دور العلماء والمؤرخين في نقل النظريات السياسية الساسانية إلى الهند في عصر سلطنةدهلي

كتاب "فتاوى جهانداري" نموذجًا

In: Journal of Islamic Ethics
View More View Less
  • 1 زميل باحث في مركز حسن بن محمد آل ثاني للدراسات التاريخية, الدوحة, قطر

الخلاصة

إن الهدف الرئيس من هذا البحث هو دراسة القنوات التي أسهمت في نقل النظريات السياسية الساسانية إلى الدول الإسلامية ومنها سلطنة دهلي في الهند. ومن أجل تحقيق ذلك الهدف تم التعريف بالمصنفات السياسية مثل كتب النصائح والوصايا التي كان يتم إعدادها برعاية السلاطين في الدول الإسلامية الشرقية بهدف تعليم النظم السياسية والإدارية، والتي دونت بواسطة الكتب السياسية والإدارية التي في عهودهم. وعلى الرغم من أن بعض هذه الكتب تختلف اختلافًا يسيرًا في مضامينها وشكلها؛ إلا أن نصوص جميع تلك الكتب تعكس الأفكار السياسية المتنوعة المأخوذة من الأفكار السياسية الساسانية. وفيما يتعلق بترويج النظريات السياسية الساسانية في الهند بواسطة سلاطين دهلي، فقد تم التعريف ببعض العلماء والمؤرخين المعاصرين وكتاباتهم السياسية تعريفًا عامًا في حين اختير كتاب "فتاوى جهانداري" للعالم والمؤرخ الهندي ضياء الدين برني كنموذج، فهو يعد من أهم الكتب وأخطرها في الفقه السياسي لتلك الفترة، وتم تحليل مضامينه ومقارنتها ببعض كتب الوصايا الساسانية لمعرفة مدى تأثير النظريات السياسية الساسانية في نظريات سلاطين دهلي السياسية والإدارية‪.‬

الخلاصة

إن الهدف الرئيس من هذا البحث هو دراسة القنوات التي أسهمت في نقل النظريات السياسية الساسانية إلى الدول الإسلامية ومنها سلطنة دهلي في الهند. ومن أجل تحقيق ذلك الهدف تم التعريف بالمصنفات السياسية مثل كتب النصائح والوصايا التي كان يتم إعدادها برعاية السلاطين في الدول الإسلامية الشرقية بهدف تعليم النظم السياسية والإدارية، والتي دونت بواسطة الكتب السياسية والإدارية التي في عهودهم. وعلى الرغم من أن بعض هذه الكتب تختلف اختلافًا يسيرًا في مضامينها وشكلها؛ إلا أن نصوص جميع تلك الكتب تعكس الأفكار السياسية المتنوعة المأخوذة من الأفكار السياسية الساسانية. وفيما يتعلق بترويج النظريات السياسية الساسانية في الهند بواسطة سلاطين دهلي، فقد تم التعريف ببعض العلماء والمؤرخين المعاصرين وكتاباتهم السياسية تعريفًا عامًا في حين اختير كتاب "فتاوى جهانداري" للعالم والمؤرخ الهندي ضياء الدين برني كنموذج، فهو يعد من أهم الكتب وأخطرها في الفقه السياسي لتلك الفترة، وتم تحليل مضامينه ومقارنتها ببعض كتب الوصايا الساسانية لمعرفة مدى تأثير النظريات السياسية الساسانية في نظريات سلاطين دهلي السياسية والإدارية‪.‬

مقدمة

لقد اتخذ سلاطين دهلي بعد قيام سلطنتهم في الهند في سنة 602هـ/1206م النظريات السياسية الرائجة في عصر الدولة الغزنوية (336–582هـ/977–1186م) المستمدة من النظريات السياسية الإسلامية والساسانية بجانب محاولاتهم الحصول على الشرعية من الخلافة العباسية، ووضعوا هاتين النظريتين في بوتقة واحدة، وأصبحت دولتهم أوتوقراطية، أو ما نسميه اليوم بالحكم الاستبدادي أو الفردي، أو غير الدستوري. وفي واقع الأمر إن بعض العلماء والفقهاء من ذوي الثقافة الفارسية والشعوبية قد أسهموا في تدوين الكتب السياسية والفقهية متأثرين بالفكر السياسي الساساني في عصر الدولة الغزنوية، والتي صارت في عصر سلطنة دهلي نموذجًا لمعظم العلماء والفقهاء في تدوين أعمالهم في الفقه السياسي والعسكري‪.‬

ومن أشهر علماء سلطنة دهلي فخر مدبر الذي دون كتابه "آداب الملك وكفاية المملوك" المعروف بـ"آداب الحرب والشجاعة" لمؤسس سلطنة دهلي قطب الدين أيبك وذلك على غرار الكتب السياسية الساسانية. وجاء بعده ضياء الدين برني صاحب "تاريخ فيروز شاهي"، ودون كتابه "فتاوى جهانداري" لتقديم مرآة لسلاطين دهلي عن الآداب والتقاليد الإيرانية للحكم والسلطة، ووضعه على غرار كتب النصائح والوصايا التي دونت في القرن الرابع والخامس الهجريين، ووضح فيه الفكر السياسي عند سلاطين دهلي المتقدمين. وكان هدف صاحبه، كما يظهر من مضامين الكتاب، إعداد دليل سياسي للسلطة الحاكمة في ضوء النظريات السياسية الساسانية والغزنوية والغورية إلخ. وسار على المنهج نفسه معاصره عصامي صاحب ”فتوح السلاطين”، وشمس سراج عفيف صاحب "تاريخ فيروزشاهي". وحاول جميع هؤلاء العلماء والمؤرخين نقل النظريات السياسية الساسانية إلى الثقافة الإسلامية ونشرها بهدف المحافظة على استمرار السلطة وبقاء الحكم المنفرد على أساس أن السلطان ظل اللّٰه على الأرض‪.‬

وقد أثرت الآداب الفارسية مثل الشاهنامه وكتب النصائح والوصايا المنقولة بواسطة هذه الكتب وغيرها؛ في قلوب سلاطين دهلي وعقولهم لدرجة أنهم كانوا يعتقدون بأنه من المستحيل أن تتم عملية الحكم والسياسة من دون خلق البيئة الإيرانية الساسانية. وقد نتج عن تكريس النموذج الساساني في الحكم والسياسة إعادة ترتيب علاقة الدولة بالقبلية والعصبية، وعلاقة العقيدة بطاعة السلطان المستبد، وإفراغ نظام الشورى من مضمونها، وتحول السلطة إلى الملك الوراثي، والاصطلاح على جعل الحاكم خليفة اللّٰه في أرضه. وكانت للنظريات السياسية الساسانية تأثيرات قوية للغاية في عصر سلطنة دهلي، وانتقلت منها بعد سقوطها إلى الإمارات الإسلامية في عصر ملوك الطوائف ممتدةً إلى الدولة المغولية‪.‬

هذا، وسيتضمن البحث النقاط الآتية‪:‬

أولًا: عملية نقل التراث السياسي الساساني إلى الثقافة الإسلامية في العصور الإسلامية‪.‬

ثانيًا: موقف الدويلات الإسلامية الشرقية من النظريات السياسية الساسانية‪.‬

ثالثًا: تعريف كتاب "فتاوى جهانداري" وتحليل مضامينه‪.‬

أولًا: عملية نقل التراث السياسي الساساني إلى الثقافة الإسلامية في العصور الإسلامية

لقد استعان العقل العربي في مرحلة الصعود الحضاري في العصور الإسلامية بالثقافات الإيرانية واليونانية والهندية لتطوير النظم الإدارية والنظريات السياسية. وقد ساعده على ذلك التواصل العلمي والمعرفي مع ما أبدعته الحضارات القديمة والعقل الإيراني، وقد نقل العقل العربي الكثير من النظريات السياسية والتربوية إلى أوراقه وضمها إلى مشاريعه في الكتابة والسياسة والتربية (ابن هندو 2001، 58–59)‪.‬

فقد نقل من الثقافة الإيرانية الكثير من سير الملوك (سياسة الملك) وأخبارهم، وتواريخهم وما تضمن ذلك من أساليب في الحكم والسياسة والنظم المالية والإدارية (ابن النديم د.ت، 1: 130–132). وبذلك نجحت الثقافة الإيرانية في وضع التأثيرات الهائلة في جميع الجوانب من الشؤون السياسية والحضارية للدول الإسلامية بواسطة الكوادر من العلماء والأدباء ذوي الجذور الفارسية. وأصبحت تلك الكتب مرغوبة جدًا، وهي تمثل النظريات السياسية لملوك إيران والهند واليونان (محمدي 1964، 10–16)‪.‬

وفي طليعة هذه الكتب في النظريات السياسية والوصايا والنصائح يمكن إدراج كتب ابن المقفع التي هي في الأصل ترجمة من الكتب الپهلوية والهندية ومن أهمها "خدايه نامه أو شاهنامه" الذي ترجمه باسم "سير ملوك العجم أو سير الملوك" (ابن النديم د.ت، 1: 132)، وقد احتل هذا الكتاب مكانًا كبيرًا بين كتب السياسة والنظم الإدارية، وكان له صيت كبير عند الخلفاء العباسيين، ومن ثم حاول الأدباء الآخرون مثل محمد بن الجهم البرمكي، زادويه بن شاهويه، ومحمد بن مطيار الأصفهاني، وهشام بن قاسم الأصفهاني كتابته أو ترجمته ترجمة حرة مرة أخرى باللغة العربية، وهذا يدل على تداوله وقبوله في الأوساط العلمية والثقافية (كريستنسن 1998، 46–47)‪.‬

ومن أهم مصادر النظم الساسانية "كتاب تنسر" الذي يحتوي على موضوعات مهمة في مجال الحكم والسياسة والأخلاق، وضح فيه تنسر النظم السياسية والإدارية للدولة الساسانية1. ومن أعمال ابن المقفع المشهورة كليلة ودمنة، والأدب الصغير والأدب الكبير، والدرة اليتيمة، ورسالة الصحابة، وسيرة الفرس لإسحاق بن يزيد، وجاويدان خرد الذي نقله من الفارسية إلى العربية الحسن بن سهل والذي أكمل ترجمته من بعد ذلك مسكويه (بدوي 1954، 6)‪.‬

ولنذكر كتابًا پهلويًا آخر يحوي تفاصيل خاصة من تاريخ الساسانيين، وكانت له ترجمة بقلم ابن المقفع وهو "كهناماه أي آيين نامه أو نامك"، أي كتاب الرسوم الذي يقول عنه المسعودي:“إنه كتاب الرسوم وهو عظيم في الألوف من الأوراق، لا يكاد يوجد كاملًا إلا عند الموابذة وغيرهم من ذوي الرياسات” (المسعودي 1938، 90–91). وقد اهتم هذا الكتاب بذكر تفاصيل عن نظم الدولة الساسانية، كما تناول أصول الحكم ومبادئه، ويوجد فيه معلومات أخرى عن أنواع الرياضة البدنية والصيد إلخ (كريستنسن 1998، 49)‪.‬

وكان هنالك كتاب "تاج نامه” وهو عبارة عن مجموعة من الوثائق الخاصة بذكر أحاديث ملوك إيران وتعاليمهم ومراسمهم وقوانينهم الخاصة بالآداب السلطانية. وحسب بعض الباحثين فإنه من الصعب إيراد عدد الكتب العربية التي تحويها هذه المجموعة. وهي عبارة عن الوصايا السياسية التي وجهها كسرى الثاني إلى أبنائه وكتّابه وخازنيه وحجّابه. والطبري وغيره من المؤرخين العرب استقوا من كتاب التاج الخطابات الملكية في إشارتهم إلى كتب تعاليم سابور الثالث للحكام، وكتاب بهرام الرابع للقادة، وكتب كسرى الأول للملوك والأمراء (كريستنسن 1998، 50)‪.‬

