Save

مفهوم التقوى والمنظومة الأخلاقية القرآنية: البنية والسياق

The Concept of Taqwā and the Qurʾānic Ethical System: Structure and Context

In: Journal of Islamic Ethics
Author:
عبد الرحمن حللي (Abdulrahman Helli) أستاذ مشارك في التفسير والدراسات القرآنية، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة قطر (Associate Professor of Tafsir and Quranic Studies, College of Sharia and Islamic Studies, Qatar University) الدوحة (Doha) قطر (Qatar)

Search for other papers by عبد الرحمن حللي (Abdulrahman Helli) in
Current site
Google Scholar
PubMed
Close
Open Access

الخلاصة

تدرس هذه المقالة “التقوى” كمفهوم أخلاقي مركزي في القرآن، ارتبطت به الأحكام العملية والمفهومات الأخلاقية الأخرى، وقد توزعت الدراسة على محورين، الأول دراسة لغوية للدلالة المعجمية لجذر المفهوم واشتقاقاته، واستعمالاته تاريخياً. والمحور الثاني دراسة سياقية دلالية تستقرئ الاستخدام القرآني لمفهوم “التقوى”، فتصف وتؤرخ حضوره في النص القرآني، مع مقارنة ذلك بفهم المفسرين لمعنى “التقوى” في الآيات. وتنتهي الدراسة إلى ضبط بؤرة المعنى اللغوي، والتي تربط “التقوى” بحصانة أخلاقية تجعل الإنسان على بصيرة تجنبه من الوقوع في الشر، مع أمل مؤكد بفلاح دنيوي ونجاة أخرو ية. فالتقوى حسب القرآن ملَكَةٌ تكوينية (من إلهام الله) في نفس الإنسان مشتركة بين جميع الخلق، سابقة على الوحي والتشريع، وهي معيار تفاضل الناس حتى بعد اكتمال التشريع، وجعلها القرآن جوهر التشريع وغاية التكليف. يبرز المقال أن مفهوم “التقوى” في القرآن يعبر عن الضمير الأخلاقي الفطري لدى الإنسان‫.‬

مقدمة

تفترض هذه الدراسة أنه لا يمكن الكشف عن المنظومة الأخلاقية الإسلامية عموماً، والقرآنية خصوصاً، من غير دارسة الحقل الدلالي للمفهومات الأخلاقية في القرآن أولاً، وكان توشيهيكو إيزوتسو (ت. 1993م) ‫(Toshihiko Izutsu)‬ قد نبَّه إلى أهمية الدرس الدلالي وحاول تطبيقه على حقول دلالية تتصل بالمفهومات الأخلاقية – الدينية في القرآن (إيزوتسو 2008)، لكن تطبيقاته لم تكن بالعمق الذي بشَّر به منهجه نظريًا، إذ اكتفى بمعالجة جملة عامة من المفهومات دون الخوض في دلالة كل مفردة منها، وكنت أفدت من منطلقاته وطورت منهجيته في دراسة المفردات القرآنية، وطبقتها في دراسة سابقة لمفهوم “البر” (حللي 2017)، وقد أبرزت تلك الدراسة أهمية مفهوم “التقوى” كمفهوم أخلاقي مركزي في النص القرآني، والذي يرتبط شبكياً بأحكام الإسلام العملية، وتدور معه المفهومات الأخلاقية الأخرى، ونظراً لتواتر ذكر التقوى واشتقاقاتها في القرآن وسعة الحقل الدلالي المتصل بها، سأتناول في هذه الدراسة المحددات الأساسية للمفهوم، بما يُمَكِّنُ من ضبط معناه واستعمالاته في السياقات المختلفة، وقد جعلت الدراسة في محورين: الدرس اللغوي (المعجمي والتاريخي)، والدرس السياقي (النصي والتاريخي)، وأبرزت في كل منهما ما من شأنه أن يسهم في فهم أدق لمعنى “التقوى” في القرآن. هذا ولن تتناول الدراسة مقاربات “التقوى” خارج نطاق الجهود المبذولة لفهمها من خلال النص القرآني تحديدًا، وهذا ضبط منهجي، فالسؤال المركزي هنا هو ضبط دلالة “التقوى” كمفهوم وموقعها في منظومة الأخلاق والتشريع القرآنية‫.‬

1 الدرس اللغوي المعجمي والتاريخي لمعنى التقوى

يدرس هذا المحور المداخل اللغوية التي تساعد في تحديد معنى المفهوم، سواء أكانت تتصل بالجذر اللغوي واستخداماته في اللغة العربية أو اللغات التي تشترك معها في الأصل السامي، أو كانت مداخل نصية تاريخية تحمل معان سياقية لغوية أو أدبية أو دينية سابقة لنزول القرآن، فمعرفة المعاني المعجمية والسياقية التي كانت قبل نزول القرآن شرط لمعرفة معهود العرب اللغوي والديني قبل الإسلام تجاه المفهوم موضوع الدرس، فمن أصول تفسير القرآن المتفق عليها معرفة معهود العرب في الخطاب واستخدام الألفاظ (حللي 2019)، لذلك كان الشعر الجاهلي المادة المرجعية الأهم لمعرفة معاني الكلمات العربية وسياقات استخدامها، وهذه الأهمية لا يقلل منها – برأيي- التشكيك في نسبة الشعر الجاهلي إلى عصره، كما أن اللغات القريبة من العربية والتي يمكن أن تتشارك معها بعض الجذور والكلمات لاسيما عندما تحمل معنى دينياً يمكن أن تساعد في ضبط الدلالة التاريخية للمفردة، لذا سأبدأ بها بوصفها المنطلق الأعم والأقدم‫.‬

1.1 جذر التقوى في اللغات السامية وسياقاتها ‫1

لم يرد جذر التقوى في “معجم مفردات المشترك السامي في اللغة العربية” (كمال الدين 2008)، كما لم يذكره آرثر جفري في معجمه ‫(Jeffery 2006)‬ ، لكن إذا رجعنا إلى الكلمات الشبيهة بلفظ “التقوى” في اللغات السامية نجد اللفظ الأقرب إليه في السريانية هو ‫(qwy / ܩܘܐ)‬ وتدل الشواهد الكثيرة لاشتقاقاته على معنى الثبات والبقاء والصمود ‫(Dukhrana Biblical Research 2020)‬، كما تشير معاجم لغوية ولاهوتية إلى استخدام للفظ في اللغة العبرية شبيه بلفظ “التقوى” العربي، بمعنى الرجاء ‫(תִּקְוָה /hope / Tiqwāh)‬، واقترن بالآخرة المستقبلية المنتظر حدوثها في الدنيا ‫(אַחֲרִ֥ית וְתִקְוָֽה/aḫarīt wa-tiqwāh)‬ ، وأخذت ألفاظ التقوى في كتب الرسل تحمل معنى الرجاء الأخروي بعد الموت ‫(תִקְוָתֵ֖נוּ / tikwateno) (12:562, 15:759 ff., Botterweck 1977–2006).‬

