوفاء والتواضع والصبر، وقد نبه اللّٰه عز وجل- على جميع ذلك بهذه الآية" (الأصفهاني 1999, 1: 376)، فهي—كما وصفها أبو السعود (982هـ)—آيةٌ "حاويةٌ لجميع الكمالات البشرية برُمَّتها تصريحاً أو تلويحاً"، فـ"ترشد إلى أن البرّ أنواع ثلاثة جامعة لكل خير: بر في العقيدة، وبر في العمل، وبر في الخلق" (شلتوت 2004, 68). ويرى البقاعي (885ه) أن الآية بداية لذكر الأحكام وتفصيل لما أُجمل قبلها إلى قوله ﴿آمن الرسول﴾ [البقرة: 258]، فتكون خصال البر أوسع مما ورد في الآية (البقاعي د.ت، 3: 10)، لكن نص الآية ظاهر في تكثيف معنى البرّ بأمهات التكاليف، أما ما يأتي بعدها فهو أقرب إلى محددات التقوى التي تقود—باشتراكها مع الصدق—إلى البرّ، فلنتأمل الآية من خلال الشكل الآتي:‬

‫يمكن أن نسجل الملحوظات الآتية التي يمكن أن تعدّ أساسية في ضبط مفهوم البرّ:‬

  1. ‫محور الإيمان من مشمولات البرّ يؤكد على البعد المرجعي المشترك له، فقد رتبت الآية موضوعات الإيمان تدريجاً؛ بدءاً من المتفق عليه مع أهل الكتاب (1– اللّٰه 2– اليوم الآخر 3– الملائكة)، وانتهاء بما يتنازعون فيه (4– الكتاب 5– النبييين)، بخلاف ترتيب الآيات الأخرى التي تضمنت الحضّ على الإيمان، وهذا يعزز كون سياق الآية النصي والتاريخي بصدد بناء مشتركات مع أهل الكتاب تحت عنوان البر، تستأنف ما جاء به الأنبياء.‬
  2. ‫في محور الأعمال من مشمولات البرّ، وصفت الآية الإنفاق بما يعبر عن اندفاع النفس نحوه والإقدام عليه برضى وإيثار، وهو المعنى الذي وُصف به الأبرار في سورة الإنسان، مما يشير إلى أن البرّ مفهومٌ يعبّر عما هو أرفع من أداء التكاليف المفروضة، بل إن الإنفاق هنا يدخل في النوافل؛ إذ ما هو مفروض عُبر عنه بالزكاة لاحقاً.‬
  3. ‫جهات الإنفاق المذكورة، فيها من الشمول ما يجعل البارّ ذا علاقة حسنة مع جميع أصناف البشر، وبجميع أحوالهم، ولم تحدد الآية هوية المشمولين به.‬
  4. ‫معظم مشمولات البرّ ذات بُعد متعدٍ للغير، لذلك عُبر عنها بصيغة الفعل، فهي إما تتجه نحو اللّٰه (الإيمان والصلاة والزكاة)، أو تتجه نحو الخلق (الإنفاق—الوفاء—الصلة)، أو مرتبطة بترقية النفس لأداء مهامها (الصبر)، وعُبر عنها بالاسم بصيغة الجمع الدال على أثر الجماعة في القيام به (التواصي بالصبر).‬
  5. ‫إن نسبة ما يتصل بالعلاقة مع الناس من خصال البرّ هي الأكبر، فالإنفاق المشار إليه، والوفاء بالمواثيق، خُلُق إنساني مشترك، والتزام المؤمن به لا يدع للمؤمن مشكلة مع أحد.‬
  6. ‫بالمقارنة بين موارد ذكر البرّ في الآيات الأخرى وهذه الآية، نجد أن الآيات الأخرى كانت نماذج وتفاصيل لما ورد في هذه الآية.‬
  7. ‫خُتمت الآية ببيان أن من التزم هذه الخصال يكون قد حقق خصلتين (الصدق): و(التقوى)، وفي ذكرهما تلميح إلى من ادعى البرّ في شكليات الدين، فجاء الرد أن البرّ يقتضي أمرين: الأول: صدق التوجه لتحقيق معنى البرّ، والثاني: التزام ما أمر به الدين والانتهاء عما نهى عنه، ومن غيرهما لا يكون براً بمعناه الذي جاء به الرسل. وهذا يعني أيضاً أن التقوى وحدها لا تحقق معنى البرّ؛ إذ لا بد معها من الصدق في الإقبال على أعمال التقوى حتى ترتقي إلى مستوى البر.‬

‫هذه المعاني الواردة في آية البرّ ستتكرر في آيات أخرى، فالآية‬ (189)‫من سورة البقرة ، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّّٰهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 189]، تتابع التأكيد على ما ورد في آية البرّ السابقة، حتى وصفها أبو حيان (745هـ) بقوله: "وهذه الآية كأنها مختصرة من تلك" (الأندلسي 1999, 2: 240)، فالآية تأتي بعد بيان أن تَولي القبلة ليس موضوعاً للبر، فهي شأن اعتباري في الدين يأخذ قيمته إذا أمر الشرع به، فتَوَلي القبلة ليس فضيلة بذاته، وموضوعات البرّ هي فضائل بذاتها، فإذا كانت القبلة التي هي شأن شرعي ليست موضوعاً للبرّ، فمن باب أولى الابتداع في العبادات والتقرب بها لن يكون من البرّ، وهذا موضوع هذه الآية التي نفت صفة البرّ عما ابتدعه المشركون من عادات في الحج، فتردُّ الآية عليهم وترشدهم إلى أن من يودّ التماس البرّ عليه أن يبدأ بالتكاليف المشروعة فيلتزم التقوى.‬

‫فالآية تأتي ردًّا على عادة كانت معروفة لدى المشركين، ويحتمل أن يكون المذكور في الآية على التمثيل والرمز، فهي" تنبيه من اللّٰه تعالى على أن يأتوا البرّ من وجهه، وهو الوجه الذي أمر اللّٰه تعالى به، فذكر إتيان البيوت من أبوابها مثلاً يشير به إلى أن تأتي الأمور من مأتاها الذي نَدَبنا اللّٰه تعالى إليه، وفيه بيان أن ما لم يشرعه اللّٰه تعالى قربةً ولا نَدَب إليه، لا يصير قربة بأن يَتقرب به متقرب" (الهراسي 1985, 1: 78).‬

‫وتأتي الآية الأخيرة التي يذكر فيها البرّ في سورة البقرة‬ (224)‫، ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّّٰهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّّٰهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة : 224]، ويرد البر فيها بصيغة الفعل، وفسر فيها بمعنى "صلة القرابة"، أو "فعل الخير كله"، والمعنى هو النهي عن الاعتذار عن البرّ بحجة اليمين باللّٰه، قال الطبري (310هـ): "لا تجعلوا اللّٰه قوة لأيمانكم في أن لا تبرّوا، ولا تتقوا، ولا تصلحوا بين الناس، ولكن إذا حلف أحدكم فرأى الذي هو خير مما حلف عليه من ترك البرّ والإصلاح بين الناس فليحنث في يمينه، وليبرّ، وليتق اللّٰه، وليصلح بين الناس، وليكفّر عن يمينه. وترك ذكر «لا» من الكلام لدلالة الكلام عليها واكتفاء بما ذكر عما ترك"، ورجح الطبري (310ه) عموم معنى البر في الآية: "ولم يخصص اللّٰه في قوله أنْ تَبَرّوا معنى دون معنى من معاني البرّ، فهو على عمومه، والبرّ بذوي القرابة أحد معاني البرّ" (الطبري 2001, 4: 12). وذكر الجصاص (370ه) معنى آخر للآية وهو أن قوله: ﴿عُرْضةً لأَيمانكم﴾ يريد به كثرة الحَلف، فكأن المعنى: "أن اللّٰه ينهاكم عن كثرة الأيمان والجرأة على اللّٰه تعالى لِمَا في توقّي ذلك من البرّ والتقوى والإصلاح فتكونون بررة أتقياء، وإذا كانت الآية محتملةً للمعنيين وليسا متضادّين، فالواجب حملها عليهما جميعاً" (الجصاص 1985, 2: 43).‬