وعند النظر في هذه الكتب نجد أنه كان لديهم رغبة شديدة في نقل التراث السياسي الساساني إلى العربية وترويجه. وذكر مسكويه تجربته في نقل كتاب جاويدان خرد، فيقول: " … فلما نظرت فيه وجدت له أشكالًا ونظائر كثيرة من حكم الفرس والهند … وإن كان هذا الكتاب أقدمها وأسبقها بالزمان، فإنه وصايا لاوشهنج لولده ولمن كان من بعده … فرأيت أن أنسخ هذه الوصية على جهتها، ثم ألحق بها جميع ما ألفته من وصايا وآداب الأمم الأربع أعني الفرس والهند والعرب والروم …" (مسكويه 1952، 5)‪.‬

وتفيد هذه الكتب أن الخلفاء العباسيين اهتموا بالعثور على الكتب والسجلات التي تم تدوينها في عصر الدولة الساسانية. يحكي مسكويه عن الجاحظ قصة طريفة عن أحد العلماء الإيرانيين كان يطلق عليه "ذوبان“ دخل في البلاط المأموني بسبب علمه ومعرفته وفطنته، وأخبره ببعض الكتب في مجال مكارم الأخلاق وعلوم الآفاق من كتب عظيم الفرس، كانت توجد في الخزائن تحت الإيوان بالمدائن. وقد أمر الخليفة المأمون بحفر بعض الأماكن المشار إليها من جانب ذوبان واقتلاع الأحجار، حيث وجد فيها صندوقًا صغيرًا من زجاج أسود، ووجد فيه كتبا في علم السياسة والحكم والنصائح (مسكويه 1952، 19–20)‪.‬

وإن الهدف من هذه التفاصيل هو إبراز القنوات التي أسهمت إسهامًا مباشرًا أو غير مباشر في ترويج الثقافة الإيرانية ولا سيما النظم السياسية والإدارية في عصر الدولة العباسية وترسيخها عند الخلفاء الذين وجدوا ضالتهم المنشودة في النظريات السياسية المستبدة التي وضعها الساسانيون، وما أثارت هذه الأعمال إعجاب المؤلفين والمترجمين المسلمين من فراغ، ولم يسردوا في كتبهم ما كان لهم من رسوم حسنة وسير مرضية من تلقاء نفسهم، إنما كانت هنالك سياسة معينة لدى السلطة لترويج مثل هذه الكتب في مجال النصائح والوصايا للملوك الساسانيين، والتي صارت نموذجًا رائعًا لمن قام من العلماء والفقهاء والمؤرخين بتأليف الكتب في الآداب السلطانية والنظم السياسية والإدارية في العصور الإسلامية (عارف 1994، 85–105). وفي الواقع وكما أن الحضارة الإسلامية أسهمت في تطوير العلوم الرياضية والطب والفلك بعد ما أخذتها من الفرس والهند واليونان، كذلك أسهمت بدورها في تطوير النظام الأوتوقراطي أو الاستبدادي الذي ورثته من النظم السياسية الساسانية ونظرياتها السياسية، وقامت بتطويره وترويجه وتطبيقه تطبيقًا كاملًا. وإن عملية النقل والترجمة للآثار السياسية الساسانية في مراحل مبكرة من بداية الدولة الإسلامية قامت بدور حاسم في صوغ الفكر السياسي الإسلامي‪.‬

ثانيًا: موقف الدول الإسلامية الشرقية من النظريات السياسية الساسانية

منذ بداية القرن الثالث الهجري بدأت بعض الأسر الحاكمة في الولايات العباسية تحاول الحصول على استقلالها مع بقائها اسميًا تحت سلطة العباسيين؛ لأنها كانت بحاجة إلى الشرعية الدينية، وقد تَمَكَّن بعضها من تأسيس دولة مستقلة في المناطق الإيرانية وآسيا الوسطى وأفغانستان، مثل الأسرة الطاهرية (205–259هـ/821–873م)، والبويهية (320–454هـ /932–1062م)، والسامانية (204–395هـ/819–1005م)، والزيارية (315–483هـ/927–1900م)، والسلجوقية (429–590هـ/1038–1194م)، والغزنوية (336–582هـ/977–1186م) وغيرها (Bosworth 1978, 7–34; 1969, 103–106; 1968, 33–44)، وسادت فيها لإدارة شؤونها الإدارية وتدبير سياستها النظم المتبعة في الدولة الساسانية، والعباسية، بحيث لو تأملنا الآثار الباقية عنها لا نرى فرقًا كبيرًا بينها وبين ما سبقها، فما يرسمه طاهر بن الحسين في وصاياه لابنه عبد اللّٰه ‫(Bosworth 1970, 25–41)‬، وخواجه نظام الملك وزير آل سلجوق في كتابه سياست نامه، من قواعد الملك ورسوم السياسة لا يختلف عما نجده في الآثار المروية الأولية عن الملوك الساسانيين والعباسيين، وكذلك ما كتبه كيكاوس بن إسكندر بن قابوس أحد أمراء طبرستان من آل زيار لابنه كيلانشاه في أنواع الأدب والسياسة في كتابه قابوس نامه، لا يبعد عن كتب من هذا النوع اشتهرت في الأدب الساساني ثم في الأدب العربي من وصايا الملوك والأمراء إلى أبنائهم وعهدهم إياهم. وقد بلغ هذا التقارب في بعض المواضيع والاتحاد في بعضها الآخر لدرجة أن يعد المحققون هذين الكتابين وأمثالهما في الأدب الفارسي كمصادر لدراسة الإمبراطورية الساسانية درسًا داخليًا ‫(Inostranzev 1918, Part I: 60-65-76).‬

ولدى دراسة هذه الأعمال الخاصة بالوصايا والنصائح نستطيع القول في ضوء محتوياتها المتنوعة: إنهم حاولوا استيعاب النظريات السياسية الساسانية بواسطة تدوين أكبر قدر من هذه الكتب للوصول إلى تناغم بين هذه النظرية السياسية وبين واقع التجارب الملموسة، والتكيف معها وتقديمها في إطار الثقافة الإسلامية، ومن ثم أصبحت هذه النظريات إسلامية-إيرانية وامتد تأثيرها إلى آسيا الوسطى وشبه القارة الهندية بواسطة العناصر التركية والمغولية التي تأثرت بهذه النظريات قبل وصولها إلى الهند والمناطق الأخرى، وأسهمت في تطويرها بواسطة النظريات القبلية العصبية. ومن الصعب الاتفاق مع كلام المستشرق جب في أن قيام المسلمين بالتكيف مع الثقافة الإيرانية والقوانين الملكية الساسانية كان معاديًا أو متنافرًا ‫(Gibb 1962, 62–73)‬. صحيح أنها كانت تتعارض مع النظريات الإسلامية الحقيقية، ولكن المسلمين في العصور الإسلامية استطاعوا التكيف معها وورثوها تلقائيًا؛ فكانت أول المنظومات التي عرفوها، وما كانوا يرون تعارضاً بين هذه النظريات وبين الإسلام. وبما أنهم كانوا يعيشون في ظل الحكم الساساني قبل دخولهم إلى الإسلام، لم يجدوا صعوبات في التكيف مع النظام الجديد في قالب قديم، واعتبروه تكميلًا للعادات والتقاليد القبلية التي كانوا يمارسونها في مجال الحكم والإدارة قبل اعتناق الإسلام ‫(Tor 2011, 115–122).‬

ويرى بعض الباحثين أن كتاب "سياست نامه"، و"قابوس نامه" مرآة حقيقية لكتاب ذرادشت نامه لكخيسرو، وبواسطة هذه الكتب الفارسية والعربية تمت محاولة جادة لإحياء الثقافة الساسانية، وتقديم نماذج من الحكم والإدارة للمجتمع الإسلامي، وقد تركت هذه الأعمال السياسية تأثيرات بالغة في الحياة السياسية والعسكرية لجميع الدول الإسلامية الشرقية والغربية على حد سواء ‫(Bosworth 1978, 8).‬

ومنذ القرن الخامس الهجري وصاعدًا ظهرت العناصر التركية والمغولية على مسرح السياسة والحرب، واستطاعت من خلال الأعمال العسكرية المستمرة إنشاء الدول الخاصة بها، ومن أهم هذه الدول المستقلة الدولة السامانية والدولة الغزنوية والغورية (550–612هـ/1155–1215م)، التي كانت من أكبر رعاة الحركة الشعوبية، وكانت هذه الدول مثل الدول الإسلامية الأخرى نشأت في نفس الظروف التي أُسست فيها دول إسلامية سابقة ومعاصرة لها، حيث كان الحكم الوراثي متبعًا فيها، وكانت تعيش في بيئة عصبية قبلية قبل نشأتها وظهورها على مسرح السياسة، فكانت هي أيضًا تؤمن بالنظريات السياسية الساسانية في الحكم والسياسة والإدارة؛ لأنها ورثتها من الدولة العباسية والدول الإسلامية الأخرى، ولم يكن لديها نموذج آخر للحكم والإدارة غير ذلك ‫(Bosworth 1968, 36–37).‬

أما إيمانهم المطلق بضرورة كون خليفة الملك من الأرومة الحاكمة مثل الساسانيين، فقد ولد حاجة شديدة لأن يسجلوا العهود والوصايا التي تشبه النظريات السياسية، والتي تنطوي على قواعد عامة للحكم والسياسة والحرب إلخ، لمن سيخلفهم من أبنائهم أو من الأسرة الحاكمة؛ حتى لا يقع في مزالق و أخطاء تؤدي به وبملكه الوراثي إلى نهاية غير محمودة، وعلى الرغم من وجود العديد من الكتب في مجال الوصايا والنصائح والآداب السلطانية، إلا أنهم فكروا في إحياء التراث الفارسي بعينه بواسطة تدوين "كتاب الشاهنامه" ‫(Tor 2011, 115–116).‬

وقد بذل السلطان محمود الغزنوي جهودًا كبيرة في تنشيط الحياة الثقافية في غزنة بواسطة جمع العلماء والأدباء والشعراء، والذين جاء معظمهم من الدولة السامانية لتفعيل النشاطات العلمية في البلاط السلطاني والمدارس والمكتبات، ومعظم هؤلاء الشعراء والأدباء كانوا ثنائيي اللغة، ويقرضون الأشعار والقصائد باللغتين العربية والفارسية ‫(Bosworth 1968, 38–39)‬. وكان ينفق عليهم قرابة أربعمائة ألف دينار سنويًا (محمد ناظم 2007، 219)، ومن هؤلاء الشعراء والأدباء أبو القاسم الفردوسي الذي قضى خمسة وعشرين عامًا في تدوين كتاب “الشاهنامه” في رعاية كل من الدولة السامانية والغزنوية ‫(Bosworth 1968, 39–40)‬، بل يرى بعض الباحثين أن الفردوسي ألف الجزء الأكبر من الملحمة “الشاهنامه” في بلاط محمود الغزنوي، وتم ذلك بناء على طلب السلطان نفسه، غير أن عمله لم ينل تقديرًا يليق به، وذلك لأن الشاعر العنصري أمير الشعراء للبلاط الغزنوي قد شعر بالغيرة من عبقريته فاستعمل تأثيره ليوغر صدر السلطان عليه (ناظم 2007، 219–220)‪.‬

وعلى كل حال، فقد اتخذ المؤرخون والأدباء والشعراء كتاب "الشاه نامه" وكتباً ساسانية أخرى في مجال الحكم والسياسة نموذجًا لهم لتدوين تاريخهم بالنثر والنظم للأسرة الحاكمة ولااسيما السلطان محمود الغزنوي مثل "دولت نامه" لمؤلف مجهول وهو التاريخ الرسمي للدولة ولكنه مفقود حتى الآن، ومنظومة "تاج الفتوح” التي تتناول مآثر السلطان محمود، و"كتاب في غرر أخبار ملوك الفرس" لمؤلفه عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي الذي تناول فيه تاريخ ملوك ساسانيين منذ أقدم العصور حتى عصر السلطان محمود الغزنوي (ناظم 2007، 13–14)، وكتاب اليميني للمؤرخ العتبي، وزين الأخبار للگرديزي، وتاريخ البيهقي أو تاريخ آل سبگتگين لأبي الفضل البيهقي، وقد ذكر فيها أعمال محمود الغزنوي السياسية والعسكرية على غرار الملوك الساسانيين، ولقبوه بألقاب كسرى وپرويز مثل "شهنشاه عالم"، و"خسرو مشرق"، و"خسرو شهنشاه دنيا"، و"خدا وند خراسان وشهنشاه عراق" وغيرها ‫(Bosworth 1978, 26).‬