فالمعنى الجامع لمعظم المفردات المتصلة بجذر ‫(q-w-h)‬ في العبرية يرجع إلى معنى القوة والإحكام ومنها شدة فتل الحبل الذي يحمل معنى دقة الحساب مجازيا كون الحبل المقصود هو المستعمل للقياس الهندسي، أما لفظة ‫Tiqwāh‬ التي استقر معناها في الدلالة على الرجاء فقد فسر معناها بالصمود والترقب بانتظار أمر الله واستجماع القوة الروحية لتحقيق ذلك، والمستمدة من الله أو من الاستقواء بالجماعة‫.‬

هذا وإن أياً من الشواهد والألفاظ السامية لم تترجم إلى اللغة العربية بلفظ التقوى أو مشتقاته، إذ لم يتم الربط بين اللفظين (السامي والعربي) إلا مؤخراً وبشكل مقتضب في بعض الدراسات ‫(el Masri 2020, 360)‬ رغم وضوح تقاربهما الصوتي ودلالة جذرهما، كما سيتضح في دلالة الجذر العربي، وبالمقابل شاع استخدام لفظ التقوى العربي في الترجمة العربية للعهدين بمعنى مخافة الله، وكذا في ترجمة القرآن إلى اللغات الأخرى، ولم تُلَاحظ دلالة اللفظ لغوياً لا في أصلها السامي ولا في جذرها العربي، وقد ألحت الدراسات الغربية عن التقوى في القرآن على إضفاء المعنى الكتابي “مخافة الله” الذي يقابل مفهوم الورع من حيث إشتقاق الجذر كتفسير وحيد لمعنى التقوى القرآني (إيزوتسو 2007، 310–311؛ ‫Alexander 2002, 2:194–198؛ Neuwirth 2011, 1:272.؛ Ohlander 2005؛ Roth 2020).‬

كخلاصة يمكن القول إن الألفاظ والاستخدامات السامية القريبة من لفظ التقوى العربي واستعمالاتها السياقية – الدينية تشترك في الإحالة على معنى مركزي يجمع بين معاني القوة والأمل والثبات واستجماع ما يحققها، ويدل الاستخدام الديني على الرجاء الذي يستمد قوته من الإيمان بالله. هذا العرض للأصل السامي للجذر اللغوي، يقصد منه التأكيد على أهمية الجذر اللغوي في المعنى السياقي الديني سواء في نصوص اللغة نفسها (العبرية/ السريانية – العهد القديم والجديد)، أو ما يمكن أن يتطور إليه الجذر نفسه أو القريب منه في لغة أخرى ونصوصها (العربية – القرآن)، وهو ما سنحاول النظر في مدى امتداده أو تطوره، مما يمكن أن يساعد في تعميق فهم معنى التقوى في القرآن من زاوية دلالة جذرها اللغوي، والذي أراه مفتاحاً مهمًا لفهم المعنى‫.‬

1.2 التقوى في الشعر الجاهلي

تواتر في الشعر الجاهلي استعمال مشتقات الفعل “وقي”، بمعان مادية في الغالب، تدل على اتخاذ وقاية من شيء، أو اتقاء شيء بشيء آخر، أو وقاية النفس أو الجسم، وقد ورد ذلك في أشعار امرئ القيس (ت. 96ق.هـ/545م)، وعنترة بن شداد (ت. 22ق.هـ/608م)، وعلقمة بن قيس (ت. نحو 20ق.هـ/603م)، والنابغة الذبياني (ت. 18ق.هـ/605م)، وفي غير المعلقات كالرّاعي الهَمْدانيّ قيس بن سيار (ت. نحو 120ق.هـ/505م) وعَديّ بن زيد العِباديّ (ت. نحو 35ق.هـ/588م)، فالمُتَّقَى: المَخْشِيُّ المَخُوفُ مِنْهُ. والتَّقِيُّ مِنَ النَّاسِ: ذُو الحَذَرِ وَالخَشْيَةِ المُتَجَنِّبُ لِعَوَاقِبِ مَا يُكْرَهُ (مصالحة وآخر 1999،‫1247–1245‬، معجم الدوحة التاريخي للغة العربية 2020، جذر: و-ق-ي)، وكان أكثر الشعراء استخداماً لاشتقاقات هذا الجذر زهير بن أبي سلمى (ت. 13ق.هـ/609م) وهو من الحنفاء، وقد انفرد من أصحاب المعلقات باستخدام لفظ “التقوى” وبإضافته إلى الله، وكذلك لفظ “تقي”، وقد استخدمها بمعنى ديني أخلاقي في أربعة مواضع، كقوله: وَمِن ضَريبَتِهِ التَقوى وَيَعصِمُهُ…… مِن سَيِّءِ العَثَراتِ اللَهُ وَالرَحِمُ (ابن أبي سلمى 1988، 118)، وقوله: بدا لي أن الله حق، فزادني…… إلى الحق، تقوى الله، ما كان باديا (ابن أبي سلمى 1988، 140)، وقال في سياق المديح: فلو لم يكن في كفه غير نفسه…… لجاد بها، فليتق الله سائله (ابن أبي سلمى 1988، 92)، وقال يمدح سنان بن أبي حارثة المري: تقيٌ، نقيٌ، لم يكثر غنيمة…… بنهكة ذي قربى، ولا بحقلد (ابن أبي سلمى 1988، 40)، أما خارج شعر المعلقات فنجد القليل من الأشعار المنسوبة لما قبل الإسلام تتضمن لفظ التقوى أو مشتقاته بمعنى ديني -أخلاقي، كالمنسوب إلى الحارث بن كعب المَذْحِجيّ (ت. نحو 202 ق.هـ/426م) في الحثِّ على تقوى الله: بَنِيَّ اتَّقُوا اللهَ الَّذِي هُوَ رَبُّكُمْ …… بَرَاكُمْ لَهُ فِيمَا بَرَا وَبَرَانِيَا (الأحمدي (محقق) 2014، 445)، وما نُسب إلى المتلمس الضُبَعي (ت. 43ق.هـ/580م) من قوله: وَأَعلَمُ عِلمَ حَقٍّ غَيرَ ظَنٍّ…… وَتَقوى اللَهِ مِن خَيرِ العَتادِ (الضُبَعي 1970، 172)، كما نُسب إلى زيد بن عمرو بن نفيل (ت. 17ق.هـ/606م) وهو من الحنفاء، قوله في قصيدة في فراق دين قومه (وكان لقي الرسول صلى الله عليه وسلم غير ما مرة، غير أنه لم يدرك البعثة): فتقوى الله ربكم احفظوها……متى ما تحفظوها لا تبوروا (القيسي 1422هـ، 87–94)، وما نسب إلى هند بنت الخُسّ الإياديّة (ت. نحو 202ق.هـ/426م): وَكَمْ مِنْ مُرَاءٍ ذِي صَلَاحٍ وَعِفَّةٍ …يُخَاتِلُ بِالتَّقْوَى، هُوَ الذِّئْبُ الَامْلَسُ، وقولها: وَآخَرَ ذِي طِمْرَيْنِ صَاحِبِ نِيَّةٍ…يَجُودُ بِأَعْمَالِ التُّقَى ثُمَّ يَنْفُسُ (ابن طيفور 1908، 63). هذه الشواهد تؤكد ما ذهب إليه توشيهيكو إيزوتسو من أنه “في العهود الجاهلية لم تُستخدَم الكلمةُ عادةً بمعنى دينيّ البتّة، إلّا في الدّائرة الخاصة للحنفاء” (إيزوتسو 2007، 311)، وأن التقوى لم تُستخدَم في الشعر الجاهلي بمعنى خُلُقيّ أو بدرجة أكثر روحانيّةً من المعنى المادّيّ الصِّرْف إلا في حالات قليلة، يوصف فيها الكرم وإنفاقَ المال في إطعام الآخرين وقِرى الضّيفان خلقاً يقي به الإنسان شرفه الشخصيّ من نَيْل الآخرين منه وانتقاصهم إيّاه (إيزوتسو 2007، ‫313–314‬)، ومثاله من شعر زهير: ومَنْ يجعلِ المعروفَ مِنْ دونِ عِرْضِه… يفِرْه ومَنْ لا يتّقِ الشّتْمَ يُشْتَمِ (ابن أبي سلمى 1988، 110)، ويتكرر المعنى الديني الحنيفي في شعر المخضرمين من الحنفاء، كقول أُميّة بن أبي الصَّلْت (ت. 5هـ/626م): وَحَلَّ المُتَّقونَ بِدارِ صِدقٍ…… وَعَيشٍ ناعِمٍ تَحتَ الظِلالِ (ابن أبي الصلت 1998، 103)، أو قول لبيد بن ربيعة (ت. 41هـ/661م): إنَّ تَقْوَى رَبِّنَا خَيرُ نَفَلْ…… وبإذْنِ اللّهِ رَيْثي وعَجَلْ (ابن ربيعة 2004، 90)‫.‬