‫ولدى التأمل في سياق هذه الآية نلحظ ما يأتي:‬

  1. ‫تقع هذه الآية ضمن سورة البقرة في الجزء المتعلق بالتشريعات الموجّهة للمؤمنين، والخطاب فيها خاص بهم.‬
  2. ‫موضوع الآية إرشادي وتربوي، ولا تتضمن بُعداً جدلياً؛ بخلاف الآيات السابقة من السورة.‬
  3. ‫لا يقتصر موضوع الآية على البرّ وإنما ذُكر ما هو أخص منه (التقوى والإصلاح). قال ابن عرفة (803هـ): "التقوى أَخصُّ من البر، والإصلاح بين الناس أخص" (ابن عرفة 1986, 2: 649)، فالمعنى في الآية متجه إلى هذه المراتب الثلاث، وهو أنه لا ينبغي أن يَحول بين البرّ والتقوى والإصلاح شيء، حتى لو كان الحائل يميناً وأخذ صورة العهد مع اللّٰه، فإنه لا يدخل في خصلة (الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا) المذكورة في آية البرّ، فما كان لليمين أن يَحول دون البرّ فضلاً عن التقوى والإصلاح.‬
  4. ‫الآيات السابقة لهذه الآية تتضمن حديثاً عن الأبرار الذين آمنوا وجاهدوا (البقرة: 218) وتتضمن تكاليف تأتي في سياق إجابات عن أسئلة من متعلقات البرّ كالإنفاق، أو التقوى كتحريم الخمر والميسر وما فيهما من إثم كبير (الإثم ضد البرّ) (البقرة: 219) والحديث عن الإصلاح فيما يخص اليتامى (البقرة: 220) (والإنفاق على اليتامى من خصال البرّ)، ثم تتابع الآيات الحديث عن تكاليف أخرى هي من متعلقات التقوى مرتبطة بنكاح المشركات وتفضيل الإماء المؤمنات عليهن (البقرة: 221) (والإنفاق في عتق الرقاب من خصال البر)، ثم تأتي الآية (البقرة: 222) جواباً عن سؤال إتيان المرأة في المَحيض (وقد سئل الرسول من قبل عن الأَهِلَّة) لتختم الجواب عن مسألة مادية بالارتقاء إلى التعلق بما هو أهم وأعمّ ﴿إِنَّ اللَّّٰهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، وتوسع الآية (البقرة: 223) الحكم وتدعو المؤمنين إلى الارتقاء إلى التقوى ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، في هذا الموضع تأتي الآية موضوع البرّ لتحذر المؤمنين من أن يَتَفَصَّوا من البرّ أو التقوى أو الإصلاح باسم اللّٰه، كأن يجعلوا الأيمان مانعة لهم من فعل أي من خصال البرّ أو التقوى أو الإصلاح، ولاسيما ما ذُ كر منها في الآيات السابقة، وتأتي الآية المُوالية لآية البرّ ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّّٰهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 225] بمثابة التعليل للحكم المجيب عن سؤال: لماذا لا ينبغي أن يكون الحلف باللّٰه مانعاً من البرّ؟، فتذكر كيف أن اللّٰه يغفر لغو اليمين؛ رغم كونه باسم اللّٰه، وأنه يحاسب على القصد والعزيمة ﴿بما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾—والبرّ من كسب القلوب—فما كان لقلبٍ واحدٍ أن يقصد البرّ ويمنعه في آن وباسم اللّٰه.‬
  5. ‫لقد حفلت سورة البقرة بتقرير خصال البرّ والتقوى والإصلاح في سياق غرضيها سواء المتصل بأهل الكتاب أم المتصل بالتشريع للمؤمنين، وهذه الآية المتضمنة للفظ البرّ بصيغة الفعل تتحدث عن خصال البرّ المتصلة بالعلاقة مع اللّٰه أو المؤمنين، وستأتي آية أخرى في سورة الممتحنة بصيغة الفعل أيضاً تأمر بالبرّ مع غير المؤمنين، فانفردت صيغة الفعل من لفظ البرّ بخطاب المؤمنين في سياق تشريعي.‬

‫بعد سورة البقرة تتابع سورة آل عمران الحديث عن البرّ، وتقع الآية الأولى التي ذكر فيها البرّ ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران : 92] وسط آيات تتحدث عن الجدل مع أهل الكتاب، وبعد آيات بينت انتساب الإسلام إلى الأنبياء جميعاً دون تفريق بينهم، وأنه لن يقبل غيره، ثم تنفي الهداية عمن كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق (تذكرنا هذه الآية بالآية 44 من سورة البقرة التي تشير إلى أمر بني إسرائيل بالبر وعدم الالتزام به) ثم تبين الآيات مصيرهم، لتصل إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91) ﴾) لتعقبها الآية التي تبين أن البرّ لا يتأتى بمجرد الإنفاق، إنما ينبغي أن يكون نابعاً عن إقبال عليه وإيثار ومحبة، وأن الإنفاق في المصارف التي أوضحتها آية البر (البقرة: 177) لا يتأتى إلا بهذا الشرط. أو كما قال الرازي (606هـ): "والمعنى أنكم وإن أتيتم بكل تلك الخيرات المذكورة في تلك الآية فإنكم لا تفوزون بفضيلة البرّ حتى تنفقوا مما تحبون" (تفسير الرازي 1999, 8: 288).‬

‫والخطاب في الآية عامّ، وخصه البعض (رضا 1990, 3: 305) بأهل الكتاب مراعاةً لسياق السورة، لكن شمولهم بالخطاب لا يمنع عموم خطابها، وقد جاءت تقرر جانباً من مفهوم مشترك بين أتباع الأنبياء في سياق آيات سابقة ولاحقة تؤكد تلك الوحدة الرسالية في نموذجها الإبراهيمي الحنيفي الذي تؤكده التوراة ويعانده بنو إسرائيل (آل عمران: 93–96). إن ما تضيفه هذه الآية في تحديد مفهوم البرّ هو تأكيدها على سمو المفهوم على مفهوم التقوى وارتباطه بإقبال العبد على خصال البرّ من ذاته وعن محبة وإقدام.‬

‫ثم تستأنف سورة آل عمران ما ورد من بيان مصير الأبرار وجزائهم الذين تحدثت عنهم السور المكية (الانفطار والإنسان والمطففين) وذلك من خلال آيتين: الأولى ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبَّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفَّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: 193] في سياق دعاء المؤمنين أن يبلغوا مقام الأبرار بعد استجابتهم لنداء الإيمان والتأمل في خلق السموات الأرض، وذلك بعد إشارة آيات سابقة إلى كتم الذين أوتوا الكتاب كتاب اللّٰه، وعدم وفائهم بالميثاق ومن ثم فهم ليسوا من أهل البرّ الذين من خصالهم الوفاء بالعهد إذا عاهدوا، ثم تأتي الآية الثانية ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: 198] لتبين مقام الأبرار عند اللّٰه.‬

‫ويكرر المفسرون بيان معنى الأبرار بالمطيعين ولا يفرق معظمهم بين البرّ والتقوى، لكن ما أشرت إليه غير مرة من أن مفهوم البرّ هو درجة أعلى من التقوى، تعززه هذه الآية التي تشير إلى سمو جزاء الأبرار الذي هو (النعيم الروحاني عند اللّٰه) على جزاء المتقين (الذي هو الجنات)، وهذا ما أكَّد عليه رشيد رضا (1354هـ) في تفسيره "فهو (أي البرّ) إذًا أَدَلُّ على الكمال من التقوى التي هي عبارة عن تَرك أسباب السخط والعقوبة، وتحصل بترك المحرمات وفعل الفرائض من غير توسع في نوافل الخيرات" (رضا، 1990, 4: 257).‬