وعلى غرار الشاه نامه تم تدوين كتب عديدة لبيان النظريات السياسية والفروسية والنصائح والوصايا لملوك ساسانيين إلخ، ومنها على سبيل المثال "كرشب نامه"، و"برزو نامه"، و"شهريار نامه"، و"بهمن نامه"، و"فرامرزنامه"، و"خوش نامه"، و"راحة الصدور وآيات السرور"، و"خرد نامه"، و"مرزبان نامه"، و"سندباد نامه"، و"أغراض السياسة في أعراض الرياسة" وغيرها. وكان لهذه الكتب فيما بعد حضور قوي في مجال التاريخ والسياسة والشعر والأدب وغيرها في الحياة العلمية والثقافية وفي عملية تدوين الكتب التاريخية عند التيموريين في آسيا الوسطى، وسلطنة دهلي والمغول في الهند إلخ ‫(Bosworth 1968, 42).‬

ثالثًا: تعريف كتاب "فتاوى جهانداري" وتحليل مضامينه

لقد ظهر العديد من المؤرخين في الدولة الغورية، وسلطنة دهلي الذين سجلوا أعمالهم التاريخية على غرار الكتب التاريخية التي دونت في عصر الدولة الغزنوية. ومن أشهر هؤلاء المؤرخين أبو عمر منهاج الدين عثمان بن سراج الدين جوزجاني المتوفى 658هـ/1259م الذي كتب كتابه "طبقات ناصري" على غرار المؤرخين الغزنويين، وتناول فيه تاريخ الأمم والملوك منذ بداية خلق آدم إلى عصره. وخصص الجزء الثاني لتدوين تاريخ الهند، ولا سيما ملوك الدولة الغورية، وعصر كل من السلطان قطب الدين أيبك المتوفى 607هـ/1210م، والسلطان شمس الدين إيلتتمش المتوفى 634هـ/1236م. وهنالك كتب تاريخية أخرى تم تدوينها على غرار مؤلفات تاريخية غزنوية في عصر سلاطين دهلي تحت رعاية البلاط السلطاني وإشرافه، ومنها على سبيل المثال، تاريخ مبارك شاهي ليحيى السرهندي، وفتوح السلاطين لعصامي، وفتوحات فيروز شاهي لسلطان فيروز شاه تغلق، وتاريخ فيروز شاهي لشمس سراج عفيف، وتاج المآثر لصدر الدين حسن نظامي وغيرها‪.‬

ويعد كتاب" آداب الملك وكفاية المملوك أو آداب الحرب والشجاعة" أول كتاب كتب في الهند لتعريف فن السياسة والحرب لسلاطين دهلي، والذي دونه فخر الدين محمد بن منصور بن سعيد بن أبي الفرج القرشي الملقب بـ"فخر مدبر" في عام 627هـ/1230م، وأهداه إلى السلطان شمس الدين إيلتتمش، الذي أنعم عليه واصطحبه إلى جولته إلى دهلي حيث استقر فيها (فخر مدبر 1967، 7–8). وهذا الكتاب يعكس النظريات السياسية والإدارية والحربية التي توجد في الكتب الغزنوية والشاهنامه‪.‬

ولعل كتابي "آداب السلاطين"، و"مآثر السلاطين" من أقدم الكتب التي وصلت إلى سلطنة دهلي في عهد السلطان إيلتتمش الذي أخذها—حسب برني—من بغداد ليكونا دليلًا له ولأبنائه لمعرفة فن السياسة والحرب والإدارة، وقد اقتبس برني بعض النصائح من الكتاب الأول والتي وجهها الملك الساساني جمشيد إلى أبنائه (برني 2004، 237–241). وذكر برني أن الشيخ والسفير قاضي جلال عروس أتى إلى السلطان إيلتتمش بكتاب "سفينة الخلفاء" في نصائح الملوك كهدية من جانب الخليفة العباسي الناصر لدين اللّٰه المتوفى 622هـ/1225م. وحسب قول برني فرح السلطان بقدومه وبما قدمه من جانب الخليفة فرحًا شديدًا، وقدم له جوائز وهدايا كثيرة (برني 2004، 181–182). ومن أهم النماذج لمعرفة النظريات السياسية في عصر سلطنة دهلي كتاب "فتاوى جهانداري" أي فتاوى أو نصائح في الحكم والسياسة لصاحبه ضياء الدين برني الذي كتبه في عصر الدولة التغلقية، والذي نقوم بتحليل مضامينه في الصفحات الآتية‪.‬

تعريف المؤرخ ضياء الدين برني: يعد ضياء الدين برني من كبار مؤرخي سلطنة دهلي، وقد عاصر كلًا من السلطان علاء الدين الخلجي المتوفى695 هـ/1296م، والسلطان محمد بن تغلق المتوفى 752هـ/1351م، والسلطان فيروز شاه تغلق المتوفى 790هـ/1388م (بوزورث 1994، 255–262). ولد برني في عام 684هـ/1285م في أسرة أرستقراطية من طبقة الأشراف، حيث كان والده وعمه يشتغلان في بعض المناصب العليا، وكانا يلقبان بـ"مؤيد الملك"، و"علاء الملك"، وتنحدر عائلته من مدينة بلند شهر في شمال الهند (برني 2004، 1–2). وكان جده لأمه الملقب بـ"حسام الملك" موظفًا كبيرًا في بلاط السلطان غياث الدين بلبن، أما والده مؤيد الملك فشغل بعض المناصب العليا عند الأمير أركلي خان بن جلال الدين فيروز شاه الخلجي (برني 2004، 2–3). وكان عمه علاء الملك رئيسًا للشرطة في دهلي إبان حكم السلطان علاء الدين الخلجي. ولد ونشأ برني في "برن" الواقعة في بلند شهر، وسط بيئة مثقفة تحت إشراف علماء كبار ورعايتهم، حيث كان والده يعمل في الإدارة المحلية نائبا للأمير أركلي خان. وكان برني ينتمي إلى الطريقة الصوفية الچشتية، وكان من مريدي الشيخ الصوفي نظام الدين أولياء المتوفى 725هـ/1325م، وصديقًا مقربًا للشاعر الصوفي أمير خسرو المتوفى 725هـ/1325م (برني 2004، 3-5-13). وعلى الرغم من أنه لم يتقلد أي منصب رسمي، كان نديمًا للسلطان محمد بن تغلق لسبعة عشر عامًا (برني 2004، 7-11-504)‪.‬

مات السلطان محمد بن تغلق في أثناء إحدى حملاته العسكرية في السند عام 752هـ/1351م، تاركًا وزيره خواجه جهان لتصريف شؤون الدولة والذي قام بتنصيب ولد صغير زاعماً أنه ولد السلطان محمد بن تغلق. ولكن السلطان فيروز شاه تغلق، وهو من أبناء عمومة السلطان محمد بن تغلق، تمكن من السيطرة على الأحوال السياسية بعد وصوله إلى دهلي منتصرًا، وبويع من قبل الجيش وأفراد الحاشية ممن كانوا في السند، ولكن تكدرت العلاقات بينه وبين برني إذ أكد أعداء الأخير للسلطان فيروز شاه أنه شارك في تلك المؤامرة ضده مما أدى إلى اعتقاله لخمسة أشهر، وبعد خروجه من السجن لم يعد له أي مكانة في البلاط السلطاني، وصودرت جميع أملاكه، وأصبح فقيرًا، ولزم منزله منشغلًا في تدوين أعمال تاريخية. ويبدو أنه حاول كثيرًا الحصول على الحظوة لدى السلطان ولكن دون جدوى. وفي آخر حياته وافقت الإدارة على صرف معاش له، وعاش حياة صعبة وفقيرة كلها مآسٍ وآلام كما ذكر في كتابه تاريخ فيروز شاه. وتوفي برني تقريبًا في عام 760هـ/1358م عن عمر يناهز السبعين عامًا (برني 2004، 11-12-13-14-125-556-557)‪.‬

وترك برني أعمالاً عديدة في التاريخ والسير مثل "ثناء محمدي"، و"عنايت نامه"، و"مآثر سادات"، و"حسرت نامه"، و"تاريخ آل برمك” وغيرها، ولكن من أهم أعماله التاريخية "تاريخ فيروز شاهي” الذي يعد من أهم حوليات سلطنة دهلي لما يحتوي عليه من المعلومات والوقائع التاريخية منذ عهد السلطان غياث الدين بلبن المتوفى 686هـ/1287م إلى نهاية عهد السلطان فيروز شاه تغلق. ويغطي تاريخ سلطنة دهلي لنحو مائة عام. وعلى الرغم من أنه حاول تدوين الأحداث التاريخية بكل تفاصيلها إلا أنه بسبب الطابع الفارسي للكتابة التاريخية ركز على الجانب السياسي والعسكري أكثر من الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والدينية. ولكن هذا لا يقلل من شأنه كمصدر موثوق لهذه الفترة المهمة من تاريخ الهند الإسلامي. أما كتابه الثاني "فتاوى جهانداري”، فيعد من كتب الفقه السياسي، وقد كتبه لتوضيح النظريات السياسية إبان تلك الفترة التاريخية (برني 2004، 13-14-22-34)‪.‬

تعريف كتاب فتاوى جهانداري: قامت كشور راشد في قسم التاريخ بجامعة عليگراه بتحقيق النص الفارسي لكتاب "فتاوى جهانداري”، ثم قامت أفسر بيگم بنقله إلى اللغة الإنجليزية من ضمن رسالتها للدكتوراه في كلية الدراسات الشرقية في جامعة لندن، تحت إشراف كل من فلفس ‫(C. H. Phillips)‬، و بيتر هاردي ‫(Peter Hardy)‬، و لمبتون ‫(Miss Lambton).‬

ويعطي كتاب فتاوى جهانداري أفكار برني الخاصة ووجهات نظر لمجموعة معينة من الطبقة الحاكمة والأرستقراطية. وطبقًا لبعض الباحثين فإنه ينبغي دراسة النظريات السياسية لسلطنة دهلي بواسطة طموحاتهم لتوسيع نطاق السيادة والحكم. ويمكن ذلك بواسطة المصادر المعاصرة ومنها هذا الكتاب السياسي الذي يمكن اعتباره المفتاح الذي قد يسهل الولوج إلى عالم الآداب السلطانية، ويوضح مشاغل الفكر السياسي السلطاني والمحاور المركزية، وقد يساعدنا على إبراز الحقائق السياسية لفهم تأثير تلك النظريات الإيجابية والسلبية إبان تلك الفترة من تاريخ الهند الإسلامي ‫(Habib 1961, 11–12).‬