إن ما يمكن تأكيده من خلال هذه الشواهد أن “التقوى” كانت مفهوماً مستقراً قبل الإسلام في دائرة الحنفاء بشكل خاص، يحيل إلى موقف أخلاقي-ديني رفيع يمدح به الأشخاص ذوو السمعة الحسنة، وأن الوصف بها يتصل بتصورها مستقلة عن الأخلاق والفضائل العربية الأخرى، كما أنها كوصف أخلاقي يغلب عليه البعد الديني فتضاف إلى الله غالباً، ويوصى بها. ومن خلال ما ورد من أشعار ترجع إلى ما قبل الإسلام يمكن أن نلحظ أن التقوى تتصف بما يأتي‫:‬

  • التقوى صفة لبعض الأشخاص وتغدو سجية لديهم. (زهير)

  • الاتصاف بالتقوى يقي من العثرات، وتتأتى هذه العصمة من الله ومن الرحم. (زهير)

  • أعمال التقوى تفرج الكرب (هند بنت الخُسّ الإياديّة)

  • التقوى تشتمل على معاني الصلاح والعفة (هند بنت الخُسّ الإياديّة)

  • التقوى تدعو إلى زيادة الإيمان بالله. (زهير)

  • التقوى تدعو صاحبها إلى القناعة والتواضع. (زهير)

  • الأمر بتقوى الله يدعو إلى مراعاة أحوال الآخرين وعدم الطمع بما عندهم. (زهير)

  • تقوى الله أهم ما يمكن أن يعتد به الإنسان. (المتلمس الضُبَعي)

  • تقوى الله تحفظ من البوار. (زيد بن عمرو)

  • مصير المتقين هو النجاة والنعيم (أُميّة بن أبي الصَّلْت)

  • تقوى الله خير ما يغنمه الإنسان (لبيد بن ربيعة)

ولا تسعف السياقات التي وصلت إلينا بما يكفي لتحديد تصور العرب التفصيلي لماهية التقوى مقارنة بغيرها من القيم أو المواقف الأخلاقية، لكن ما ورد بشأنها يسمح بالتأكيد أنها وصف أخلاقي إيجابي جامع، وذو بعد ديني، والاتصاف بها يجعل للإنسان وقاية من المساوئ في الدنيا، فهي تجلب للإنسان حماية مستمدة من الله ومن الأرحام، وتجلب في الآخرة النعيم، فهي خير ما يغنمه الإنسان في حياته، ويمكن تحديد عناصر تضبط معناها والتي سنبني عليها لاحقًا‫:‬

  • الأول: أن التقوى وصف بتعلق بشخصية الإنسان ككل وليس بفعل محدد من الأفعال التي يقوم بها‫.‬

  • الثاني: أن الموصوف بالتقوى يمتلك قوة وحصانة في شخصيته‫.‬

  • الثالث: يترتب على التقوى في المستقبل الدنيوي والأخروي آثار إيجابية‫.‬

1.3 جذر التقوى في المعاجم العربية وكتب المفردات

“ترجع كلمة “تقوى” إلى الأصل (وقى)، وكل ما وَقَى شيئاً فهو وِقاء له ووقاية، ورجل تقيٌّ وقي” (الفراهيدي د.ت، ‫238/5‬)، وقولهم: رجلٌ تَقِيٌّ “مُوقّ نفسه من العذاب بالعمل الصالح. وأصله من: وقيت نفسي أقيها” (الأنباري 1992، ‫122/1‬)، فـ”الْوَاوُ وَالْقَافُ وَالْيَاءُ: كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تَدُلُّ عَلَى دَفْعِ شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ بِغَيْرِهِ” (ابن فارس 1979، ‫131/6‬)، والتوقية: الكلاءة وَالْحِفْظ، وَقد تَوقِيت، واتقيت الشَّيْء، وتقيته أتقيه تقى، وتقية، وتقاء: حذرته (ابن سيده 2000، ‫598/6‬)، و”أصل الاتِّقاء الحَجْز بَين الشّيئين” (ابن سيده 1996، ‫61/4‬)، و”وقيت الشيء أقيه إذا صنته وسترته عن الأذى” (ابن منظور 1414ه، 401/15، الفيروزأبادي 2005، 1344) ، وحسب ابْن الأعرابيّ “التُّقاة وَالتقيَّة والتقوَى والاتِّقاءُ كلُّه واحدٌ” (الهروي 2001، 199/9، الرازي 1999، 344) والتقوى والتقى: واحد، وتَوَقَّى واتَّقى بمعنًى (الجوهري 1987، 2527/6)‫.‬