‫إنّ ذكر البرّ في سورة آل عمران ينهي الجدل مع أهل الكتاب بشأن مفهوم البرّ، فبعد أن تدرجت سورة البقرة في نقاشهم حوله بدءاً من الاتفاق عليه وعلى مرجعيته والحضّ على تطبيقه والالتزام به، ثم انتقلت لنفي ما ألصق به من شكليات ليست من جوهره، جاءت آيات آل عمران لتبين شروطاً لتحقق خصال البرّ، ثم تنتقل لبيان تطلع المؤمنين إلى مصير الأبرار الذين سلكوا مسلك الأنبياء، ثم تختم السورة بعد الحديث عن الأبرار بأن من حرفوا البرّ ولم يلتزموا به ليسوا كل أهل الكتاب فهناك آخرون يؤمنون بالكتب والنبيين، ثم توصي الآية الأخيرة من اشتركوا في مفهوم البرّ أن يلتزموا بخصلة منه تعينهم على الثبات عليه.‬

‫في سنة ست للهجرة نزلت سورة الممتحنة، وافتتحت بتحذير المؤمنين من اتخاذ أعدائهم وأعداء اللّٰه أولياء، لِما وَصفت من أحوالهم ومواقفهم، وتأتي الآية الثامنة ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8] متضمنة حكماً يخص العلاقة مع غير المسلمين بعد النهي عن موالاتهم، وبعد مضي نصوص أخرى في آيات تأمر بالبرّ والإنفاق على ذوي القربى وغيرهم، جاءت هذه الآية لتضع الولاء المنهي عنه في سياقه، وهو في حالة الكفار المقاتلين، أما الذين لا يقاتلون المسلمين، فالأصل أن البرّ الذي هو شرع دائم، وصفة ينبغي أن يرتقي إليها المؤمن في كل أحواله ويستمر عليها مع كل الناس "من جميع أصناف الملل والأديان"—حسب عبارة الطبري (310ه)—إلا مع من يقاتل، واستخدمت الآية هنا فعل البر (الأخلاقي) وليس الولاء (السياسي) لتدل أن العلاقة مع غير المسلمين بعدها أخلاقي ثابت، وحالة الولاء المنهي عنها في أول السورة هي حالة ظرفية استثنائية، والمعاملة على أساس البرّ مرجعيتها خُلقية دينية وهي أبعد وأعمق من أن تكون مجرد ولاء. وهذه الآية هي الموضع الثاني الذي يستخدم فيه القرآن لفظ البر بصيغة الفعل، وفي كلا الموضعين كان تشريعاً، فالأول كان في (البقرة: 224) يتحدث مع المؤمنين وأنه ما كان للأيمان باللّٰه أن تحول دون البرّ، وهذه تتحدث عن البرّ مع غير المؤمنين وأنه ما كان للنهي عن ولاء الأعداء أن يحول دون برّ من لا يقاتلكم.‬

‫وفسر البرّ في الآية بالصلة والإحسان، وذهب بعض المفسرين إلى أن الآية تدل على الجمع بين تشريع البرّ مع انعدام الولاء، قال الزمخشري (538هـ): "والمعنى: لا ينهاكم عن مبرّة هؤ لاء، وإنما ينهاكم عن تولي هؤ لاء" (الزمخشري 1987, 4: 516)، لكن سياق السورة يدلّ على أن الآية تأتي استدراكاً للنهي عن الولاء، وأسلوب (لا ينهاكم …) يدل على كون المخاطبين التبست عليهم دلالة النهي عن الولاء من حيث المشمولون في الحكم، فجاءت هذه الآية ترفع اللبس، وهذا الأسلوب لا يعني عدم الأمر ابتداء بالبرّ لغير المقاتلين فهم مشمولون بعموم مفهوم البرّ، فنفي النهي لا يعني مجرد السماح، ففضيلة البرّ مأمور بها على العموم، وإنما استخدم هذا الأسلوب هنا لرفع الالتباس المتوهم بالنهي السابق عن الولاء، ومن الملاحظ في سياق الآية قَرْن البرّ بالقسط، وفسر القسط هنا بالعدل، وهو مأمور به وليس مسموحاً به فقط، يقول الماتريدي (333هـ): "لا يحتمل أن يكون النهي في الإقساط؛ لأن الإقساط هو العدل، وليس ينهى عن العدل إلى ما كان ولياً أو عدواً؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا﴾ [المائدة: 8]، فقد أخبر أنه لا يحل له ترك العدل؛ لمكان العداوة، وإذا كان كذلك ثبت المراد من هذا النهي وغيره، وهو قوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾." (الماتريدي 2005, 9: 614).‬

‫وهذا المعنى في سياق سورة الممتحنة ربطاً بين دلالة آيتي الولاء والبرّ فيها لا يمنع إمكان الجمع بين الأمر بالبرّ والنهي عن الولاء، فما يمكن التأكيد عليه في سياق الآية أن مطلق البرّ مع غير المقاتلين أمر لا يتعارض مع النهي عن الولاء، وأنّ سياق ذكر البرّ في سورة الممتحنة يؤكد عموم من يتجه إليهم البرّ، من مؤمنين وغير مؤمنين، ولا ينبغي أن يُتَوهم المنع من ولاء الكفار كحالة خاصة مانعاً لبرّهم في حالة لم يكونوا مقاتلين، أو حتى لو كانوا مقاتلين ولم يكن برّهم عوناً لهم في حربهم على المسلمين، كحالة صلة الرحم، "ومعلوم أنه قد يجوز أن يبر من لا يجوز أن يتولاه" (الماتريدي 2005, 9: 615).‬

‫بعد سورة الممتحنة يُذكر البرّ في سورة المجادلة في آية تحثُّ المؤمنين على التناصح بالبرّ وجعله موضوعاً لأحاديثهم ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المجادلة: 9]، عقب ذكر أحوال أناس لم يلتزموا النهي عن التناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، ويقترن البرّ بالتقوى في الآية ويتقابلان مع الإثم والعدوان ومعصية الرسول، وسياق الآيات واضح في التقابل بين البرّ والإثم من جهة، وبين العدوان ومعصية الرسول وبين التقوى من جهة أخرى، وهي ليست الآية الوحيدة التي تقابل بين البرّ والإثم، وتختص هذه الآية بحثّ المخاطبين على استبدال مواضيع البرّ والتقوى بكلامهم ومشاوراتهم في مواضيع الإثم والعدوان التي يُجرونها في السر، هذا الإرشاد فيما يخص أحوالهم في السر ستكمله الآية الأخيرة من السور المدنية بالحثّ على التعاون الصريح والفعلي على البرّ والتقوى والتحذير من التعاون على الإثم والعدوان.‬

‫آخر ذكر للبرّ في القرآن (حسب النزول) يأتي في سورة المائدة، وهي من السور المدنية المتأخرة، "وقد احتوت هذه السورة على تشريعات كثيرة تنبئ بأنها أُنزلت لاستكمال شرائع الإسلام، ولذلك افتتحت بالوصاية بالوفاء بالعقود، أي بما عاقدوا اللّٰه عليه حين دخولهم في الإسلام من التزام ما يؤمرون به" (ابن عاشور 1984, 6: 72)، والوفاء بالعهود من خصال البرّ المذكورة في آية البرّ، ثم ذكر بعدها التحذير من العدوان على غير المسلمين بعد زوال أسباب القتال بدافع الحَمِيَّة والتأثر بمواقف سابقة (الصد عن المسجد الحرام)، فالمأمور به هو التعاون على البرّ والتقوى، وتجنب الإثم والعدوان، وإقامة القسط، ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمَّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2]، فالآية هنا تأمر بما بدا بصيغة الإذن في سورة الممتحنة.‬

‫إن آية المائدة هي تتويج لما ورد عن البرّ في القرآن، فبدأت السور المكية بالحديث عن الأبرار وأضدادهم ومصير كل منهم، ثم تدرجت لتوصيف البرّ وبيان خصاله ومتعلقاته وتأكيد شموله جميع الخلق، وها هي تختم الحديث عن البرّ بالوصية به، لا بالعمل عليه فقط وإنما بتضافر جهود المؤمنين في تحقيقه وتحقيق التقوى، والتحذير مما تنجر إليه النفوس من التعاون على نقيضه من الإثم والعدوان، فالامتناع عن التعاون على الإثم والعدوان هو من التقوى التي يستلزم عدم التزامها شدة العقاب.‬