وقد استطاع برني أن يكسب نفوذًا واحترامًا كبيرين في الأوساط العلمية والدينية، ولا سيما بعد أن صار نديمًا للسلطان محمد بن تغلق الذي كان يستشيره في كثير من الأمور السياسية والعسكرية. وكتابه "فتاوى جهانداري" يعتبر عصارة أفكاره وتجاربه في أواخر حياته. ويمكن اعتباره كمذكرات سياسي، حاول برني بواسطته إلقاء الضوء على النظريات السياسية التي تعكس طريقة خاصة من طرق التفكير في المجال السياسي يمتزج فيها الأدب بالتاريخ، وهما معًا بالسياسة، وكتب فيه عن كل ما هو محمود وما هو غير محمود فيها، وعن سنن الملوك السابقين من سلطنة دهلي والدولة الغزنوية ولا سيما تجارب السلطان محمود الغزنوي السياسية والعسكرية، والدولة الساسانية وملوكها المعروفين. ويبدو أنه بعد ما انتهى من تدوين هذه الفتاوى عرضها على السلطان محمد بن تغلق ليجعلها دستوره. وعلى الرغم من أن برني كان يختلف مع السلطان محمد بن تغلق في كثير من السياسات التي اتخذها الأخير في قضية إخماد الثورات والفتن والسيطرة على الوضع السياسي والتعامل مع العلماء والصوفية إلخ إلا أن كتابه "فتاوى جهانداري" يعطي الشرعية للسلطان في أن يتخذ إجراءات صارمة شرعية كانت أو غير شرعية لقمع الثورات ضد الدولة‪.‬

والمنهج الذي اختاره برني لبيان هذه النصائح والوصايا، يذكرنا بكتاب "قابوس نامه" للأمير كيكاوس، وكتاب "سياست نامه" لوزير نظام الملك وغيرها من الكتب التي كتبت في المناطق الإيرانية وآسيا الوسطى. ولا شك أن برني اطلع على هذه الكتب وقلدها في تدوين كتابه هذا. ومن العجيب أنه كتب كل هذه النصائح بلسان السلطان محمود الغزنوي الذي يقف بواسطة كل نصيحة من أبنائه موقف الواعظ الناصح في الحكم والإدارة والسياسة، وحسب رأي بعض الباحثين فالسلطان محمود، كان في نظر برني، عند تدوين هذا الكتاب، الرجل السياسي والإداري والعسكري الكامل، والملك العادل المثالي، والمسلم المخلص للدين الإسلامي، والمحارب الحقيقي في سبيل نشر الإسلام في الشرق والغرب، ومن ثم فمما لا شك فيه أن السلطان محمود هو محور الكتاب، وقام برني بمَحْوَرَة النص كله حول شخصية السلطان محمود لجذب انتباه قارئ الكتاب ‫(Sarkar 2006, 334–335).‬

وعند النظر عند النظر في كتب برني وغيره من مؤرخي سلطنة دهلي، يصل المرء إلى أنه على الرغم من أن الدولة الغزنوية والغورية مضى على سقوطهما قرنان من الزمان، إلا أن الأتراك أعادوا سلطانهم على الهند، وقامت في الهند دولة جديدة سادت على قدم المساواة مع الدويلات الإسلامية في آسيا الوسطى والمناطق الإيرانية. وكانت مدنية سلطنة دهلي استمرارًا لمدنية الدولة الغزنوية والغورية وكانت في الوقت نفسه تجديدًا وتكملة لهما، وتظهر محافظة سلاطين دهلي على جميع النظم السياسية والإدارية والثقافية إلخ‪.‬

وقد أصاب بعض الباحثين في قولهم"بأن سيادة إيران على آسيا الغربية تستند على التقاليد السياسية التي سار عليها الأشراف ورجال الدين جيلًا بعد جيل. وهذه التقاليد السياسية وروح الفروسية التي كانت لقدماء إيران، قد أمدت الخلافة العباسية بأساسها المتين في مجال الحكم والسياسة. ويتمثل طابعهم النبيل في أسرة البرامكة، والدويلات الإسلامية الجديدة التي قامت في الأراضي الإيرانية، أيام اضمحلال الخلافة العباسية، وأسست على بقايا التقاليد الساسانية القديمة، وكان العصر الزاهي، أيام السامانيين والغزنويين، وهم أول من أحيا الروح الفارسية، صورة من عظمة الساسانيين؛ فإن كان معظم الأشراف قد زالت دولتهم فإن جذع الدهاقين المتين قد بقي، وكانت ذكريات الماضي المجيد ملء صدورهم" (كريستنسن 1998، 494)‪.‬

ولا بد من الإشارة إلى أنني اعتمدت على اعتمدت على النسخة المترجمة إلى الإنجليزية والتي ترجمها أفسر بيگم، ونشرها محمد حبيب في جامعة عليگراه الإسلامية، وعنوانها الذي ستتم الإشارة إليه الإشارة إليه في النص والهوامش بعنوان "فتاوى جهانداري"‫:‬

Mohammad Habib & Afsar Afzaluddin, The Political Theory of the Delhi Sultanate (including a translation of Ziauddin Barani’s Fatawa-i Jahandari, circa, 1358–9 A.D.), (India: Kitab Mahal, Allahabad, 1961).

النصائح الخاصة بشرعية الحكم والسلطة في عصر سلطنة دهلي

كان الطابعان المميزان لنظام سلطنة دهلي هما: تركيز قوى السلطان، واتخاذ دين رسمي للدولة، ومن هنا، نرى أن سلاطين دهلي اتحدوا منذ بداية عهدهم مع رجال الدين والفقهاء، وقد استمرت الصلة الوثيقة بين الدولة والدين طوال عهد سلاطين دهلي مثلما كانت في عصري الدولة الغزنوية والغورية. وهذان الطابعان جاء ذكرهما بصيغة أخرى في كتاب تنسر بأن الدين والملك توأمان، لا ينفصلان أبدًا (تنسر د.ت، 27–28)، وكذلك جاء في كتاب "عهد أرد شير":"واعلموا أن الملك والدين أخوان توأمان، لا قوام لأحدهما إلا بصاحبه … (عهد أردشير 1967، 53–54). وفي الواقع ما كان لهم أن يقوى نفوذهم السياسي، وينجحوا في إقناع الناس بأنهم ظل اللّٰه على الأرض دون الاعتماد على الشرعية الدينية التي كانت تقنن لهم السلطة القانونية والتفويض الإلهي. وبواسطة استغلال تلك السلطات كانوا يحصلون على السلطة الكاريزماتية التي كانت تجعلهم في نظر الشعب ذوي قدرات خارقة ملهمة من اللّٰه ‫(Nizami 1997, xiii–xiv)‬. وعلينا أن ننظر في النصيحة الأولى لبرني حول هذه الشرعية‪.‬

تحت النصيحة الأولى، يتكلم برني عن الإجراءات التي يجب على الملك أن يتخذها للحفاظ على نفسه وعلى أسرته، وكيف يحصل عليهما، فيقول:"قبل وصول الملك إلى سدة الحكم يحميه اللّٰه من كل شر؛ لأنه اصطفاه من بين العباد للحكم على مخلوقاته نيابة عنه، وبعد جلوسه على كرسي الحكم يدفع اللّٰه عنه شرور شياطين الإنس والجن، ويدخله في رحمته، ويعاقب الذين يخططون ضده. ويساعده على المحافظة على ملكه واستمرار بقائه بعيدًا عن العابثين، ومن هنا، فهو ظل اللّٰه في الأرض، ومزود بحق إلهي لا راد له ولا غاصب، ومع ذلك، وبالإضافة إلى الحصول على هذه النعم وتلك الشرعية من اللّٰه، يجب عليه أن يتخذ خطوات عملية لازمة للحماية الشخصية (برني 1961، 1–2)‪.‬

وهذه هي النظرية التي نجدها عند الساسانيين (كريستنسن 1998، 130)، وكان السلطان غياث الدين بلبن يلجأ إلى هذه الشرعية لكونها الحق والتفويض الإلهي له للحكم والسلطة لمواجهة الشكوك في أذهان الناس. وكان دائمًا يؤكد للناس والحاشية، ويشدد على ذلك، بأن مصدر السلطة والحكم يتعلقان بالحكم الإلهي، وأنه ليس له أي علاقة بالناس من العامة والخاصة الذين يتمركزون حول شخصه بصفته الملك الظل الإلهي الذي يستمد سلطانه من اللّٰه. وكان دائمًا يدعي أن قلب السلطان مرآة إلهية يستمد منها السلطان القوة والتوجهات والهداية (برني 2004، 70–71). ولما لم يتمكن السلطان غياث الدين بلبن من الحصول على شرعيته من إيمان الشعب بقدراته الخارقة مثل السلطان إيلتتمش، لجأ إلى إرهاب الناس والسيطرة على عقولهم بواسطة عرض القوة والعظمة الإلهية على أساس أنه ظل اللّٰه في الأرض ‫(Nizami 1997, xiv).‬

أما السلطان إيلتتمش فاعتمد على شخصيته الكاريزماتية بواسطة الأعمال العسكرية الطويلة للحصول على الشرعية، وأصبحت شخصيته محببة ومرغوبة تثير الولاء والحماس عند الناس، بالإضافة إلى الحصول على الخِلْعَة وورقة الصفة الشرعية له من الخليفة العباسي، وهو الأمر الذي ساعد أسرته على كسب الصبغة الشرعية الدينية للحكم الوراثي في بداية عصر سلطنة دهلي، واستمرت هذه الأسرة في الحكم لأكثر من ثمانين عامًا (برني 2004، 175-176-491؛ نظامي 1958، 377–378). وفي إحدى النصائح التي وجهها السلطان بلبن إلى ابنه بغرا خان قال فيها:"يجب عليك أن تحصل على ورقة الصفة الشرعية من الخلفاء العباسيين … ولا يجوز إقامة صلاة الجمعة دون إذنهم" (برني 2004، 181). ولا يوجد دليل من الكتاب والسنة على اعتبار هذا الشرط. وفيما يتعلق بالحصول على الخلعة وورقة الشرعية من الخليفة فهي عادة اتخذها المسلمون من الساسانيين، الذين كانوا إذا أرادوا تمييز رجل خلعوا عليه كساءً، وقد عمل بها الخلفاء فيما بعد، ثم أدخلت على نظام البلاط في الشرق الإسلامي (كريستنسن 1998، 393). وفيما يخص استمرار شرعية الحكم في أسرة حاكمة والحفاظ على أسر أرستقراطية، ناقش برني تحت النصيحة الثانية والعشرين مسألتين مهمتين: أهمية وجود الأسرة الحاكمة وخلودها، وضرورة الحفاظ على الطبقة الحاكمة وكوادرها (برني 1961، 101–108). وعند المقارنة بين ما ذكره برني وما جاء في كتب الدولة الساسانية نرى تشابهًا كبيرًا في كل ما يتعلق بالسياسات التي اتخذها الساسانيون وسلاطين دهلي للحفاظ على الحكم والسياسة في حوزة الطبقة الحاكمة (كريستنسن 1998، 84–94)‪.‬

النصائح الخاصة بالعلاقة بين الملك والدين وتأثير تدينه في الحكم والسياسة

تحت النصيحة الثانية تحدث برني عن العلاقة بين الملك والدين وتأثير تدينه في الرعية. ويقول بلسان السلطان محمود الغزنوي الذي نصح أولاده قائلًا: "لا يؤخذ على السلطان تساهله في أداء الصلوات والصيام؛ إذا كانت عقيدته قوية وراسخة في الدين الإسلامي. وكذلك يجوز له أن يعيش حياة الترف والأُبَّهة، ويتمتع بجميع الملذات ما دام يعرى عن أي نقص وانحراف في عقيدته الدينية؛ لأنه يحافظ على الدين الإسلامي، ويخدم الشريعة، ويسهم في ترويجه ونشره، ومن ثم يعفى عن جميع الذنوب والمعاصي التي يرتكبها بالفطرة الإنسانية وتحت تأثير رغباته وشهواته الجسمانية. أليس من العجيب أنه اختصه اللّٰه سبحانه وتعالى للحكم على الرعية على الرغم من انغماسه في الملذات؟ والاختبار الحقيقي للسلطة في أنه يجعل الرعية بواسطة جميع الوسائل عاملين بموجب الشريعة الإسلامية. وأن يكون عنده حماس شديد للمحافظة على الدين الإسلامي وشريعته، وإقامة أحكامه في الناس من الأمر والنهي بكل عزم وحزم بواسطة القوة السلطانية وهيبتها إلى أن لا يجرؤ أحد على ارتكاب أي جريمة ضد القانون، ولا يفكر في الخروج على الحاكم. ولو وفق السلطان لذلك لتم ترويج الدين الإسلامي وشريعته وثقاقته في جميع أنحاء المعمورة، ولكُتبت حسنات الناس وثمرة أعمالهم الدينية في صحيفة السلطان، ولَعُفي له عن جميع المعاصي والآثام لحفاظه على الدين الإسلامي وتنفيذ شريعته؛ لأن قوته وسطوته تؤدي إلى إقامة الدين وشريعته بين الناس، وتدفعهم إلى أداء الواجبات الدينية حتى لو تم ذلك بالحديد والنار والعسف (برني 1961، 2–3)‫."‬