كخلاصة يمكن القول: إن المعنى اللغوي لجذر التقوى ومشتقاته يتمحور حول معنى الوقاية بما تشتمل عليه من معاني الحذر واتخاذ وسائل الحفظ، سواء أكان ذلك لحفظ النفس عموماً، أو لتجنب أذى شيء محدد، وسواء أكان هذا الاتقاء بالحذر عموماً أو باتخاذ شيء ما وسيلة لاتقاء شيء آخر، ولم يرد في المعاجم ما يدل على أن الخوف هو من معاني جذر التقوى، حتى وإن كان دافعاً لاتخاذ الوقاية مما يخاف منه، لكن ذلك حصل لاحقاً على سبيل المجاز، فربط الراغب الأصفهاني (ت. نحو 425هـ/1034م) بين الوِقَايَة التي هي “حفظُ الشيءِ ممّا يؤذيه ويضرّه.” وبين التَّقْوَى التي هي “جعل النّفس في وِقَايَةٍ مما يخاف”، “ثمّ يسمى الخوف تارة تَقْوى، والتَّقْوَى خوفاً حسب تسمية مقتضى الشيء بمقتضيه والمقتضي بمقتضاه، وصار التَّقْوَى في تعارف الشّرع حفظ النّفس عمّا يؤثم، وذلك بترك المحظور، ويتمّ ذلك بترك بعض المباحات” (الأصفهاني 1412هـ، 881). وقد فَسَّرت كتب الوجوه والنظائر استعمالات التقوى في القرآن بوجوه ترجع إلى أصل الوقاية مما يخيف أو ما تتم به هذه الوقاية، وهي وجوه تسند إلى مجازات للمعنى اللغوي أو استعمالات سياقية، فرأى مقاتل (ت. 150هـ/767م) أن التقوى تأتي على خمسة أوجه هي: الخشية، أو العبادة، أو ترك معصية الله، أو التوحيد أو الإخلاص (ابن سليمان 2006، 174–175)، وقد تكررت هذه الوجوه في كتب الوجوه والنظائر الأخرى، بنفس التعبير أو بتعابير مرادفة، (الدامغاني 1980، 494، ابن الجوزي 1984، 219؛ الفيروزأبادي 1996، 116/2، 300/2)، وأشار أبو هلال العسكري (ت. نحو 395 هـ/1005م) إلى أنه يجوز قيام بعضها مقام بعض (العسكري 2007، 147–148)، وذهب الحكيم الترمذي (ت. 320هـ/932م) إلى أن “اتقوا” أي افعلوا الوقاية، وهي على أوجه: الطاعة لأنه إذا أطاع اتقى ما نهى عنه، والخشية لأنه إذا خشي اتقى المحارم، “والتقوى أن تجعل ذلك الشيء النفيس في حراستك فتحرسه من الآفات، وأنفس شيء أعطاك الله وأشرفه وأعظم قدراً معرفته، فتقواك أن تجعل حراستك وقاية لذلك النور” (الترمذي 1969، 142–143)، ورأى أبو هلال العسكري (ت. نحو 395هـ/1005م) أن المتقي في أسماء الدين: هو الذي يؤدي الفرائض، ويجتنب المحارم، ويجعل ذلك بينه وبين النار جُنَّة، ولا يستحقه مطلقاً إلا المستحق للثواب، ويجري على غيره مقيدا” (العسكري 2007، 147–148)، وذهب ابن الجوزي (ت. 597هـ/1201م)، إلى أن “التَّقْوَى: اعْتِمَاد المتقي مَا يحصل بِهِ الْحَيْلُولَة بَينه وَبَين مَا يكرههُ، فالمتقي: هُوَ المحترز مِمَّا اتَّقَاهُ.” (ابن الجوزي 1984، 219) ، وعرف الفيروزأبادي (ت. 817هـ/1415م) التَّقوى البالغة الجامعة بأنها “اجتنابُ كلّ ما فيه ضرر لأَمر الدين، وهو المعصية، والفضول” (الفيروزأبادي 1996، 116/2، 300/2)‫.‬

وكما نلاحظ فإن جميع الوجوه تشترك في معنى مركزي يرتبط بالجذر اللغوي وهو اتخاذ الوقاية مما يحُذر منه، ثم أطلق على معان تخدمه، وهي التي لخصها عبد الحميد الفراهي (ت. 1930) في مفرداته، فرأى أن الاتقاء في أصل معناه يكون من خوف ضرر. وعلى هذا يأتي على أربعة أوجه: الأول هو التحفظ عما يخاف الضرر منه، والثاني هو الخوف من شرّ، والثالث هو التخشّع بين يدي المنعم القدّوس الذي يرحم على الشاكر البارِّ، ولا يرضى بالكفر والإثم، وهو العالم بكل شيء. وبهذا الوجه يشبه “الرهبة”، والرابع هو الوجه الجامع للوجوه الثلاثة، ويدل على التحفّظ عن الإثم من خوف نتائجه السيئة ومن خوف سخط الرب. وهذا المعنى الجامع يراد منه كثيراً إذا جاء مجرداً عن المفعول. ويعبّر عنه بالتقوى، “فالمتقي بهذا المعنى: من أُشِربَ قلبهُ تعظيمَ الرب وخوفَ سخطه ونتائج الإثم. ولذلك كثر في القرآن مدح المتقين ومقابلتهم بالمجرمين الطاغين” (الفراهي 2002، 256–254)‫.‬

وذهبت كتب التعريفات إلى تعريف التقوى بواحد من وجوهها التي أشارت إليها كتب الوجوه والنظائر والمفردات، أو المعاني التي يحصل بها الاتقاء، فاختلف معناها اصطلاحاً في كتب التعريفات بين أن تكون موقفاً ذا بعد إيجابي بالطاعة أو سلبي بترك المعصية أو كليهما أو ما يحققهما (الجرجاني 1983، 65؛ المناوي 1990، 106؛ الكفوي 1998، 299، 944؛ الأحمد نكري 2000، 232/1)، لكن أبا هلال العسكري يؤكد أن الطاعة تختلف عن التقوى، وأن “التقوى: كف النفس عما نهى الشارع عنه حراماً كان أم مكروهاً.” ويرى أن هذا الفرق “هو المناسب لمعناهما عند اللغويين أيضا” (العسكري 1412هـ، 137)، ويترقى الإنسان في مدارجها فـ “يُقَال التَّقْوَى ضمام الْخَيْر كُله” (الزمخشري 1998، 587)‫.‬