3‬‫ خلاصة معنى البرّ من منظور المفسرين:‬

‫لخصت كتب الوجوه والنظائر (ابن سليمان 2006, 138–139، والعسكري 2007, 131–133، والدامغاني 1980, 67، وابن الجوزي 1984, 190–191) معنى البرّ في القرآن عند أهل التَّفسير في ثلاثة أوجه: أَحدها: الصِّلَة، أي صلة القرابة، (البقرة: 224، والممتحنة: 8)، وَالثَّانِي: الطَّاعَة، (المائدة: 2، ومريم: 14, 34، والمجادلة: 9، والمطففين: 18, 21، وعبس: 16)، وَالثَّالِث: التَّقْوَى. (آيات البقرة وآل عمران)، وأضاف أبو هلال العسكري (نحو 395هـ) وجهاً رابعاً هو الثواب فسرت به آية (آل عمران: 92)، ويمكن أن نضيف وجوهاً أخرى مرت معنا في كتب التفسير كالإحسان، والخير.‬

‫وقد لاحظنا من خلال رصد ما في كتب التفسير أنّ معظمها كانت تفسر معنى البرّ من خلال السياق الخاص بكل آية؛ دون ربط بالمعنى الكلي للمفهوم والمذكور في آيات أخرى، وهذا ما أدى إلى الخلط بين مفهومي البرّ والتقوى في كثير من التفاسير، وقد نبَّه المفسر ابن عطية (546 هـ) على ذلك بقوله: "وفي هذا تسامح ما، والعرف في دلالة هذين اللفظين أن البرَّ يتناول الواجب والمندوب إليه، والتقوى رعاية الواجب، فإن جُعل أحدهما بدل الآخر فَبِتَجَوُّز" (ابن عطية 2001, 2: 150) ، ولاحظ بعضهم علو مرتبة البر على مرتبة التقوى، فجعل ابن جزي (741هـ) البرّ "غاية التقوى والعمل الصالح" (ابن جزي 1995, 1: 175). نعم قد لوحظ لدى بعض المتأخرين كالبقاعي (885هـ) استحضار المعنى اللغوي الجامع لأصل اللفظ وهو الاتساع، فكان يستخدمه مضافاً إلى الخير في تفسير موارد ذكر البر في الآيات، ولكنه رغم ذلك لم يفصّل هذا المعنى الجامع ولم يربط بينه وبين المفردات الأخرى الملتبسة بالمفهوم.‬

‫وفي العصر الحديث نجد اهتماماً بمفهوم البر لدى المفسرين من خلال ربطهم معناه في مختلف الآيات، والبحث عن معنى المفردة الجامع، فيعرفه القاسمي (1332ه) بأنه "اسم جامع للطاعات وأعمال الخير المقرّبة إلى اللّٰه تعالى"، ويستشهد بأضداده في آيات أخرى، "قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: 13–14] فجعل البرّ ضدّ الفجور وقال: ﴿وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ﴾ [المائدة: 2]. فجعل البرّ ضدّ الإثم، فدلّ على أنه اسم عام لجميع ما يؤجر عليه الإنسان" (القاسمي 1997, 1: 481).‬

‫ويذهب عبد الحميد الفراهي (1349هـ) إلى أن البِرّ أصله: إيفاء الحق، فتفرَّعَ منه ما يكون إيفاءً للحقوق الأصلية من الطاعة للرب والأبوين والمواساة بالناس. ومن هذه الجهة صار بمعنى الإحسان، واشتمل على الخيرات، وصار وصفاً للربّ تعالى، … ثم هو إيفاء للحقوق الناشئة بالاختيار من العهود والأيمان، ومنه: بَرَّ باليمين. ومن هذه الجهة صار مضاهئاً للعدل. فالبِرّ خلاف الإثم، والعقوق، والغَدر، والظلم. وبَرَّةُ: عَلَم له. وَالبَرُّ والبَارُّ: وصفٌ منه" (الفراهي 2002, 264–265)، ويستشهد بأمثلة من الشعر الجاهلي لكل نوع من أنواع الحقوق التي ذكرها، وينتهي إلى "أن للبِرّ وجهين: عاماً يشمل جميع الخيرات، وخاصاً وهو الإيفاء بالحقوق والواجبات. وأجمع وجوه معناه: الإيفاء بحق الكبير والإحسان إلى الصغير" (الفراهي 2002, 267)، وظاهرٌ من تحليله—وكما هو منهجه في دراسة المفردات—أنه يستخلص معنى جامعاً من استعمالات اللفظ قبل الإسلام، ويقرنها بنظائرها القرآنية، لكن السياقات القرآنية أوسع من أن يُقصر مفهوم البرّ فيها على أداء الحقوق، ولاسيما أن أداء الحق مرتبط بالواجب، وخصال البرّ ليست كلها من قبيل الواجبات.‬

‫ويذهب محمود شلتوت (1383هـ) بعد استعراض موارد البرّ في القرآن إلى أن "البرّ بالنسبة للعبد هو جِمَاع الخير الذي يشمل المعاني النفسية والأخلاق الحسنة، وما ينشأ عنهما من أعمال طيبة يتقرب بها العبد إلى ربه، وأما بالنسبة إلى اللّٰه فهو الثواب والرضا والمحبة الإلهية، وقد كان العرب يفهمون معنى البر على هذا الوجه، ويدركون أن كل عمل صالح، أو نية طيبة، أو خلق مرضي، شعبة من شعب البرّ، غير أنهم كانوا يخطئون التطبيق أحياناً" (شلتوت 2004, 67).‬

‫ويذهب محمد الطاهر بن عاشور (1393هـ) إلى أن "البرّ سعة الإحسان وشدة المرضاة والخير الكامل الشامل ولذلك توصف به الأفعال القوية الإحسان" (ابن عاشور 1984, 2: 128)، ويضيف في مكان آخر أنّ "شرائع الإسلام تدور على محور البرّ، وأن البرّ معنى نفساني عظيم لا يخرم حقيقته إلا ما يفضي إلى نقض أصل من أصول الاستقامة النفسانية … والبرّ كمال الخير وشموله في نوعه"(ابن عاشور 1984, 4: 5)، "فالبرّ هو الوفاء بما جاء به الإسلام مما يعرض للمرء في أفعاله" (ابن عاشور 1984, 4: 7).‬

‫ويلخص محمد أبو زهرة (1394هـ) المعنى بقوله: "والبرّ كما يقول المفسرون: هو المعنى الجامع لكل ما فيه نفع للنفس وللناس، وإني أراه مرادفاً في العرف الخلقي" (أبو زهرة د.ت،2 : 519) .‬

‫إنّ ما حرص المفسرون القدامى والمُحْدَثون على تأكيده هو معنى الشمول في مفهوم البرّ لكل الأفعال الإيجابية المحمودة دينياً أو خلقياً، والتي فيها رضى اللّٰه والناس، وهذا المعنى يشترك الناس جميعاً في مختلف الأزمنة والأمكنة في قبوله، لكن يختلفون في تفاصيل المحمود دينياً من خصال البرّ، وهذا ما جاءت الآيات القرآنية لتناقشه، ولكن العنصر المفقود في جهود المفسرين هو تقرير مكانة البرّ كمفهوم بين مجمل القيم الأخلاقية ولاسيما التي اقترنت به، وربط المفهوم بمعنى نظري يمكن من بناء رؤية أخلاقية قرآنية عليه، وهذا ما سنحاول إعادة بنائه تأسيساً على ما مضى.‬