ثم تكلم برني عن كيفية إقامة الدين والأمر والنهي في المدن والقرى والأرياف بواسطة الولاة وأعوانه من المحتسبين والإداريين والشرطة إلخ وذلك من خلال اتخاذ سياسة الرفق والعسف واللطف والشدة والجفاء (برني 1961، 4-5-6). وهي نفس النصيحة التي نصحها أردشير عندما قال في نصحيته التاسعة:واعلموا أنه لا سبيل إلى أن يعظم الوالي إلا بإصابة السياسة؛ ورأس إصابة السياسة أن يفتح الوالي من قبله للرعية بابين: أحدهما باب رقة ورحمة ورأفة … والآخر: باب غلظة وخشونة وتشديد وجفاء وإمساك … (عهد أردشير 1967، 58–59). ثم يشير برني على السلطان بقمع جميع البدع في الدين والسياسة معتبرًا إياهما النافذة التي يطل منها وجه الثورة على السلطان وحكمه. وهو يرى أن البدعة في الدين والسياسة هي أقوى خصوم السلطان، وهي قادرة على انتزاع السلطة من يديه؛ لأن المبتدعين سيجدون أنصارًا كثيرين يتبعونهم ويصدقونهم (برني 1961، 4–5)‪.‬

وفي الواقع اقتبس برني هذه النصيحة من نصائح أردشير الذي استند إلى حيلة كان يتخذها الملوك والسلاطين الساسانيون من أجل القضاء على المفكرين والدعاة، فإنهم كانوا يعمدون إلى عقول الثائرين باسم الدين، ويطلقون عليهم اسم "المبتدعون" أي أنهم كانوا يستعملون الدين سلاحًا ضد المفكرين والدعاة، فيكون الدين هو الذي يقتلهم ويريح الملك منهم (عهد أردشير 1967، 56–57)‪.‬

ونجد مضمون هذه الوصية نفسها في نصيحة برني. وقد سار جميع سلاطين دهلي على نفس السياسة، ولكي ينجحوا في دفع المشكلات الخاصة بالدين والتدين عند العامة والخاصة، منحوا رجال الدين في سلطنتهم سلطات كبيرة، وفي نفس الوقت ربطوهم بالدولة وشؤونها، وبذلك كان العلماء والفقهاء مجرد آلة وسند شرعي للتأكيد على أن كل ما هو صالح سياسيًا يكون شرعيًا، واستغلوهم في قمع جميع البدع الدينية والفكرية والسياسية؛ لأنهم كانوا يخافون من العقلاء والحكماء الذين يتزيون بالزهد ويتوسلون إلى قلوب الرعية بالدين والفكر. فكان برني يرى أن هذا هو الطريق السليم الذي سيساعد على سلامة الدولة من طامح يريد فيها تغييرًا باسم الدين (برني 1961، 19–20)‪.‬

النصائح الخاصة بإعداد الجيش القوي لتوسيع نطاق السيادة وللحفاظ على الملكية

ورثت الدويلات الإسلامية الشرقية روح العسكرية من الساسانيين، وكانوا يرون أنه لا يمكن توسيع دولة دون وجود ظل حربي قوي (كريستنسن 1998، 118–121)، وكان السلطان محمود الغزنوي أكبر نموذج لسلاطين دهلي (ناظم 2007، 71–125). وكان برني متأثرًا جدًا بالروح العسكرية التي خلقها محمود الغزنوي في عهده، والتي استمرت بكل رونقها وأبهتها في عصر سلاطين دهلي. وتحت النصيحة السابعة، يبدأ برني كلامه بنصيحة السلطان محمود لابنه حول أهمية الجيش لبقاء الدولة، قائلًا:"يجب عليك أن تعرف جيدًا أنه دون وجود الجيش العظيم وضبط شؤونه بطريقة جيدة لا يمكن لك ولا لغيرك أن تحققوا الغايات الآتية: الحفاظ على الملكية، وإدارة الأجهزة الإدارية وشؤونها، وخلق الهيبة في قلوب الناس بواسطة الغزوات المستمرة، وخلق الروح العسكرية من أجل السيطرة على العالم كله، وسحق المتمردين وقمع الأعمال الإجرامية والقضاء على العصاة. ولإضفاء الشرعية على كلامه يذكر برني آراء الملك الساساني كيخسرو بن جمشيد الذي قال:"الحكم هو الجيش والجيش هو الحكم، وحفظ الحكم مبني على أساسين، الأساس الأول هو الأجهزة الإدارية، والأساس الثاني هو الغزوات والعمليات العسكرية المتواصلة لتوسيع نطاق السيادة، ولا يمكن إدارتهما بدون الجيش القوي العظيم (برني 1961، 21)‪.‬

النصائح الخاصة باختيار الكوادر السياسية والإدارية من العنصر الحاكم نفسه

كان من ضمن النظريات السياسية الساسانية اختيار الكوادر السياسية والإدارية والعسكرية من الطبقة الأرستقراطية والنبيلة، واحتكار الوظائف الكبرى للعناصر الخاصة من الأسرة الحاكمة إلخ ( كريستنسن 1998، 93-94-96)، وقد ورث سلاطين دهلي هذه النظرية وطبقوها على أرض الواقع. فقاموا بإنشاء جبهة سياسية خاصة بهم، كان يطلق عليها "چهل گاني” مكونة من أربعين شخصية من عبيد السلطان إيلتتمش الذين صاروا من النبلاء فيما بعد ‫(Hambly 1972, 57–62)‬، وكان الهدف عدم إعطاء الفرصة لأحد للسيطرة على المناصب العليا في الحكم والإدارة. وذكر برني أن السلطان غياث الدين بلبن بعد جلوسه على سدة الحكم اختار كوادر سياسية وإدارية من الأسرة الحاكمة والأمراء، وجعلهم مساعدين له في إدارة الأجهزة الإدارية المركزية والمحلية، وولى أبناءه وأمراءه الأتراك على الولايات والإقطاعات الكبيرة (برني 2004، 71-72-74)‪.‬

ونرى أن برني يؤيد هذه السياسة وينصح سلاطين دهلي من الأسرة التغلقية باختيار العناصر السياسية والإدارية والعسكرية الخاصة من أنفسهم. وتحت النصيحة التاسعة عشرة يذكر برني نصائح السلطان محمود الغزنوي عن أهمية قيام الملك باختيار الكوادر السياسية والإدارية فقط من الطبقة العليا والنبلاء، قائلًا: واعلموا يا أبنائي جيدًا أن اللّٰه سبحانه وتعالى قد وضح في الآية القرآنية توضيحًا كاملًا فقال:"أطيعوا اللّٰه وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"، (وبرني لم يكمل الآية التي تقول“فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى اللّٰه والرسول إلخ”) ثم يذكر الحديث النبوي "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته إلخ … ويشير محمود الغزنوي بواسطة هذه النصيحة على أبنائه، بأنه يجب عليهم بذل كل مجهود في ترسيخ الثقافة بين الناس بأن هنالك حكمًا إلهيًا يدل على وجوب طاعة أولي الأمر، ولا يجوز نهائيًا الخروج عليه بأي حال من الأحوال، ولكي لا يحدث هذا، يجب عليهم أن يختاروا من أنفسهم كوادر سياسية وعسكرية قوية وأمينة لإدارة شؤون الحكم والسياسة‪.‬

ثم يشدد على كلامه قائلًا:"لا يمكن للملك أن يكون مقرًا بما فيه الكفاية بالجميل وبفضل اللّٰه عليه، وفي نفس الوقت لا يمكن له أن يقوم وحده بإدارة شؤون الدولة المتنوعة والواجبات الأخرى وفقًا للشريعة الإسلامية، دون الاعتماد على المؤيدين المخلصين والكوادر السياسية والإدارية المكونة من الأشراف مثل الأمراء والنبلاء والوزراء ورجال الدين ذوي الأصول الكريمة. وبواسطة الطبقة العليا فقط يمكن لنا الحفاظ على الحكم والدين وترسيخ دعائمهما، وإنه لمن المعلوم أن الكوادر المكونة من الطبقة الدنيا لا تقدر على مساعدة الملك في أعمال الحكم والسياسة؛ لأن الصفات العالية لا تتوفر فيهم، ومن هنا فإنه لا بد من إبعادهم عن مجال الحكم والسياسة، وما يتعلق بها من الشؤون الإدارية والمالية (برني 1961، 91–92)‪.‬

والطبقة العليا عند برني: طبقة رجال الدين وطبقة رجال الحرب وطبقة العلماء وأهل الرأي. أما الطبقة الدنيا والدنيئة فهي طبقة أهل الخدمة والعمال والحرفيين إلخ. ويؤكد برني بقوله أن طبقة أهل الخدمة هي التي يطمح أبناؤها إلى أن يصبحوا علماء أو رجال حرب أو رجال دين ليغيروا الوضع الاجتماعي الذي نشؤوا عليه، فحرمانهم من ذلك هو قضاء مبرم على كل نوع من الطموح في أبناء تلك الطبقة (برني 1961، 92–96)؛ وذلك يصور كيف يضحي برني بمبدأ "الفرص المتكافئة” الذي وإن كان جديدًا في الظاهر فإنه غير جديد من الناحية العملية في الحياة الإنسانية. بل هذا هو نفس المبدأ الذي وضعه الساسانيون ولا سيما الملك أرد شير في عهده (عهد أردشير 1967، 62–63)‪.‬

وللتأكيد على كلامه ذكر برني بلسان السلطان محمود الغزنوي الوسائل التي ساعدت الملوك الساسانيين على توسيع نطاق سيادة الدولة واستمرارها لعصور طويلة فقال:"لقد امتدّ حكم الملوك الساسانيين لفترة طويلة جدًا؛ وذلك منذ عهد الملك كيمروس إلى عهد الملك خسرو پرويز. وكان أكبر سبب في هذا الامتداد الزمني للحكم، أنهم ما كانوا يسمحون للناس من الطبقة الدنيا بالالتحاق بسلك الأعمال السياسية والإدارية بأي حال من الأحوال، فما كان يمكن للآباء وأبنائهم من الطبقة الوضيعة، أن يكونوا معاونين ومساعدين للملك في الحكم والسياسة والإدارة. ولتحقيق هذه الغاية المنشودة سنوا قوانين خاصة صارت مع الوقت كالعادة عندهم، ومنها تقسيم الشعب إلى الطبقات، وهذا النظام كان يقضي بالمحفاظة على نظام الطبقات، والتزام كل طبقة حدودها، ولم يكن مسموحًا لأي طبقة أن تنتقل إلى طبقة أخرى. وكذلك أسسوا نظام الوظائف الوراثية التي كانت تقتصر على بعض الأسر الأرستقراطية، وكانوا يستمدون قوتهم الإدارية والمالية والعسكرية بواسطة تلك الأسر التي كانت تستند بدورها على دخل إقطاعاتهم في القرى والأرياف إلخ، فهذه النظم الدقيقة ساعدت السلطة الحاكمة الساسانية على الاستمرار طويلاً، وظل الحكم في سلالتهم لعدة قرون، وتمكنوا من توطيد كيانهم وترسيخ عظمتهم في قلوب شعبهم، وقد سُجلت أعمالهم السياسية والعسكرية والإدارية في مدونات تاريخية وصارت قدوة لمن أتوا فيما بعد من الملوك المسلمين وغير المسلمين الذين اقتدوا بهم في الحكم والسياسة (برني 1961، 93)‪.‬