إذًا يجمع الجذر اللغوي العربي لكلمة تقوى ومشتقاته بين معاني الحذر واتخاذ وسائل الحماية والقوة، سواء أكان ذلك لحفظ النفس عمومًا، أو لتجنب أذى شيء محدد، وسواء أكان هذا الاتقاء بالحذر عمومًا أو باتخاذ شيء ما وسيلة لاتقاء شيء آخر، وهو بذلك يقترب من معاني الجذر السامي، مع اختلاف في بؤرة المعنى، فمعنى الجذر العبري يرتكز على الرجاء كأصل، وقوة هذا الرجاء هي تبع في المعنى وصفة للمعنى الأساسي، بينما بؤرة المعنى في الجذر العربي هي قوة الحماية والحذر، والمستقبل تبع فيه إذ هو توقٍ من شر قادم أو قد يأتي، فالنجاة من هذا الشر هي المعنى التبعي لاتخاذ ما يتقوى به وهي الغاية منه‫.‬

إن اتخاذ أسباب القوة المؤدية للتحصن والمستمد من الجذر (وقي) تدعمه النظرية التي تؤكد تضافر وتكامل الجذور التي تشترك بنفس الحروف، فيكون الجذر (قوي) داعماً لمعنى اتخاذ أقوى ما يمكن الاحتماء به، فمن يتقي يمتلك القوة التي تبعث فيه طمأنينة تجاه المخاطر التي يحذر أن تواجهه في المستقبل. هذا المعنى اللغوي المعجمي والتاريخي الجامع بين عناصر (التحصين القوي للنفس، والتطلع إلى النجاة من الأذى) سيتعمق ويتسع في سياقه الديني ليرتبط بحصانة أخلاقية تجنب الإنسان من الوقوع في الشر، وتبعاً لذلك تهيء لنجاة أخروية، وهذا ما سنحاول استحضاره في فهم السياقات القرآنية‫.‬

2 الدرس السياقي النصي والتاريخي لمعنى التقوى في القرآن

لفهم أدق للمفردة القرآنية ينبغي الإحاطة بتصور عام عن تواترها في النص القرآني، وتوزعها بين المكي والمدني، وطبيعة الاشتقاقات المستخدمة فيه، ومن ثم معرفة سياقاتها، ودلالات تلك السياقات والاشتقاقات في لحظة تنزلها التاريخية، وما تحمله من معطيات تساعد في فهم المفردة، وملاحظة تطور تلك الدلالات مع التطور الزمني للاستخدام، وكيف يمكن للسياق القرآني في كل مرحلة أن يقدم إضافة تسهم في تجلية المعنى وفهمه، بما هو تطور في استعمال المفردة، وتجلية للمعنى الأساسي المكنون في المفهوم وفي بنية النص القرآني ككل، ونظرًا لصعوبة الإحاطة بجميع هذه التفاصيل المتصلة بجذر شديد التواتر في القرآن، سأكتفي بتقديم سرد إحصائي يلخص تواتر مشتقات لفظ “التقوى” في القرآن، مع تسجيل ملاحظات لما يمكن أن يبنى عليه، ثم أتبعه بتحليل موارد ذكر “التقوى” في الآيات المكية الأقدم نزولاً، معتمدًا في ذلك على الترتيب المتعارف عليه في علوم القرآن، والذي رغم الاختلاف في رواياته لا يؤثر جوهريًا على الغرض من النظر في ترتيب النزول، كما أن الترتيب الذي تزعمه الدراسات الاستشراقية لا يختلف كثيرًا ولا يؤثر اختلافه في نتائج البحث، ثم سأصنف ما تبقى من الآيات في ضوء دلالة السياقات المتشابهة من زوايا عدة، وسأسجل في كل منها ما يمكن الإفادة منه في بناء معنى “التقوى”‫.‬

2.1 مدخل إحصائي

تواتر ذكر اشتقاق جذر (و ق ي) في القرآن حسب المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم (عبد الباقي 1364هـ، 758–761) نحو 257 مرة منها 111 مرة في آيات مكية و146 مرة في آيات مدنية، استخدمت اشتقاقات الجذر في نحو 16 موضعاً منها بمعان لغوية، ومن جملة الاشتقاقات استخدمت صيغة الاسم 76 مرة بالتساوي بين الآيات المكية والمدنية (38 مرة في كل منها)، و 181 مرة بصيغة الفعل 73 منها في آيات مكية و108 في آيات مدنية، ويغلب على صيغة الفعل صيغة الأمر (23 مكية، 56 مدنية)، ويلاحظ من مجمل اشتقاقات جذر التقوى أن الصيغة المتعلقة بالفرد (الفعل أو الاسم) لا تتجاوز 30 مرة. كما استخدمت صيغة المصدر “التقوى” سبع عشرة مرة (خمس آيات منها مكية)، وهي أقدم ذكر للفظ مشتق من جذر (وقي)، فقد وردت في أول سورة أنزلت من القرآن وهي سورة العلق (الآية: 12)،‫2‬ كما ورد لفظ “التقوى” في آخر سورة أنزلت من القرآن وهي سورة التوبة (الآية: 108)، والتي تكرر فيها لفظ التقوى واشتقاقاته في تسعة أماكن، فكان آخر الاستخدامات في السورة ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ (التوبة: 123)، كما كان الأمر بالتقوى موضوع آخر آية أنزلت من القرآن ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: 281). هذه الإحصاءات تقدم لنا معطيات ينبغي أخذها بالاعتبار لفهم معنى التقوى في القرآن، منها‫:‬

  • ثمة تقارب بين الآيات المكية والمدنية في استعمال مشتقات مفردة التقوى، وهذا يعني أن “التقوى” مفهوم استقر مبكراً، بل إن صيغة المصدر “التقوى” هي أول استخدام له مع أول ما أنزل من القرآن، وهذا يدل على استقرار معنى التقوى لدى المخاطبين ابتداء، وأن معناها الإجمالي كان مكتملاً قبل نزول التشريع‫.‬

  • إن استخدام صيغة الفعل أكثر من ضعف صيغة الاسم في الآيات المكية والمدنية على حد سواء يدل على الطابع العملي لمفهوم التقوى في حياة المكلفين، وغلبة استخدام صيغة فعل الأمر التي تطور ورودها إلى أكثر من الضعف في الآيات المدنية (23 مكية، 56 مدنية) يدل على مركزية التقوى في التدين وخطاب التكليف‫.‬

  • الغلبة الساحقة لصيغ الجمع في الأفعال والأسماء يدل على مكانة التقوى في حياة الجماعة التي ينشدها القرآن‫.‬