‫ثالثاً: " البرّ" مفهوما قرآنياً ( إعادة بناء):‬

‫استُخدمت مشتقات لفظ "البرّ" في الشعر الجاهلي كمفردة تحمل مدلولاً أخلاقياً إيجابياً عند العرب قبل الإسلام، فهي تدل على الخير المطلق، أو العدل، أو الصلة، أو الوفاء، ويُقَابَل البرّ بالإثم، ويقترن بالتقوى، وانتفاؤه يدل على العقوق، وقد ورد في القرآن ما يشبه هذه المعاني، وتضمنت بعض الآيات المتحدثة عن البرّ ما يدل على إقرار القرآن تصور المخاطبين في عصر النزول للبرّ كقيمة أخلاقية إيجابية عليا تجاه اللّٰه أو تجاه الناس، وترجع جهود اللغويين في بيان أصل البرّ وما اشتُق من لفظه من استعمالات أخلاقية، إلى أحد معنيين: إما "الصدق" وإما "السعة"، ونظراً لصعوبة ترجيح أي من الأصلين، فالأولى اعتبارهما معاً أصلاً واحدًا، فيكون المعنى اللغوي المركزي لمفهوم البرّ جامعاً بين معنيي الصدق والسعة، فالصدق يحيل إلى المعاني النفسية في ذهن الفاعل للبرّ من القصد والإخلاص والتوجه …، والسعة تحيل إلى أوصاف الفعل موضوع البرّ من حيث الإيجابية والإحسان والكثرة …، وبالجمع بين الأصلين يمكن القول: إنّ كلَّ فعل أخلاقي يَصدق صاحبه في استكمال محاسنه يدخل في البرّ، فصدق فاعل البرّ يدفعه إلى تحقيق مقاصد الفعل وليس إقامة شكله فقط، وإقامته على الوجه الأمثل الذي يحقق تلك المقاصد، وهذا المنحى يجعل الفعل موضوع البرّ ارتقاء مستمراً نحو الكمال، لذا كان "البرّ" مرتبة عليا تستكمل محاسن أفعال الخير، وهذه الأوصاف هي شأن الربانيين من أهل الأديان والسادة أصحاب المروءة، فكلٌّ منهم يفعل الخير لذاته ويستكمل محاسنه، فهو وصف ديني وإنساني في آنٍ، وإذا استخدمنا الاشتقاق الكبير للفظ البرّ، يعيدنا إلى "رب" الذي يعود جذر فعله إلى التربية والتهذيب والاسم منه إلى السيد، فيعزز ذلك ما بنيته على أصلي الصدق والسعة.‬

‫إن ما أسّسته بناء على الدراسة اللغوية، تعززه سياقات الآيات القرآنية التي تتبعتها بدءاً من أقدم استخدام للفظ "البرّ" في الآيات المكية، وقد أشرت إلى المعاني المستنبطة منها في ثنايا البحث، وسأستحضر بعضها في محاولة بناء مفهوم "البرّ" القرآني ربطاً بأصله اللغوي، وذلك من خلال الملاحظات الآتية:‬

1‬‫ أركان البرّ: صدق الفاعل واستكمال محاسن الفعل‬

‫من شروط أفعال الخير والطاعات أن تكون خالصة للّٰه ومستكملة لمحاسنها حتى تسمى براً، وهو معنى الصدق والسعة في جذر فعل البرّ، يدل على هذا القيد أوصاف أفعال الأبرار المذكورة في سورة الإنسان، فإطعام الطعام كنموذج لأفعال الأبرار لا تخالطه أية مصلحة مادية تُرتجى، إنما دافعه الصدق في فعل هذا الخير ﴿لوجه اللّٰه﴾ كما صرحت الآية، كما وُصِفَ إيتاء المال في آية البرّ بما يدل على الصدق في إنفاقه ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: 177]، وهو معنى تعززه آية أخرى صريحة ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92] وهي خاصة بالإنفاق، فلن يتصف الإنفاق بأنه فعل برّ حتى يكون مستكملاً صفتي الصدق (إخلاص الفاعل) والسعة (استكمال محاسن الفعل).‬

2‬‫ البرّ إقبال على فعل الخير وثبات عليه:‬

‫استخدام صيغة الاسم الدال على فاعل البرّ يدل على معنى الإقبال على البرّ، والتكرار والثبات عليه، هذا المعنى يمكن أن نستنبطه من وصف الملائكة بالبررة ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: 16]، والذي يعقبه وصف الإنسان بالجحود بأسلوب التعجب الدال على نزوعه المتكرر إلى الكفر، وانتهت السورة بوصف الكفار بـ"الكفرة الفجرة"، وهذا المعنى يتكرر في سورة الإنسان، فتصنف الآيات الإنسان بين شاكر وكفور، وعُبِّر عن الشاكرين بوصف الأبرار، وفاعل الشكر لا يسمى شاكراً ما لم يتصف بالاستمرارية وتحول الشكر إلى طبع في فاعله، وكذلك فعل البرّ لا يتصف به فاعله ما لم يتكرر منه فعل البرّ حتى يصبح سمة له.‬

3‬‫ رتبة البرّ هي الأسمى في مراتب القيم الدينية والأخلاقية:‬

‫فَصَّلت أكثر من آية مكانة الأبرار وجزاءهم ﴿ لَفِي نَعِيمٍ ﴾، كما بينت وضع من يقابلهم "الفجار" الذين هم في "جحيم"، وقد وصفت الآية الجاحدين من البشر بـ ﴿الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس: 42] مقابل الملائكة "البررة"، فاشتراك الملائكة البررة والمؤمنين الأبرار بمقابل واحد هم الفجرة والفجار، يدل على رفعة رتبة الأبرار؛ إذ غَدَوا مع الملائكة في وصف واحد. هذا التقابل يدل على استقطاب صنفين من الأفعال: الأعلى منهما هو أفعال الأبرار من البشر والملائكة البررة، ويقابله الأدنى وهو أفعال الفجار، ويدل وصف الفجور على جرأة وإقبال على فعل الشر مع التكذيب، وهي الحالة الأقبح في الكفر والعصيان، وتزيد سورة المطففين تأكيداً لهذه المرتبة بوصف مكانة كتاب الأبرار وجزائهم (عِلّيين- نعيم) مقابل كتاب الفجار وجزائهم (سِجين-جحيم).‬

‫يضاف إلى ذلك ما ورد في مقابلة وصف البَرّ (بوالديه—بوالدته) في سورة مريم (14–32) بالجبار، وكذلك مقابلة وصف (تقياً) بوصف (عصياً) في الحديث عن يحيى عليه السلام، مما يشير إلى أن البرّ أعلى من التقوى، فما يقابل (التجبر) الذي هو البرّ أعلى مما يقابل (العصيان) الذي هو التقوى، وتشير آية آل عمران (198) إلى سمو جزاء الأبرار الذي هو (النعيم عند اللّٰه) على جزاء المتقين الذي هو (الجنات).‬

‫ولعل أهم ما يدلّ على علو رتبة "البرّ"، حكاية القرآن عن أهل الجنة وصفَهم اللّٰهَ بأنه "البَرّ"، فقد استجمعت الذات الإلهية بهذا الوصف أسمى القيم التي يعلمها البشر في الدنيا، فصدقهم اللّٰه وعده، وجمع لهم من سعة الفضل أحسن وأكمل ما يرجون.‬

‫من هذه المقابلات يمكن أن نؤكد أن مفهوم البرّ رتبة أعلى من مجرد الالتزام بضوابط الأوامر والنواهي، التي هي مرتبة التقوى، فالبرّ ارتقاء بأعمال التقوى بأدائها بصدق واستجماع محاسن فعلها، وتجاوز الواجبات إلى القربات التي شرحتها الآيات التي بينت خصال البرّ وأفعال الأبرار.‬

4‬‫ البرّ قيمة ثابتة تجاه جميع الخلق المؤمنين وغير المؤمنين:‬

‫تضمنت الآيتان (البقرة: 224، الممتحنة: 8) خطاباً تشريعياً للمؤمنين يوضح بعداً ثابتاً في مفهوم البرّ وهو أنه متجه لعامة البشر المؤمنين وغير المؤمنين، ولا يحول دونه أي حكم، شرعياً كان هذا الحكم أم سياسياً، فما كان لعهد التزمه المؤمن تجاه اللّٰه (اليمين/القَسَم) أو تجاه الناس (المعاهدات مع غير المقاتلين / الولاء السياسي) أن يَحول دون البرّ، فوفاء اليمين من البرّ؛ إلا إن كان يحول دون أعمال البرّ الأخرى فينبغي التخلي عنه وتعويض خصلة من خصال البرّ به (كفارة اليمين/ الإنفاق)، والعلاقة مع غير المسلمين تقوم على البرّ، والنهي عن الولاء للأعداء المقاتلين حالة استثنائية لا تمنع من استمرار البرّ في الحالة الأصلية (السلم).‬