وفي مثل تلك البيئة كان من المحال أن يعرف المجتمع الهندي معنى الشرعية السياسية التي تعني في أبسط مفاهيمها تسويغ الوجود السياسي من منطلق الوعي الجماعي. وتفيد تلك النظريات أن الأسر الحاكمة كانت تعتمد على عناصر معينة لممارسة الأعمال السياسية والإدارية، وهو الفكر الاستبدادي الذي أسهم في ترسيخ فكرة التعصب العنصري والتمييز الطبقي. وقد وصل الأمر إلى درجة أنهم اختاروا نخبة معينة من العناصر العسكرية لانتخاب سلاطين منهم، وبالتالي لم يكن من مصلحتهم إطلاقًا أن يفكروا أو يسمحوا للعلماء والفقهاء في البلاط السلطاني بالتوعية السياسية عند الجمهور أو وضع الآليات لخلق الأفكار السياسية والعقلية عند العامة. وكانت النتيجة واضحة وجلية حيث إننا لا نجد واقعة واحدة تفيد أن أي واحد من سلاطين دهلي وصل إلى سدة الحكم دون القتل وسفك الدماء والاختلاس، ودون استخدام الوسائل القهرية الشديدة وقتل بعضهم لبعض‪.‬

النصائح الخاصة بوضع النظام الطبقي لضمان استمرار الحكم الأتوقراطي

تؤكد المصادر الساسانية على وجود الاهتمام الشديد لدى ملوك الساسانيين بتقسيم المجتمع حسب نظام الطبقات والحفاظ عليه، وإلزام كل طبقة الااجتماعية حدودها، وعدم السماح لأي طبقة بالانتقال منها إلى أخرى (عهد أردشير 1967، 62–63؛ كتاب تنسر د.ت.، 32–34). وما كان يسمح للطبقة العامة المكونة من الحلاقين والحائكين والجزارين والحجامين وغيرهم بأن يتم تعيينهم في النظم الإدارية، فكانوا يعتبرونهم من خسيسي الأصل والطبقة الوضيعة (كريستنسن 1998، 385–386)‪.‬

وقد اتخذ سلاطين دهلي هذه النظريات الاجتماعية الساسانية وطبقوها على أرض الواقع. وتفيد بعض المصادر أن السلطان إيلتتمش طلب من الأجهزة الإدارية فحص أصول الموظفين، وبعد إتمام عملية الفحص قدم التقرير للسلطان الذي طرد ثلاثة وثلاثين شخصًا من الإدارة بسبب أصولهم الوضيعة (برني 2004، 91–92). وقد سار السلطان غياث الدين بلبن ومن جاؤوا من بعده على السياسة نفسها، فقد طرد الأخير جميع الموظفين ذوي الأصول الوضيعة من المناصب المهمة، وكذلك قام السلطان محمد بن تغلق بتفضيل المهاجرين من ذوي الأصول العليا على المسلمين الهنود في الأجهزة الإدارية والمالية (برني 2004، 89–90)‪.‬

تفيد المصادر أن السلطان غياث الدين بلبن كان يتشدد في تصحيح النسب، ويدقق كثيرًا، وإذا وجد في شخص عيبًا ذاتيًا أو نقصًا في صفاته وحسبه ونسبه يعزله في الحال. وذكر برني قصة طريفة قائلًا:" … بينما كان "كمال مهيار" في حالة السجدة للسلطان بلبن، سأل الأخير أحد حاشيته عن أصل لفظ "مهيار"، وطُرح السؤال على الأخير، فرد قائلًا: إنه اسم أبي الذي كان عبدًا هنديًا، وحالما سمع السلطان هذا الرد قام غاضبًا وخرج من الدربار … ولما هدأ غضب السلطان وجلس مع وزرائه وأعوانه، عاتبهم عتابًا شديدًا مع التأكيد على عدم إعطاء أي عمل لأي شخص دون فحص حسبه ونسبه، وما إذا كان مؤهلًا للعمل المعني، وقال لهم: أنتم تعرفون جيدًا أنني أصلًا من آل افراسياب وقد تم تحقيق ذلك، فمن المحال أن أرى أحدًا من السفلاء والرذلاء في المناصب العليا، حتى إني لا أتحمل مجرد رؤيتهم، فكيف أسمح لنفسي بأن أعين أحدًا من هؤلاء على الشؤون الإدارية" (برني 2004، 87-88-90)‪.‬

ونرى أن برني يؤيد هذه السياسة بشدة، وكان يرى أن التقوى والعمل الصالح ليسا هما المعيار في التفاضل بين الناس، وكتب عن ذلك قائلًا:"ليس التقوى والكفاءة هما المعيار الأساس الذي نقيس به الناس، ونحترمهم ونوظفهم في الشؤون السياسية والإدارية، إنما المعيار الحقيقي هو أن الناس المشتغلين في الحكم والسياسة لابد أن يكونوا من كريمي الأصل والنسب العالي، أما سواهم فلا يستحقون الوصول إلى مراتب الدولة وشؤونها الإدارية والمالية؛ لأنهم ولدوا في الطبقة العامة والوضيعة، ولايمكن أن يصدر من هؤلاء الأعمال الصالحة ومكارم الأخلاق والآداب‪.‬

وبواسطة النصائح يحذر برني السلطان من منح أي منصب في الإدارة والمالية للعناصر المنتمية إلى العامة، مؤكدًا على السلطان بأنه لو فعل ذلك لانتهك آداب الملوك، وسيكون لهذا الأمر تأثير سلبي للغاية على الشعب، ولن يتم تحقيق الحكم والسياسة، وفي نهاية المطاف سيعاقب الملك يوم القيامة". ولتقوية موقفه من هذه المسألة، أشار برني إلى حديث ضعيف " تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس"، وفسره برني قائلًا:"إن النطفة الصالحة تميل إلى الفضيلة، والنطفة غير الصالحة تميل إلى الرذيلة بفطرتها وبسليقتها، ومن هنا، فإن الصفات العالية مثل الفضيلة والولاء والنبل والكرم تظهر من العرق النقي وعند الناس ذوي الأنساب الرفيعة، في حين أن الصفات القبيحة والخصال الذميمة والأخلاق الدنيئة تظهر من الناس الوضيعين والحقيرين،فالطهارة والفضيلة حكر على الدم والعرق النقي‫".‬

وكلامه مردود؛ فالحديث السابق بهذه الصيغة من الأحاديث المشتهرة على الألسن، وقد رواه ابن ماجة بلفظ، "تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم"، كما رُوي بألفاظ أخرى كلها ضعيفة. ثم هذا الحديث يخالف المقاصد التي ذكرها سبحانه وتعالى في قوله ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ الحجرات13. وعلى فَرْض صحة الحديث فمعناه أن يتخير الإنسان عند رغبته في الزواج أو التزويج المنبت الصالح، سواء كان في الأسرة أو العشيرة أو في العامة أو الخاصة. وهو حثٌّ على طلب خير المناكح وأزكاها وأبعدها من الخبث والفجور إلخ‪.‬

وبعد ذِكر الحديث السابق قال برني: "وفيما جاء في القرآن بواسطة الآية ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾، فيكون من المعلوم أن النجاسة لا تنبت منها غير الأشياء النجسة والقذرة، فكيف يمكن أن تكون تقوى عند مثل هؤلاء الناس وفي مثل هذه البيئة غير الصالحة، وإذا وجدوا التقوى في وضيع الأصل أو رجل السوق؛ فذلك لأن دم أسلافه كان قد اختلط بالدم النقي والنبيل (برني 1961، 97–100)‪.‬

ومثل هذه الاقتباسات والتفسيرات الغريبة تعد من النماذج الجلية التي تكشف كيف أسيء فهم مبادئ الإسلام الأساسية، واستغلالها لصالح السلطة والأسر الحاكمة، وقد أسهم مثل هؤلاء العلماء والفقهاء والمفكرين في صناعة مثل هذه الأيدولوجيات الزائفة لدعم النظريات السياسية التي وضعتها السلطة الحاكمة‪.‬

النصيحة الخاصة بضرورة اتخاذ نظام المراسم والآداب والنظريات السياسية الساسانية

تحت النصيحة التاسعة تناول برني بالتفصيل أهمية اختيار النظريات السياسية الساسانية في الحكم والإدارة، فكتب تحت عنوان:"التناقض بين الأصول الإسلامية وقواعدها وبين القوانين الملكية ومبادئها في الحكم والسياسة" قائلًا بلسان السلطان محمود:إنه لمن المعلوم أن الإسلام الحقيقي هو السير على سنة النبي صلى اللّٰه عليه وسلم، فالشخص الذي ينتمي إلى الإسلام، يقتدي بالنبي صلى اللّٰه عليه وسلم في العبادات والمعاملات وفي جميع أمور الحياة؛ لأنه صىلى اللّٰه عليه وسلم هو القدوة والأسوة للجميع، ولو فعل ذلك لنجح في الحياة الدنيا والآخرة. ولكن الحكم الملكي عكس ذلك، فهو بعيد تمامًا عن أسوة النبي صلى اللّٰه عليه وسلم والاقتداء به. وفي الواقع الحكم الملكي لا يستقيم دون تبني سياسات الملوك الساسانيين مثل خسرو پرويز، وأردشير، ونوشيروان وكبار الملوك الساسانيين‫."‬

"وكل من يتخذ سياسات الملوك الساسانيين وعاداتهم وتقاليدهم في الحكم والسياسة، سيكون قادرًا على تحقيق أهدافه في الوصول إلى سدة الحكم وتأسيس الدولة الخاصة به، والناس سوف يكونون مطيعين له، ومنفذين أوامره وقوانينه في هذه الدنيا2 . ومن هنا، نستطيع القول إن هناك فرقًا جذريًا بين السنة النبوية وبين عادات وتقاليد الأباطرة الإيرانيين، وطرائقهم في الحياة والمعيشة، فهناك تناقض تام بينهما‫."‬

"وبعد وفاة النبي صلى اللّٰه عليه وسلم سار على المنهج النبوي الخلفاء الراشدون، وعلى الرغم من أنهم تمكنوا من فتح المناطق الشامية والفارسية، ولكنهم لم يتأثروا بالثقافة الإيرانية، ولم يتخذوا السياسة الساسانية، والتي كانت ضرورية للحكم والسياسة، ومع ذلك استطاعوا في عهد حكمهم جمع الفقر مع الحكم الملكي، وحكموا المناطق الشرقية والغربية بألبستهم البالية، وجعلوا حياتهم كلها وقفًا على إحياء شعائر الدين الحنيف ونشره، وتقشفوا في حياتهم ومعيشتهم، وكانوا يحكمون في ثيابهم المرقعة حتى لم يكن أحد يظن أنهم خلفاء، وحقًا كان عصرهم خير القرون‫."‬

ثم تكلم برني عن الوضع السياسي في عصر الخلافة الأموية والعباسية فقال:"بعد ما انتهى عصر الخلافة الراشدة، ظهر التحدي بكامل ثقله أمام الخلفاء و الملوك المسلمين، فقد كانو أمام خيارين كلاهما ضروري للدين والدولة. فإذا اتبعوا السنة النبوية وساروا على طريقة حياته صلى اللّٰه عليه وسلم، سيكون من المحال أن ينجحوا في تأسيس ملكية ودولة مترامية الأطراف، وإذا اتخذوا عادات الملوك الساسانيين وتقاليدهم في الحكم والمعيشة، فلا مفر من اتباع سياستهم الصارمة والقمعية في الحكم والإدارة، فبما وبما أنهم وجدوا ضالتهم في تلك السياسة لتسيير شؤون الدولة وأجهزتها، فكان من الضروري انتهاك سنن النبي صلى اللّٰه عليه وسلم والشريعة الإسلامية ومبادئهما ومقاصدهما. ولكن النظر الدقيق في حياة الملوك وحاشيتهم، لا يترك لنا أي مجال للشك في أن النبي صلى اللّٰه عليه وسلم وبعثته هو كمال الدين، أما الملكية وما فيها فهو كمال الدنيا ومكاسبها. وهذان الكمالان يتعارضان ويناقض أحدهما الآخر، ومن غير المحتمل الجمع بينهما‫."‬