2.2 دلالات موارد ذكر التقوى واشتقاقاتها في الآيات المكية الأولى

الاستخدام الأول: أول ورود لاشتقاقات الجذر (و ق ي) هو لفظ “التقوى” في أول سورة أنزلت من القرآن الكريم، وقد جاء في سياق خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يتضمن صيغة تعجب واستنكار لتصرف المشركين في موقفهم المعاند لدعوته، فيترقى خطاب التعجب من أن المعاند لدعوته (تذكر التفاسير أنه أبو جهل عمرو بن هشام) ليس فقط ينهى من يمارس الصلاة، بل ينهى من يمكن أن يكون على الهدى، ومن يأمر بموقف أخلاقي معترف به هو التقوى ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى – عَبْدًا إِذَا صَلَّى – أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى – أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ (العلق: 9–12). إن صيغة “التقوى” في هذا السياق النصي والتاريخي، المُعَرَّفة بأل التعريف الدالة على الجنس أو العهد، وفي لحظة مبكرة جداً من نزول القرآن، وفي إطار جدل بين الرسول والمشركين، تدل على أن التقوى كانت مفهومة المعنى من قبل المشركين والمخاطبين عموماً في تلك الفترة، وأنها تدل على فضيلة يُتعجب من موقف من ينكر الأمر بها والدعوة إليها، وكأن الآية تخاطب أبا جهل والمشركين أنه إن كان مفهوماً أن تمنعوا الرسول من الصلاة كونكم لا تؤمنون بدعوته، فمن غير المنسجم ألا تلاحظوا أنه يمكن أن يكون على الحق، وأنه يأمر بالتقوى، تلك الفضيلة التي لا تنكرونها، والتي ألفتم الأمر بها والحث عليها في أشعاركم. كما يدل اقتران ذكر الأمر بالتقوى مع ذكر الهدى على اختلافهما، فالهدى يتعلق بالدين الذي يدعو إليه الرسول، والتقوى تتصل بسِمة أخلاقية يتنافس فيها البشر‫.‬

هذه المعطيات النصية التي يدل عليها تاريخ الآيات الأولى التي ذكرت فيها “التقوى” وسياقها النصي لم تُلَاحظ من قبل المفسرين الذي اعتمدوا ترتيب المصحف في تفسير الآيات دون التنبه إلى دلالات السياق المبكر، مما جعلهم عند تفسير “التقوى” في أواخر السور في المصحف يستصحبون المعنى الذي قرروه في الآيات المدنية في أوله، فتم تفسيرها بوجوه رديفة للهدى والإيمان، ففسرها مقاتل (ت. 150هـ/767م) (ابن سليمان 1423هـ، 763/4) بالإخلاص، والطبري (ت. 310ه/923م) (الطبري 2001، 535/24) – ترجيحا لقول قتادة – بالخوف من عقاب الله، والسمرقندي (ت. 373ه/983م) (السمرقندي 1993، 494/3) بالتوحيد، والبغوي (ت. 516هـ/1122م) (البغوي 1420هـ، 282/5) بكليهما، والطوسي (ت. 460هـ/1050م) (الطوسي د.ت.، 381/10) باتقاء معاصي الله، والفخر الرازي (ت. 606هـ/1210م) (الرازي 1420هـ، 223/32) بالأمر بإصلاح غيره، ووصفها البقاعي (ت. 885هـ/1480م) (البقاعي د.ت.، 165/22) بأنها “عماد الدين، وهي عمارة الباطن بالنور الناشئة عن الهدى، وعمارة الظاهر لذلك، المترشحة من عمارة الباطن”. إن الذي يجمع بين اختيارات المفسرين هو ربط معنى التقوى بالجانب النفسي والشعور الداخلي لدى الإنسان، والذي يحفز الإنسان على الابتعاد عن الشر والمعصية، ويتفاوت تفسير هذا الشعور لدى الإنسان بين أن يكون الإيمان بالله أو الخوف منه أو ما يترتب عليهما من موقف يحول دون ارتكاب المعصية أو يدفع لفعل الخير‫.‬

الاستخدام الثاني الأقدم لمشتقات مفردة “التقوى” هو صيغة جمع اسم الفاعل “المتقين”، والذي ورد في ثاني سورة أنزلت “سورة القلم”، ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (القلم:34)، وبالرجوع إلى سياق السورة النصي نلاحظ أنها تضمنت في مطلعها التنويه بخُلق الرسول صلى الله عليه وسلم ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4)، مقابل سوء أخلاق أعداء دعوته، ثم ذكرت السورة مثلاً قصة أصحاب الجنة الذين قرروا حرمان المساكين من خيراتها، ومن ثم دمارها، مع التنويه بموقف أوسطهم ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ (القلم: 28)، ثم ذكرت تعلقهم برجاء أن يعوضهم الله خيراً منها ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ (القلم:32)، ثم تأتي الآية التي ذكر فيها المتقون لتبين بصيغة التأكيد مستقبل المتقين وهو النجاة والنعيم، ثم تتبع بآية تفيد التعجب والاستنكار من المشركين في موقفهم من الدعوة ﴿أفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ – مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (القلم: 35، 36)، وهو موقف شبيه بالاستنكار الوارد في سورة العلق، ويتضمن معطيان جديدان الأول بدء ربط التقوى بمعنى ديني غير مباشر حيث تضع الآيات المسلمين نموذجاً للمتقين الذين استجابوا للرسول الذي يأمر بالتقوى وأن خصومهم هم المجرمون وهم أتباع من ينهى من يأمر بالتقوى، والثاني تحديهم في الآيات اللاحقة أن يكون لديهم ما يمكن أن يقوي موقفهم من المستقبل، في إشارة إلى عدم تقواهم وبالتالي ضعف أملهم في النجاة، مقابل الثقة لدى المتقين بمستقبلهم‫.‬

إن سياق السورة النصي والتاريخي يحمل معطيات جديدة في مفهوم التقوى، وهي‫:‬

  • تنتقل السورة من شخصية الرسول (الآمر بالتقوى – سورة العلق) والموصوف بالخلق العظيم هنا، إلى الحديث عن المستجيبين لأمره بالتقوى (المتقون)، وهم المسلمون الذين يقابلهم من أعرض عن التقوى وهم المجرمون‫.‬

  • إن وصف الرسول بالخلق العظيم، ووصف خصوم المتقين (المسلمين) بالمجرمين يعزز البعد الأخلاقي لمفهوم التقوى، والذي يتأكد بقصة أصحاب الجنة التي ذُكرت مثلاً لموقفين أخلاقيين ومصيرهما، وتعلقهم بالأمل بعد ندمهم، وكان محور الموقفين متصلاً بالعطاء والشح‫.‬

  • تم الحديث عن “المتقين” مباشرة بعد ذكر قصة أصحاب الجنة، وبصيغة التعريف الدالة على وضوح المقصود بهم لدى المخاطبين‫.‬

  • الموضوع الأول والأهم الذي يرتبط به ذكر المتقين هو المستقبل والنجاة المؤكدة، في مقابل غياب أي مؤشر يقوي أمل خصومهم‫.‬