5‬‫ البرّ قيمة أخلاقية تشترك فيها رسالات الأنبياء وطباع البشر:‬

‫تَدرجُ القرآن في استخدام مشتقات البرّ من صيغة الاسم الدال على فاعِلِيه في الآيات المكية (اللّٰه أو الملائكة أو الأنبياء أو المؤمنون/ البَرّ، بررة، بَرّ، الأبرار) وصولاً إلى الحديث عن البرّ بصيغة المصدر (البرّ) أو الفعل في سياق التكليف (تبروا)، يدلُّ على أن مفهوم البرّ لم يكن موضوع خلاف لا في مفهومه ولا في خصاله، منذ بدء نزول الوحي وحتى بداية الفترة المدنية، وبدأ الاختلاف في خصاله لا في مفهومه بعد الجدل مع أهل الكتاب، وحثّهم على التزام تفاصيله التي يجدونها في الكتاب الذي يتلونه (البقرة: 44)، ثم تطور الجدل معهم ومع المشركين والمنافقين عندما بدأوا يُسْقِطون وصف البرّ على أفعال وشكليات ليست من البرّ ولا تتضمن جوهره (الصدق والسعة في الخير) فجاءت الآية (177) من سورة البقرة والتي عُرِفت بـ"آية البرّ"، تخاطب جميع الناس بمن فيهم من جادل في مشمولات البرّ، فتعيد تعريف البرّ مبينة أهم خصاله الدالة على القيم الدينية والخلقية التي تشترك فيها رسالات الأنبياء وطباع البشر، وكان كثير مما جاءت به هذه الآية المدنية إعادة ذكر لأوصاف الأبرار التي تكررت في الآيات المكية، والتي تضمنت بدورها شرحاً لهذه الخصال في آية البرّ، ثم تتالت الآيات المدنية في سورتي البقرة وآل عمران خصوصاً لتزيد معاني آية البرّ وضوحاً وتفصيلاً، وأصبح خطابها يخص المؤمنين في بعض الآيات، وغدا موضوع البرّ قضية أخلاقية أعمّ من سياقها الجدلي الذي بدأ مع بني إسرائيل في بداية المرحلة المدنية.‬

6‬‫ مفهوم البرّ في سياق الآيات التاريخي:‬

‫إن تطور الحديث عن البرّ في المرحلة المدنية واستعادة ما ورد بشأنه في الآيات المكية بطريقة جدلية ومضامين تشريعية، يعطي مفهوم البرّ وظيفة جامعة بين الناس سواء في بعده الأخلاقي الذي لا خلاف فيه، أو في بعده الديني الذي وقع التحريف في تفاصيله، وتستعيد الآيات معناه الذي اتفقت عليه رسالات الأنبياء وكتبهم، وتستند إليه الرسالة الخاتمة فيما تُؤَّسِّسُه من أحكام ثابتة صفتها الأساسية التركيز على المقاصد وتوظيف الوسائل لتحقيقها، فنزلت أهم آية في البرّ (البقرة: 177) في مرحلة شهدت تحولاً في الدعوة الإسلامية كان له أثره في طبيعتها الكونية، فتحويل القبلة إلى الكعبة (التي بناها إبراهيم عليه السلام) كان له بعد رمزي بالنسبة للرسالة الخاتمة تم استغلاله من قبل خصومها، فاتهمه اليهود بهذا التحول أنه حاد عن البرّ، فيما ظن المشركون أنه عائد إليهم، وربما توهم بعض المسلمين أن موضوع القبلة هو جوهر الدين، فضلاً عن شغب المنافقين المعهود، فجاءت هذه الآية توضح وتعلن أن الرسالة الخاتمة ذات بعد كوني، وإذ استأنفت التوجه إلى الكعبة كقبلة للمسلمين تذكرهم بدين إبراهيم الحنيف؛ فإنها تعلن أن هذه القبلة إنما هي عنوان رمزي، والبرّ الحقيقي ليس في تولي الجهات وإنما الالتزام بمضمون ما جاءت به الرسالات.‬

7‬‫ العلاقة بين البرّ والقيم الأخرى:‬

‫أوضحت دلالة السياقات المختلفة أن البرّ رتبة أعلى من التقوى، وهي حسب تعبير ابن جزي (741هـ) "غاية التقوى والعمل الصالح"، فالتقوى شرط لتحقيق البرّ وطريق له، لذلك اقترن ذكر التقوى بالبرّ في سبع من الآيات التي ذكر فيها البرّ، وعُرِّف فاعلو البرّ بأنهم مَن جمعوا بين التقوى والصدق، وأجيب عمن جعل البرّ فيما ابتدعه من الدين ﴿وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: 189] إيذاناً بأن من أراد البرّ فعليه أن يكون تقياً أولاً، كما اقترنت مع التقوى قيمة الإصلاح ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: 224]، وكذلك قيمة القسط في آية الممتحنة، وفي المقابل قوبل الأبرار بالفجار، والبَرّ بالجبار والشقي، والبِرّ بالإثم، وهذه المقترنات من شأن سياقاتها الأخرى في القرآن أن تزيد مفهوم البرّ وضوحاً وعمقاً، وهي بحاجة إلى دراسة مستقلة لاستكمال الحقل المفهومي الأصغر لمفردة "البرّ" ضمن حقل المفهومات الأخلاقية القرآنية، الذي ما يزال بكراً في الدراسات القرآنية.‬

‫الخاتمة:‬

‫بخلاف ما ذهب إليه توشيهيكو إيزوتسو من عدِّ مفهوم البرّ ملتبساً بمفهوم التقوى والعمل الصالح، وبدا هامشياً في دراسته للمفهومات الأخلاقية، فإنّ ما كشفت عنه دراسة سياقات آيات البرّ ببعديها التاريخي والنصي، يدلّ على أنه مفهوم مفتاحي في المنظومة الأخلاقية القرآنية، ويأتي في قمة المفهومات الأخلاقية الدينية، ويزيد من أهميته أنه مفهوم مثَّل قاسماً مشتركاً مع المخاطبين من العرب وأهل الكتاب في عصر النزول، وحصل الاختلاف فيه لاحقاً، فكان مفهوماً جدلياً، وقد وظَّفه القرآن في استعادة المفهوم الكوني لرسالات الأنبياء، واستئناف دعوة إبراهيم عليه السلام، فنزلت آية البرّ بعد تحويل القبلة، وقررت مع آيات أخرى أنَّ البرّ لا يستثني في محور الإيمان أحداً من الأنبياء أو الكتب، وفي محور المعاملة مع الخلق لا يستثني أحداً، فالبرّ صدق من الفاعل لا يستجدي نفعاً، وسعة في الفعل تستجمع محاسنه، فكانت خصال البرّ التي فُصلت في آية البرّ هي أساس التشريعات التي تابعتها سورة البقرة والآيات المدنية بعدها، وفي ذلك دلالة على ضرورة فهم الأحكام التشريعية في ضوء مفهوم البرّ وإرجاعها إليه، فنفي صفة البرّ عن ذات الوسائل (القبلة) هي دعوة إلى فهم التشريع الآتي في ضوء معنى البرّ؛ لتحقق التكاليف بذلك مقاصدها ولا تتحول إلى شكليات، وقد ذكرت آيات البرّ التقوى كوسيلة لتحقيق البرّ والارتقاء إليه.‬