"كما أن الطاعة الصحيحة تنبع من الخضوع للّٰه وطاعته، وهو شرط ضروري للدين، ويترتب على ذلك التحلي بالحلم والتواضع، والتضرع والدعاء والعجز والفقر ونكران الذات إلخ، وبالمقابل من مستلزمات الملكية، العظمة والهيبة والقوة والعزة والخصوصية الفردية المميزة وتمجيد الذات وتجاهل الآخرين … وهذه الصفات المذكورة هنا هي من بين صفات اللّٰه، وبما أن الملكية هي نيابة، وخلافة عن اللّٰه للملك، فإنه من المحال أن يلتزم الملك بالخشوع والخضوع للخالق والتوبة ومحاسبة النفس، والتقيد بأحكام اللّٰه ورسوله والفضائل الأخرى التي ذكرتها (برني 1961، 39–40)‫."‬

"وقد تمخضت عن هذا الوضع نتائج خطيرة للغاية في التاريخ الإسلامي، ولو ألقينا نظرة على تاريخ الدول الإسلامية ونظرياتها السياسية والعسكرية، لتبين لنا جليًا أنهم تبنوا سياسة الدولة الساسانية، واعتمدوا عليها اعتمادًا كليًا في خلق قوة فتاكة استعانوا بها على إظهار القوة والعظمة داخليا، وعلى قمع الخصوم والأعداء، وعلى تنفيذ أوامر الدين بالقوة تحت ذريعة حماية الدين الإسلامي وتعزيز الشريعة، واستفادوا منها خارجيًا في توسيع نطاق السيادة باسم الجهاد الإسلامي المتواصل تحت ذريعة القضاء على الوثنية والشرك والكفر ورفع راية الإسلام من خلال قتل أعداء الدين وذبحهم." وهنالك صفحة كاملة ذكر فيها برني نصيحة السلطان محمود لأبنائه بكيفية اتخاذ السياسة وإجراء الأعمال العسكرية خارج الدولة للقضاء على الكفار والمشركين، واعتبر هذا العمل من أحسن الأعمال التي ينبغي أن يقوم بها الحاكم المسلم إلى أن يجمعه اللّٰه مع الأنبياء والرسل في يوم القيامة (برني 1961، 47). وهذا هو نفس الطريق الذي سار عليه معظم الملوك الساسانيين في عهودهم لنشر الدين الزرادشتي بواسطة قتل النصارى واليهود والآخرين (كريستنسن 1998، 243–291)، ثم أضاف برني قائلًا: علمًا بأن الإسلام يحرم هذه الأعمال المشينة تحريمًا باتًا، فهي ليست إلا استغلال الدين لتحقيق الأهداف السياسية والعسكرية والاقتصادية‫."‬

وقد اعتبر برني تبني النظريات السياسية الساسانية مثل أكل لحم الميتة من الحيوانات مع حرمته بنص قاطع. وحسب رأيه يمكن تناوله في ظروف خاصة، ومن هنا، يجوز— حسب رأيه — اتخاذ العادات والتقاليد الساسانية في الحكم والمعيشة مثل استعمال التاج والعرش، والخصوصية الفردية المميزة، وإظهار الفخر والتكبر، والتحفظات والحساسيات، واتخاذ القواعد الخاصة بالآداب السلطانية في البلاط، وتخصيص مكان رفيع لجلوس الملك، وممارسة الاحتفالات الملكية، وطلب السجود أمام الملك، والسعي إلى جمع الأموال والكنوز، واختلاس الممتلكات لصالح الدولة ومصالحها، واتخاذ المظاهر الأخرى مثل ارتداء الحلي والمجوهرات والملابس الحريرية وترويج هذه الثقافة بين الناس، وقتل الناس الخارجين على الملك وسياسته، واتخاذ القوانين بالغة الصرامة في هذا الصدد، وبناء الحرم الملكي وإدخال الجواري والنساء فيه لإشباع الرغبات، وإنفاق أموال طائلة على الجيش والمعدات العسكرية بغية الاستيلاء على المناطق غير الخاضعة وفتحها، من أجل إعلاء كلمة اللّٰه، وتوسيع نطاق السيادة الإسلامية، فكل هذه الأمور يعد من أمور أكل لحم الميت في وقت الحاجة الماسة‪.‬

"ويجب عليهم أن يعرفوا جيدًا أن كل العادات والتقاليد الخاصة بالحكم والسياسة التي اتخذوها من ملوك ساسانيين تنتهك قدسية الدين الإسلامي والشريعة الإسلامية والسنن النبوية، وعليهم أن يعرفوا أيضًا أنهم وحاشيتهم وخدمهم جميعًا مشاركون في انتهاك هذه القدسية، لذلك يا أبناء محمود:"يجب أن تعلموا جيدًا أن الملكية لا يمكن ممارستها على أرض الواقع دون اتخاذ النظريات السياسية الساسانية وتطبيقها، على الرغم من أن الجميع من العلماء والفقهاء يعلمون جيدًا أن هذه النظريات السياسية الساسانية منافية تمامًا لتعاليم الإسلام الحقيقية، وتعارض النظريات الإسلامية ومقاصدها والتي وضعها النبي صلى اللّٰه عليه وسلم في حياته" (برني 1961، 40)‫."‬

الخاتمة

وفي نهاية المطاف نستطيع القول في ضوء ما سبق: إن الصورة الحقيقية لفتاوى جهانداري تكمن في طابعها الطبقي حيث إن برني حاول تفسير الدين والسياسة في إطار الامتيازات الإلهية والأرستقراطية، وقدم تلك النظريات للدولة والسلطة الحاكمة والكوادر السياسية والإدارية والدينية من ذوي الأنساب الكريمة والرفيعة لكي يمارسوا احتكارًا كاملًا على جميع الإدارات المركزية والمحلية. ويستمر التفويض الإلهي للسلطان وحده لأنه ظل اللّٰه وخليفته في أرضه وموكله بإقامة أمره ونهيه، قلده جميع الأحكام التنفيذية والتشريعية‪.‬

وبما أنه كان يعلم جيدًا أن التعليم والثقافة سيجعلان المسلمين والهندوس من الطبقة الدنيا مؤهلين للدخول إلى المؤسسات السياسية والإدارية، وهو أمر سيؤدي حتمًا في نهاية المطاف إلى التحدي الكبير أمام الصفوة الحاكمة والأسر الأرستقراطية، ومن هنا، فهو يصر على أن الدولة تحاول جاهدة منع أولاد المسلمين وغير المسلمين من الطبقة العامة من الحصول على التعليم والثقافة، وأنه لابد من وضع السياسة الصارمة لضبط هذا الأمر ومعاقبة كل من يجترئ على فعله بواسطة الضرب والنفي من المدينة (برني 1961، 90–100). ولم يكتف بذلك بل أشار على سلاطين دهلي بأن يقوموا بحظر تدريس جميع العلوم العقلية في المدارس الإسلامية العامة، ويسمحوا فقط بتدريس العلوم النقلية. وبهذا الصدد كتب برني قائلًا:" لقد تم حظر تدريس جميع العلوم العقلية في المدارس العامة في سلطنة السلطان محمود الغزنوي ما عدا العلوم النقلية، وكذلك تم تجريد علوم الفقه من جميع الشروح والحواشي الزائفة والمضللة (برني 1961، 5)‫."‬

ولا يمكن تجاهل إسهامات برني في نشر النظريات السياسية لدى سلاطين دهلي والتأثير الذي مارسته في الدول التي قامت في الهند بعد سقوطها. ومن أعظم إسهاماته هو تحليل أوضاع المؤسسة الملكية المطلقة ونظرياتها السياسية ومقارنتها بالنظريات السياسية الإسلامية والساسانية. ومن العجيب أنه ينتقد النظرية السياسية السلطانية المستعارة من النظريات السياسية الساسانية معتبرًا أنها مخالفة للشريعة الإسلامية ومعادية للإسلام. ومع ذلك، لا يرفضها بل يبررها بأدلة واهية معتبرًا أنها احتياجات العصر، وتحقق مصالح السلطة الحاكمة والشعب كليهما‪.‬

وفي الحقيقة فإن برني ابن العصر والسلطة الحاكمة وكل تبريراته من أجل إضفاء القدسية على السلطان، وتقديس النظريات السياسية الإيرانية وتطبيقها ليصبح للطبقة المعينة حق الوصاية على الأمة، وليكون لها حق احتكار الحكم والسياسة والقرار، ومن ثم تمكين الاستبداد مما أدى إلى الفساد السياسي والخلقي في عصر سلاطين دهلي، وقد صرح بذلك إذ جعل الدولة ذات طابع ديني ملكي أي تمركز القوة في السلطان واتخاذ الدين الإسلامي دينًا رسميًا للدولة‪.‬

تمكننا تلك النصائح من فهم الطابع السياسي الحقيقي لسلطنة دهلي، حيث إن أساس الحكم لم يكن مبنيًا على الشريعة الإسلامية بأي حال من الأحوال، وإنما على قوانين الدولة التي وضعها سلاطين دهلي بواسطة النظريات السياسية الساسانية، وتم تطبيقها من أجل تحقيق الأهداف السياسية والعسكرية والإدارية. وصرح بذلك برني قائلًا:"هذه النظريات السياسية وقوانين الدولة وضعت للعمل بموجبها فقد فرضها الملك على الشعب بوصفه ظل اللّٰه، وتخوله هذه الفريضة أن يقوم بتطبيقها لتحقيق الرفاهية للدولة وللشعب، ولا يمكن له أن يهرب من أداء هذه المسؤولية" (برني 1961، 64–70)‪.‬

ولا شك أن مثل هذه النظريات وضعت من أجل تمكين السلطة الحاكمة من الاستبداد ولصالح السلالة الحاكمة والطبقة العليا من المسلمين الذين كانوا يحتكرون أعلى الوظائف العسكرية والإدارية. ولا ريب أن تلك النظريات السياسية كانت غير دينية، وما كانت تستند إلى النصوص الدينية، وببساطة لم يكن من مهمتها ترتيب النظام السياسي الإسلامي الشوري لرعاية مصالح جميع المواطنين وبشكل توافقي في ترتيباتهم الحياتية، وفق مقتضيات الحال، إنما كانت تستند إلى آراء الملك ومستشاريه، وهذه القوانين نفسها جعلتهم أصحاب القرار ومصدر السلطة للدولة والشعب. وبرني لا يترك لنا أي مجال للشك في أنه في حالة التعارض بين قوانين الدولة وقوانين الإسلام، فإن قوانين السلطان هي التي تهيمن على الشريعة التي كان يتم تجاهلها في كثير من الأحيان‪.‬

وعلى الرغم من أن برني دون كتابه فتاوى جهانداري بعد تصنيف كتابه تاريخ فيروز شاهي، إلا أن معظم النظريات السياسية المذكورة في فتاوى جهانداري وضعها برني في أثناء كتابة تاريخ فيروز شاهي، ونضرب هنا مثالًا واحدًا حيث إنه ذكر في كتابه تاريخ فيروز شاهي النصائح التي ألقاها السلطان غياث الدين بلبن على أبنائه (برني 2004، 44-71-72-73)، نجد ملخصها في فتاوى جهانداري. وكان الهدف عند برني من تدوين كتابه هذا هو تقديم دليل شامل من النظريات السياسية والإدارية للسلطة الحاكمة وتقديم النصائح والإرشادات للسلطان وحاشيته وللعناصر الإدارية‪.‬