وقد درج المفسرون في هذا السياق على ما ألفوه من تفسير التقوى بأنها اتقاء عقوبة الله بأداء فرائضه، أو اتقاء معاصيه وفعل طاعاته، أو التدرج باتقاء الشِّرك والكُفر ثم المعاصي والفِسق‫3‬، ومنهم من جعل التقوى هنا هي الإسلام (الماتريدي، ت. 333هـ/944م) (الماتريدي 2005، 150/10)، وينفرد البقاعي (ت. 885هـ/1480م) (البقاعي د.ت.، 317/20) بالتركيز على المعنى الخاص بالمفهوم، فيرى أن المتقين وصف خاص بـ”العريقين في صفة التقوى خاصة دون غيرهم ممن لا يتقي”، وأن التقوى هي “الاحتراز بالوقاء الحامل عليه الخوف من المؤذي، الحامل عليه تجويز الممكنات”، فـ “المتقي لا يتحرك ولا يسكن إلا على بصيرة من رضا الله بذلك، فلا يفعل أحد منهم شيئاً من تلك الآثار الخبيثة التي تقدمت للمكذبين، فحازوا الكمال بصلاح القوة العملية الناشىء عن صلاح القوة العلمية”، فينتهي إلى أن التقوى بصيرة خُلقية في نفس المتقي تحول دون وقوعه فيما هو مؤذ، وهذه البصيرة ناتجة عن رؤية علمية هي الهداية‫.‬

الاستخدام الثالث لمشتقات مفردة “التقوى” ورد في ثالث سورة أنزلت (سورة المزمل)، وبصيغة الفعل الموجه للمخاطبين، عقب آيتين، تقارن إحداهما بين الرسول (الآمر بالتقوى) الذي يخاطبهم، وبين موسى الذي أرسل إلى فرعون ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15)﴾، والأخرى تذكر بمصير فرعون ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (16)﴾، ثم تأتي هذه الآية لتسأل المخاطبين ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًۭا يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَٰنَ شِيبًا﴾ (المزمل:17)، ويتردد معنى التقوى هنا بين أن يكون اتقاء عذاب ذلك اليوم (مقاتل: ت. 150هـ/767م) (ابن سليمان 1423هـ، 477/4) فيكون معنى لغوياً من الوقاية، وأن اتقاء هذا اليوم لا يتأتى مع الكفر، أو أن يكون وقاية النفس من العذاب يوم القيامة، وهو معنى لغوي أيضاً (الزمخشري، ت. 538هـ/1143م) (الزمخشري 1407هـ، 641/4)، أو أن يكون معنى التقوى الخاص وهو أنه لن يتأتى لكم في الآخرة العمل بالتقوى لتجنب العذاب بعد أن كفرتم بالدنيا ولم تصدقوا.4

وأياً يكن معناها فهي تحمل دلالتين في تأصيل مفهوم التقوى، الأولى هي معنى التحصن من مخاطر مستقبل آت وهو الآخرة، والثاني أن هذا التحصن من مخاطر يوم الحساب تحصن أخلاقي-ديني لا يتأتى مع الكفر والجحود، وهذا يضفي على معنى التقوى بعد الثقة بالنجاة والتي يتمتع بها المؤمن، وبُعد القلق لدى من جحد الحساب فلم يؤمن ولم يتق، وسيتكرر الاقتران بين التقوى والمستقبل كثيراً في الآيات التي ورد فيها ذكر التقوى‫.‬

الاستخدام الرابع لمشتقات مفردةالتقوى” ورد في رابع السور نزولاً (سورة المدثر)، وقد استخدمت فيها صيغة المصدر المستخدمة في المرة الأولى “أو أمر بالتقوى”، لكن هذه المرة بالإضافة إلى الله تكريساً للمعنى الديني للتقوى، وذلك بعد الإشارة إلى موقف المنكرين للآخرة مع تذكيرهم بضرورة اتخاذ موقف ﴿كَلَّا بَل لَّا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾، ثم تأني هذه الآية ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ هُوَ أَهْلُ ٱلتَّقْوَىٰ وَأَهْلُ ٱلْمَغْفِرَةِ﴾ (المدثر:56)، فأضافت الآية التقوى إلى الله بمعنى أنه أهلٌ أنْ تُتقى محارِمُهُ (زيد بن علي، ت. 120هـ/740م، الصنعاني، ت. 211هـ/826م نقلاً عن قتادة) (زيد بن علي د.ت.، 445؛ الصنعاني 1999، 367/3)، أو أهل أن يتقى ولا يعصى‫5‬، أو تتقى الزلة والعثرة في حقوقه تعالى تبجيلًا وتعظيمًا، أو خوفاً، أو استحياء منه (الماتريدي ت. 333هـ/944م) (الماتريدي 2005، 332/10). وذهب الماتريدي والبقاعي أيضاً (البقاعي د.ت.، 80/21) إلى إمكانية صرف الإضافة إلى البشر “فيكون معنى قوله: (هو أهل التقوى) أي الذي يقوم بالذكر”، فأهل التقوى هم المؤمنون بالآخرة والذين يتذكرونها، وبكلا المعنيين في تحديد الإضافة فالسياق يؤكد البعدين في معنى التقوى، اتخاذ أسباب الحصانة من الوقوع في الشر من خلال تذكر المستقبل الذي يتحدد من خلال طبيعة الموقف، فالمؤمن يربط تقواه بالله لأنه (أهل التقوى) ومن خلاله يطمئن لمصيره ويطمع بمغفرته، أو أن الذي يتذكر الآخرة هو أهل لأن يتقي وأن ينال المغفرة، فالتفكر في الآخرة من شأنه أن يعزز التقوى التي تجلب نجاة ومغفرة من الله‫.‬

الاستخدام الخامس لمشتقات لفظ التقوى ورد في السورة التاسعة حسب ترتيب النزول (سورة الليل) حيث ورد فيها اشتقاقان: الأول صيغة الفعل الماضي المتضمن الإخبار عن أحوال واحد من المتقين ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ﴾ (الليل:5)، والثاني صيغة اسم التفضيل المتضمن الإخبار عن مصير من وصفت حاله ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلْأَتْقَى﴾ (الليل:17)، وتتضمن الآيتان في سياق السورة (5–21) عدداً من الاقترانات والمقابلات المهمة التي يمكن أن تضيف معطيات في فهم معنى التقوى، وتتلخص بالمقارنة بين حالتين تتضمن كل منهما موقفاً وهدفاً وأثراً، فمن خلال سياق السورة نلاحظ أن الحديث عن التقوى (اتقى / الأتقى) هو المحور، فتضمنت الآيات صورتين متقابلتين لشخصيتين (إيجابية وسلبية) محور التقابل بينهما هو “التقوى”، فذكرت من أوصافهما، ما يتصل بالفعل نفسه وغايته (الإعطاء رغبة في تزكية النفس ولوجه الله وليس مقابل مصلحة مادية، والثقة بالمآل الحسن الموعود من الله/ يقابل هذا الموقف البخل والاستغناء والتكذيب)، وما يتصل بنتيجة هذا الفعل المستقبلية (التيسير في الدنيا، وتجنب العذاب في الآخرة والحصول على ما يرضي/ يقابله العسر في الدنيا، والشقاء في الآخرة).