‫هذا البعد التاريخي لمفهوم "البرّ" لا يقلّ عنه أهمية الوظيفة الأخلاقية التي يمكن أن يؤديها هذا المفهوم، سواء في حياة المؤمنين أم في علاقاتهم مع غيرهم، فهو أصل ثابت لا يتغير يرتبط بذات المؤمن وليس بمحيطه، فهو قيمة ينبغي أن يرتقي إليها المؤمنون في أي زمان أو مكان، ومن شأنها أن تضبط علاقتهم مع الخلق والخالق، والتحلي بها سيكشف عن مشتركات بين الناس هي أوسع مما يُظن أنه اختلاف، وستمكن من مواجهة ظروف ومتغيرات لن يقوى عليها إلا من اتصف بخصال البرّ.‬

‫إنّ مفهوم "البرّ" يمثل عنواناً في حقل المفهومات الأخلاقية الدينية القرآنية، ومن شأن الانطلاق من هذه النتيجة، والمنهجية التي قادت إليها، أن تفتح أفقاً لتعميق النظر في الرؤية الأخلاقية القرآنية، والرؤية التشريعية أيضاً، فدراسة المفهومات تضيء جوانب مُغْفلة في النماذج الأخرى من الدرس القرآني، وتساعد على فهم كل آية بمفردها، فعلى مستوى البنية الحجاجية للآيات كشفت دراسة البرّ كمفهوم عن خصوصية ذكره في كل مكان ورد فيه من حيث تعليل اشتقاقه اللفظي، ودلالات ما اقترن به، وتاريخ نزول آياته، وطبيعة المخاطبين في مورد ذكره، وهذه معانٍ لم تُلحظ أبعادها في التفسير التحليلي، ولا في التفسير الموضوعي، ولا في التفسير المعتمد على ترتيب النزول، فالعودة إلى تحليل آية البرّ مثلاً بعد دراسة مفهومه ستعطي دلالاتٍ ما كان يمكن اكتشافها من غير ملاحظة مفهومه في مجمل القرآن، فلا يمكن بعد دراسة المفهوم أن يُقبل كلام المفسرين عن معنى البرّ الذي يَخلط بين الطاعة والتقوى الوارد ذكرها في نفس الآية، وكذلك أي آية ذات موضوع أخلاقي في القرآن سيكون تفسيرها محتاجًا إلى درس مفهومي سابق عليه، وأزعم أنه لا ثقة بنتائج دراسة النظرية الأخلاقية القرآنية قبل اكتمال دراسة مفاهيمه الأخلاقية.‬

‫وعلى مستوى ثانٍ لا يقل أهمية، فإن دراسة مفهوم البرّ والمفهومات الأخلاقية الأخرى في القرآن من شأنها أن تصحح النظرة إلى الجانب التشريعي في القرآن والذي اصطبغ بمنظور فقهي حرفي تعامل مع الآيات القرآنية كمواد قانونية لاستنباط الأحكام، مما أفقد الأحكام المستنبطة من الآيات روحها ومقاصدها، إن لم تكن أُخِرجت من سياق الآية إلى سياقات أخرى حكمت عمل المجتهد، ذلك أن المنهج القرآني في التشريع يضع الحكم (الفقهي) في سياق وظيفي أعم هو الهداية القرآنية، وغياب هذا السياق العام يجعل الحكم أمراً شكلياً إن استقامت صورته أجزأت وبقي مقصده مُعطلاً، والمدخل الأساسي لاستعادة هذا السياق العام للتشريع القرآني هو العودة للمقصد الأخلاقي الذي جلَّاه القرآن مع كل آية تتضمن حكماً، ومن عَجَبٍ أن تُفرد المصطلحات الفقهية بصفحات من الدرس في كتب الفقه وتغفل قرائنها الأخلاقية في الآيات، فلم تكن موضعَ تساؤل لا من حيث وظيفتها في بناء الحكم الفقهي وأركانه وشروطه، ولا من حيث توضيح الوظيفة الأخلاقية للحكم، والتي تُركت لكتب التصوف والزهد التي أخذت مسارها بعيداً عن الدلالة القرآنية، فالدرس المفهومي الأخلاقي في القرآن يضع لبنات لاستعادة التشريع الإسلامي إلى سياقه القرآني المـُغَيَّا بمقاصد أخلاقية.‬

‫وستجد المفاهيم الأخلاقية القرآنية مصاديقها في نصوص السنة النبوية القولية والعملية، والتي تتكامل في إيضاح الرؤية القرآنية وتجليتها، وأحاديث البر نموذج لهذا التكامل، وهي جديرة بدراسة مستقلة تستكمل هذه الدراسة التي تؤسس لمنطلق النظر في النصوص الشارحة والمفسرة. وعليه، فإن دراسة مفهوم البرّ هذه ما هي إلا نموذج في المنهج وفي التطبيق، الغرض منها تجْليَة أهمية دراسة المفهومات الأخلاقية القرآنية؛ بوصفها منطلقاً لبناء نظرية أخلاقية قرآنية، لا يمكن اكتمالها إلا بمتابعة الأنماط الأخرى من الدرس القرآني معتمدة على نتائج دراسة المفهومات الأخلاقية القرآنية، وأزعم أن بناء معجم للمفهومات الأخلاقية في القرآن أصبح ضرورة معرفية تسبق أي موسوعة عن الأخلاق في الإسلام، وفي ظل التشوه الأخلاقي الذي تصطبغ به ممارسات بعض المسلمين باسم الدين يغدو مشروع كهذا أولوية معرفية في الدراسات الإسلامية.‬

‫1 هكذا العبارة في المصدر ولعل المقصود: اتسع لما لم يتسع له غيره.‬

المصادر والمراجع

‫(*) بعض المؤلفين تمت الإحالة إليهم—في المتن—باسم الشهرة الذي قد يكون الاسمَ الأول، ولذلك وضعنا الاسم المستعمل في الإحالات ما بين قوسين لتمييزه عن غيره.‬

‫ابن الأثير، مجد الدين. 1979. النهاية في غريب الحديث والأثر . تحقيق طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي. بيروت: المكتبة العلمية.‬

‫الأزدي، أبو بكر محمد بن الحسن. 1987. جمهرة اللغة. تحقيق رمزي منير بعلبكي. بيروت: دار العلم للملايين.‬

‫الأصفهاني، الراغب. 1991. المفردات في غريب القرآن. تحقيق صفوان عدنان الداودي. دمشق/ بيروت: دار القلم / الدار الشامية.‬

‫الأصفهاني، الراغب. 1999. تفسير الراغب الأصفهاني. (المقدمة وتفسير الفاتحة والبقرة). تحقيق ودراسة محمد عبد العزيز بسيوني. جامعة طنطا: كلية الآداب.‬

‫الألوسي، شهاب الدين. 1994. روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني. تحقيق علي عبد الباري عطية. بيروت: دار الكتب العلمية.‬

‫الأندلسي، أبو حيان أثير الدين. 1999. البحر المحيط في التفسير. تحقيق صدقي محمد جميل. بيروت: دار الفكر.‬

‫إيزوتسو، توشيهكو. 2008. المفهومات الأخلاقية الدينية في القرآن. ترجمة عيسى علي العاكوب. حلب: دار الملتقى.‬

‫البقاعي، إبراهيم. د.ت. نظم الدرر في تناسب الآيات والسور. القاهرة: دار الكتاب الإسلامي.‬

‫ابن جزي، أبو القاسم. 1995. التسهيل لعلوم التنزيل. تحقيق عبد اللّٰه الخالدي. بيروت: شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم.‬

‫الجصاص، أبو بكر الرازي الحنفي. 1985. أحكام القرآن. تحقيق محمد صادق القمحاوي. بيروت: دار إحياء التراث العربي.‬

‫ابن الجوزي، أبو الفرج. 1984. نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر. تحقيق محمد عبد الكريم كاظم الراضي. بيروت: مؤسسة الرسالة.‬

‫الجوهري، أبو نصر إسماعيل بن حماد. 1987. الصحاح: تاج اللغة وصحاح العربية. تحقيق أحمد عبد الغفور عطار. بيروت: دار العلم للملايين.‬

‫ابن حجر، امْرُؤُ القَيْس (امرؤ القيس)*. 2004. ديوان امرئ القيس. اعتنى به عبد الرحمن المصطاوي. بيروت: دار المعرفة.‬