المصادر والمراجع

  • ابن النديم، محمد بن إسحاق د.ت، الفهرست، تحقيق رضا تجدد. طهران: د.ن‪.‬

  • ابن هندو، أبو الفرج. 2001، الكلم الروحانية من الحكم اليونانية (العقل العربي الإسلامي والمؤسسة السياسية)، تحقيق محمد جلوب الفرحان. بيروت: الشركة العالمية للكتاب‪.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • آذر تاش آذر نوش. 2004، سبل نفوذ الفارسية في ثقافة عرب الجاهلية ولغتهم، ترجمة وتعليق، محمد التونجي. أبوظبي: المجمع الثقافي‪.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • بدوي، عبد الرحمن. 1954، الأصول اليونانية للنظريات السياسية في الإسلام، القاهرة: مكتبة النهضة المصرية‪.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • برني، ضياء الدين. 1961، فتاوى جهانداري، أفسر بيگم، تحرير ونشر محمد حبيب، إله آباد: كتاب محل‪.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • برني، ضياء الدين. 2004، تاريخ فيروز شاهي، ترجمة أردية سيد معين الحق، لاهور: أردو سائنس بورد‪.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • بوزورث، كليفورد إدموند. 1994، الأسرات الحاكمة في التاريخ الإسلامي: دراسة في التاريخ والأنساب، القاهرة: العين للدراسات التاريخية‪.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • عارف، نصر محمد. 1994. في مصادر التراث السياسي الإسلامي، واشنطن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي‪.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • عهد أردشير 1967. تحقيق إحسان عباس، بيروت: دار صادر‪.‬

  • فخر مدبر، محمد بن منصور مبارك شاه. 1967. آداب الحرب والشجاعة،  تحقيق وتصحيح أحمد سهيلي خوانساري، تهران: مكتبة إقبال‪.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • كتاب تنسر. د.ت. أقدم نص عن النظم الفارسية قبل الإسلام. ترجمة يحيى الخشاب. القاهرة: جماعة الأزهر للنشر والتأليف‪.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • كريستنسن، آرثر. 1998. إيران في عهد الساسانيين، ترجمة يحيى الخشاب، القاهرة: الهيئة المصرية للكتاب‪.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • محمدي، محمد. 1964. الترجمة والنقل عن الفارسية في القرون الإسلامية الأولى: كتب التاج والآيين. بيروت: الجامعة اللبنانية‪.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • المسعودي، أبو الحسن. 1938. التنبيه والإشراف، تصحيح عبد اللّٰه إسماعيل الصاوي، القاهرة: مكتبة الشرق الإسلامية‪.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • مسكويه، أبو علي أحمد بن محمد. 1952. الحكمة الخالدة، تحقيق عبد الرحمن بدوي، القاهرة: مكتبة النهضة المصرية‪.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • ناظم، محمد. 2007، السلطان محمود الغزنوي: حياته وعصره، ترجمة عربية، عبد اللّٰه سالمعبد اللّٰه سالم الزليتني، بيروت: دار المدار الإسلامي‪.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • نظامي، خليق أحمد. 1958. سلاطين دهلي كي مذهبي رجحانات، دهلي: إدارة أدبيات دلي‪.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • Afzaluddin, Afsar. 1956. The Fatawa-i-Jahandari of Zia ud-din Barni. Translation with introduction and notes. PhD dissertation School of Oriental and African Studies (University of London).

  • Bosworth, C. E. 1968. “The Development of Persian Culture under the Early Ghaznavids,Iran 6, 3344.

  • Bosworth, C. E. 1969. “The Ṭāhirids and Persian Literature,Iran 7, 103106.

  • Bosworth, C. E. 1970. “An Early Arabic Mirror for Princes: Ṭāhir Dhū l-Yamīnain’s Epistle to His Son ʿAbdallāh”. Journal of Near Eastern Studies 29:1, 2541.

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • Bosworth, C. E. 1978. "The Heritage of Rulership in Early Islamic Iran and the Search for Dynastic Connections with the Past,” Iranian Studies 11, 734.

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • Gibb, H. A. R. 1962. “The Social Significance of the Shuubiya”. Reprinted in the author’s Studies on the Civilization of Islam, Boston: Beacon Press.

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • Habib, Mohammad & Afsar Afzaluddin. 1961. The Political Theory of the Delhi Sultanate (including a translation of Ziauddin Barani’s Fatawa-i Jahandari, circa 1358–9 A.D.). Allahabad: Kitab Mahal.

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • Hambly, Gavin. 1972. “Who were the Chihilgānī, the Forty Slaves of Sultān Shams Al-Dīn Iltutmish of Delhi?,Iran 10, 5762.

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • Inostranzev, M. 1918. Iranian Influence on Moslem Literature. Translated by G. K. Nariman. Bombay: D. B. Taraporevala & Sons. Nizami, Khaliq Ahmad. 1997. Royalty in Medieval India. Delhi: Munshiram Manoharlal.

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • Sarkar, Nilanjan 2006. “The voice of Mahmud: The Hero in Zia Barani’s Fatawa-i Jahandari,The Medieval History Journal 92, 334335.

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • Tor, D. G. 2011. “The Islamization of Iranian kingly ideas in the Persianate furstenspiegel.” Iran 49, 115122.

1

نقله ابن المقفع من الپهلوية إلى اللغة العربية في القرن الثاني الهجري، ونقل عنه المسعودي في مروج الذهب، والتنبيه والإشراف، ومسكويه في تجارب الأمم، والبيروني في تحقيق ما للهند من مقولة وغيرهم، وكان يعتبر كالفلك المشحون في فنون الحكمة، وللأسف فإن النص الپهلوي مفقود، وكذلك الترجمة العربية لابن المقفع، ولم يبق غير الترجمة الفارسية التي قام بها ابن اسفند يار من ترجمة ابن المقفع، وعن هذه الترجمة الفارسية أعاد نقلها إلى العربية يحيى الخشاب‪.‬

2

ثمة تشابه كبير بين هذه الأسس للحكم والسياسة وبين ما كتبه برني نفسه في كتابه تاريخ فيروز شاهي ضمن ترجمة السلطان غياث الدين بلبن بعنوان "أصول حكمراني" أي أصول الحكم، فقال: "كان السلطان غياث الدين بلبن دائمًا يقول لحاشيته إنه سمع من الثقات أن الأمراء والعلماء الذين كانوا يعملون في بلاط السلطان شمس الدين ايلتتمش، دائمًا يلقنونه درسًا بأنه لا يمكن للسلطان أن يقوم بأداء واجباته السياسية والعسكرية والإدارية كما ينبغي دون ممارسة الآداب السلطانية الساسانية ممارسة تامة في الحكم والسياسة …" (برني 2004، 80–81)‪.‬

  • ابن النديم، محمد بن إسحاق د.ت، الفهرست، تحقيق رضا تجدد. طهران: د.ن‪.‬

  • ابن هندو، أبو الفرج. 2001، الكلم الروحانية من الحكم اليونانية (العقل العربي الإسلامي والمؤسسة السياسية)، تحقيق محمد جلوب الفرحان. بيروت: الشركة العالمية للكتاب‪.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • آذر تاش آذر نوش. 2004، سبل نفوذ الفارسية في ثقافة عرب الجاهلية ولغتهم، ترجمة وتعليق، محمد التونجي. أبوظبي: المجمع الثقافي‪.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • بدوي، عبد الرحمن. 1954، الأصول اليونانية للنظريات السياسية في الإسلام، القاهرة: مكتبة النهضة المصرية‪.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • برني، ضياء الدين. 1961، فتاوى جهانداري، أفسر بيگم، تحرير ونشر محمد حبيب، إله آباد: كتاب محل‪.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • برني، ضياء الدين. 2004، تاريخ فيروز شاهي، ترجمة أردية سيد معين الحق، لاهور: أردو سائنس بورد‪.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • بوزورث، كليفورد إدموند. 1994، الأسرات الحاكمة في التاريخ الإسلامي: دراسة في التاريخ والأنساب، القاهرة: العين للدراسات التاريخية‪.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • عارف، نصر محمد. 1994. في مصادر التراث السياسي الإسلامي، واشنطن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي‪.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • عهد أردشير 1967. تحقيق إحسان عباس، بيروت: دار صادر‪.‬

  • فخر مدبر، محمد بن منصور مبارك شاه. 1967. آداب الحرب والشجاعة،  تحقيق وتصحيح أحمد سهيلي خوانساري، تهران: مكتبة إقبال‪.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • كتاب تنسر. د.ت. أقدم نص عن النظم الفارسية قبل الإسلام. ترجمة يحيى الخشاب. القاهرة: جماعة الأزهر للنشر والتأليف‪.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • كريستنسن، آرثر. 1998. إيران في عهد الساسانيين، ترجمة يحيى الخشاب، القاهرة: الهيئة المصرية للكتاب‪.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • محمدي، محمد. 1964. الترجمة والنقل عن الفارسية في القرون الإسلامية الأولى: كتب التاج والآيين. بيروت: الجامعة اللبنانية‪.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • المسعودي، أبو الحسن. 1938. التنبيه والإشراف، تصحيح عبد اللّٰه إسماعيل الصاوي، القاهرة: مكتبة الشرق الإسلامية‪.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • مسكويه، أبو علي أحمد بن محمد. 1952. الحكمة الخالدة، تحقيق عبد الرحمن بدوي، القاهرة: مكتبة النهضة المصرية‪.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • ناظم، محمد. 2007، السلطان محمود الغزنوي: حياته وعصره، ترجمة عربية، عبد اللّٰه سالمعبد اللّٰه سالم الزليتني، بيروت: دار المدار الإسلامي‪.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • نظامي، خليق أحمد. 1958. سلاطين دهلي كي مذهبي رجحانات، دهلي: إدارة أدبيات دلي‪.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • Afzaluddin, Afsar. 1956. The Fatawa-i-Jahandari of Zia ud-din Barni. Translation with introduction and notes. PhD dissertation School of Oriental and African Studies (University of London).

  • Bosworth, C. E. 1968. “The Development of Persian Culture under the Early Ghaznavids,Iran 6, 3344.

  • Bosworth, C. E. 1969. “The Ṭāhirids and Persian Literature,Iran 7, 103106.

  • Bosworth, C. E. 1970. “An Early Arabic Mirror for Princes: Ṭāhir Dhū l-Yamīnain’s Epistle to His Son ʿAbdallāh”. Journal of Near Eastern Studies 29:1, 2541.

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • Bosworth, C. E. 1978. "The Heritage of Rulership in Early Islamic Iran and the Search for Dynastic Connections with the Past,” Iranian Studies 11, 734.

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • Gibb, H. A. R. 1962. “The Social Significance of the Shuubiya”. Reprinted in the author’s Studies on the Civilization of Islam, Boston: Beacon Press.

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • Habib, Mohammad & Afsar Afzaluddin. 1961. The Political Theory of the Delhi Sultanate (including a translation of Ziauddin Barani’s Fatawa-i Jahandari, circa 1358–9 A.D.). Allahabad: Kitab Mahal.

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • Hambly, Gavin. 1972. “Who were the Chihilgānī, the Forty Slaves of Sultān Shams Al-Dīn Iltutmish of Delhi?,Iran 10, 5762.

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • Inostranzev, M. 1918. Iranian Influence on Moslem Literature. Translated by G. K. Nariman. Bombay: D. B. Taraporevala & Sons. Nizami, Khaliq Ahmad. 1997. Royalty in Medieval India. Delhi: Munshiram Manoharlal.

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • Sarkar, Nilanjan 2006. “The voice of Mahmud: The Hero in Zia Barani’s Fatawa-i Jahandari,The Medieval History Journal 92, 334335.

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • Tor, D. G. 2011. “The Islamization of Iranian kingly ideas in the Persianate furstenspiegel.” Iran 49, 115122.

Content Metrics

All Time Past Year Past 30 Days
Abstract Views 0 0 0
Full Text Views 2938 1656 123
PDF Views & Downloads 852 488 120