‫حللي، عبد الرحمن. 2008. بنية القرآن مدخلاً لإعادة القراءة. مجلة الإحياء، الرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب. 27: 104–111‬

‫حللي، عبد الرحمن. 2011. المدخل إلى دراسة المفهومات القرآنية. سلسلة المفهومات القرآنية. حلب: دار الملتقى.‬

‫الدامغاني، الحسين. 1980. إصلاح الوجوه والنظائر في القرآن الكريم. تحقيق عبد العزيز سيد الأهل. بيروت: دار العلم للملايين.‬

‫أبو داود، هناء عبد اللّٰه سليمان. 2005. البر في القرآن الكريم. رسالة ماجستير في الكتاب والسنة، كلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى- مكة.‬

‫الذبياني، النابغة. 2005. ديوان النابغة الذبياني. اعتنى به حمدو طمَّاس. بيروت: دار المعرفة.‬

‫الرازي، زين الدين أبو بكر (أبو بكر الرازي)*. 1999. مختار الصحاح، تحقيق يوسف الشيخ محمد. بيروت/ صيدا: المكتبة العصرية /الدار النموذجية.‬

‫الرازي، فخر الدين. 1999. مفاتيح الغيب (التفسير الكبير). بيروت: دار إحياء التراث العربي.‬

‫ابن ربيعة، لبيد. 2004. ديوان لبيد بن ربيعة. اعتنى به حمدو طماس. بيروت: دار المعرفة.‬

‫رضا، رشيد. 1990. تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار). القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.‬

‫الزَّبيدي، مرتضى. د.ت. تاج العروس من جواهر القاموس. تحقيق مجموعة من المحققين. القاهرة: دار الهداية.‬

‫الزمخشري، أبو القاسم جار اللّٰه. 1987. الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (تفسير الزمخشري). بيروت: دار الكتاب العربي.‬

‫أبو زهرة، محمد. د.ت. زهرة التفاسير. القاهرة: دار الفكر العربي.‬

‫ابن سلَّام، أبو عُبيد القاسم. 1964. غريب الحديث. حيدر آباد الدكن: دائرة المعارف العثمانية.‬

‫ابن أبي سلمى، زهير. 2005. ديوان زهير بن ابي سلمى. اعتنى به حمدو طمَّاس. بيروت: دار المعرفة.‬

‫ابن سليمان، مقاتل. 2002. التفسير الكبير. تحقيق عبد اللّٰه محمود شحاته. بيروت: دار إحياء التراث العربي.‬

‫ابن سليمان، مقاتل. 2006. الوجوه والنظائر في القرآن. تحقيق حاتم الضامن. دبي: مركز جمعة الماجد.‬

‫ابن سيده، أبو الحسن علي بن إسماعيل. 2000. المحكم والمحيط الأعظم. تحقيق عبد الحميد هنداوي. بيروت: دار الكتب العلمية.‬

‫شلتوت، محمود 2004. تفسير القرآن (الأجزاء العشرة الأولى). القاهرة: دار الشروق.‬

‫الطبري، محمد بن جرير. 2001. جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري). تحقيق عبد اللّٰه بن عبد المحسن التركي. القاهرة: دار هجر.‬

‫الطوسي، أبو جعفر. د.ت. التبيان في تفسير القرآن. تحقيق أحمد حبيب قصير العاملي. بيروت: دار إحياء التراث العربي.‬

‫ابن عاشور، محمد الطاهر. 1984. التحرير والتنوير. تونس: الدار التونسية للنشر.‬

‫ابن العبد، طرفة. 2002. ديوان طرفة بن العبد. تحقيق مهدي محمد ناصر الدين. بيروت: دار الكتب العلمية.‬

‫ابن العربي، أبو بكر. 2003. أحكام القرآن. تحقيق محمد عبد القادر عطا. بيروت: دار الكتب العلمية.‬

‫ابن عرفة، محمد الورغمي التونسي المالكي. 1986. تفسير الإمام ابن عرفة. تحقيق حسن المناعي. تونس: مركز البحوث بالكلية الزيتونية.‬

‫العسكري، أبو هلال. 2007. الوجوه والنظائر. تحقيق محمد عثمان. القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية.‬

‫العسكري، أبو هلال. د.ت. الفروق اللغوية. حققه وعلق عليه محمد إبراهيم سليم. القاهرة: دار العلم والثقافة للنشر والتوزيع.‬

‫ابن عطية، عبد الحق بن غالب الأندلسي. 2001. المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز. تحقيق عبد السلام عبد الشافي محمد. بيروت: دار الكتب العلمية.‬

‫علي، إدريس حامد محمد. 2004. البر في القرآن وأثره في حياة المكلفين. مجلة جامعة الملك سعود، العلوم التربوية والدراسات الإسلامية 17: 2: 997–1052.‬

‫العمادي، أبو السعود. د.ت. إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم. بيروت: دار إحياء التراث العربي.‬

‫ابن فارس، أحمد. 1979. معجم مقاييس اللغة. تحقيق عبد السلام محمد هارون. بيروت: دار الفكر.‬

‫الفراهي، عبد الحميد. 2002. مفردات القرآن: نظرات جديدة في تفسير ألفاظ قرآنية. تحقيق محمد أجمل أيوب الإصلاحي. بيروت: دار الغرب الإسلامي.‬

‫الفراهيدي، الخليل بن أحمد. د.ت. العين. حققه مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي. القاهرة: دار ومكتبة الهلال.‬

‫الفيروزآبادي، مجد الدين. 1996. بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز. تحقيق محمد علي النجار. القاهرة: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، لجنة إحياء التراث الإسلامي.‬

‫الفيروزآبادي، مجد الدين. 2005. القاموس المحيط. تحقيق مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة بإشراف محمد نعيم العرقسُوسي. بيروت: مؤسسة الرسالة.‬

‫القاسمي، محمد جمال الدين. 1997. محاسن التأويل. تحقيق محمد باسل عيون السود. بيروت: دار الكتب العلميه.‬

‫الكفوي، أبو البقاء. د.ت. الكليات: معجم في المصطلحات والفروق اللغوية. تحقيق عدنان درويش ومحمد المصري. بيروت: مؤسسة الرسالة.‬

‫ابن كلثوم، عمرو. 1991. ديوان عَمْرو بن كُلْثُوم. جمع وتحقيق إميل بديع يعقوب. بيروت: دار الكتاب العربي.‬

‫كمال الدين، حازم علي. 2008. معجم مفردات المشترك السامي في اللغة العربية. القاهرة: مكتبة الآداب.‬

‫الماتريدي، أبو منصور. 2005. تأويلات أهل السنة (تفسير الماتريدي). تحقيق مجدي باسلوم. بيروت: دار الكتب العلمية.‬

‫الماوردي، أبو الحسن. د.ت. النكت والعيون (تفسير الماوردي). تحقيق السيد بن عبد المقصود بن عبد الرحيم. بيروت: دار الكتب العلمية.‬

‫ابن منظور، جمال الدين. 1993. لسان العرب. بيروت: دار صادر.‬

‫الهراسي، أبو الحسن الطبري (إلكيا الهراسي). 1985. أحكام القرآن. تحقيق موسى محمد علي وعزة عبد عطية. بيروت: دار الكتب العلمية.‬

  • Mir Mustansir , Dictionary of Qur’anic Terms and Concepts , (Gariand Publishing, New York & London 1987 ).

  • Reinhart Kevin A. , Ethics and the Qur’an , (Brill , Leiden 2002 ) 61 -62 .

If the inline PDF is not rendering correctly, you can download the PDF file here.

  • Mir Mustansir , Dictionary of Qur’anic Terms and Concepts , (Gariand Publishing, New York & London 1987 ).

  • Reinhart Kevin A. , Ethics and the Qur’an , (Brill , Leiden 2002 ) 61 -62 .

Content Metrics

All Time Past Year Past 30 Days
Abstract Views 12 0 0
Full Text Views 3899 1965 99
PDF Downloads 637 365 22