إن مدلول السياق النصي فيما يخص مفهوم التقوى في الآيات يمكن أن نلخصه في النقاط الآتية‫:‬

  • ثمة ربط في الآيات بين التقوى والثقة بالمستقبل القريب والبعيد (الأولى والآخرة)‫.‬

  • التقي يقوم بالأعمال النابعة من التقوى لذاتها (لوجه الله) ولا يعلقها على الجزاء، وهذا بعد ديني إضافي لمفهوم التقوى‫.‬

  • يحرص التقي على تطهير نفسه والارتقاء بها من خلال ما يقوم به من أعمال التقوى (إيتاء المال- يتزكى)‫.‬

  • من لا يتصف بالتقوى لا يملك الثقة بالمستقبل، وإنما يعتمد على المادي من المعطيات، فيبخل بماله، ويستغني بنفسه، ويقوده ما يظنه يسراً إلى ما هو عسير في المآل القريب، والشقاء في المآل البعيد‫.‬

  • التقوى تكتنف معنى الطمأنينة والثقة بالمستقبل، وغيابها يعني القلق وحصول ما يحذر منه‫.‬

وبخصوص السياق التاريخي للآيات أشار مقاتل (ابن سليمان 1423هـ، 721/4) وعموم المفسرين إلى أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق، وفسرت التقوى باجتناب المحرمات والمعصية (الطبري 2001، 460/24، الزمخشري 1407هـ، 762/4)، أو اتقى الشرك والكفران لنعمه وصدَّق بموعود الله تعالى، وَسَيُجَنَّب النار بوصفه ٱلْأَتْقَى أي بالأعمال التي يعملها بدافع التقوى (الماتريدي 2005، 555/10)، ونظرا لكون الآية واردةٌ في الموازنةِ بين حالتَيْ عظيمٍ من المشركين وعظيمٍ من المؤمنين، فأُريد أَنْ يُبالَغَ في صفتَيْهما المتناقضتَيْن فقيل: الأشقَى والأتقى (الحلبي د.ت.، 31/11) ، فقابل بين الذروة من الشقاوة والكفر والذروة من رتبة التقوى وهو الذي اتقى الشرك والمعاصي (البقاعي د.ت.، 94/22).

الاستخدام السادس لمشتقات لفظ التقوى ورد في السورة الثالثة والعشرين حسب ترتيب النزول في قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلْإِثْمِ وَٱلْفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌۭ فِى بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوٓا۟ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ﴾ (النجم :32) ، إن أهم ما تضيفه هذه الآية في دلالة مفهوم التقوى، أن التقوى أمر داخلي في نفس الإنسان لا يعلمه إلا الله، وأن التفاضل عند الله لا يرتبط بتزكية الناس إنما بما يعلمه الله من تقواهم التي بها يتفاضل الناس عند الله، وقد جاءت هذه الآية عقب آية تبين تحقق وعد الله بالجزاء على العمل ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ (النجم: 31) ، فتكون بذلك مؤكدة للعلاقة بين التقوى والثقة بالجزاء الإلهي الموعود، فمن اتقى هو من أحسن (وتزكى ولم يزكِ نفسه بما عمل واجتنب كبائر الإثم والفواحش)، فيجزى بالحسنى، التي صدق بها (كما في سورة الليل)‫.‬

وكالعادة يكرر المفسرون في هذا السياق أيضًا معان عامة للتقوى تتراوح بين اتقاء الشرك بالإيمان، أو اجتناب المعاصي والمناهي خوفاً من العقوبة، أو البر والطاعة والإخلاص، وعبر البقاعي (ت. 885هـ/1480م) عن معنى الآية بقوله: “جاهد نفسه حتى حصل فيه تقوى، فهو يوصله فوق ما يؤمل من الثواب في الدارين، فكيف بمن صارت له التقوى وصفاً ثابتاً” (البقاعي د.ت.، 69/19)‫.‬

الاستخدام السابع لمشتقات لفظ التقوى ورد في السورة السادسة والعشرين نزولاً، وهي سورة الشمس التي تتحدث عن خلق الإنسان ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾ (الشمس: 7–10)، وأهم ما يشير إليه السياق في هذه الآية أن التقوى مُلْهَمَةٌ من الله، وكذا ضدها (الفجور)، ويمكن للإنسان أن يزكي النفس قترتقي بصاحبها ليكون الأتقى ويفلح في مستقبله، أو يحول بينها وبين فعل الخير فتدنو بصاحبها إلى الفجور فيكون الأشقى، ومن ثمة الخيبة، وقد تابعت الآيات من السورة مثلاً للحالة السلبية من ثمود. إنَّ سياق السورة في هذه الآية يعطي إضافات مهمة لتأصيل مفهوم “التقوى”، منها‫:‬

  • معرفة التقوى والفجور ملكتان ملهمتان من الله، منذ بدء الخلق، وتشيران إلى نوازع الخير والشر في الإنسان، ويمكن للإنسان بهما أن يميز بين ما هو خير وما هو شر‫.‬

  • يمكن للإنسان أن يطور في نفسه ملكة الخير فتضمن له الفلاح في المستقبل، كما يمكن أن يحول بينها وبين فعل الخير فتتصف بالفجور والطغيان وتورده المهالك‫.‬

  • الحديث عن التقوى بوصفها وازعاً داخلياً لدى الإنسان لفعل الخير، يعزز كونها أمراً سابقاً على الوحي والتشريع، وأنها قيمة تكوينية مشتركة بين الخلق، ومن ثم عززتها رسالات الأنبياء وأضفت عليها بعداً دينياً‫.‬

  • في كلتي الحالتين (التقوى والفجور) لم يغب عنصر المستقبل المرتبط بالموقف السلوكي (أفلح / خاب)، وهو ما تكرر في المواطن الأخرى‫.‬

  • ثمة ارتباط وثيق بين التزكية والتقوى، بمعنى أن وازع الخير التكويني لدى الإنسان يستلزم تنمية وعناية به ليرتقي بصاحبه، ولهذا كانت التقوى الموضوع المركزي للتدين، فمجرد وجود الوازع لا يكفي ليتحقق الأثر‫.‬

  • كون التقوى مرتبطة بالنفس والدوافع الداخلية يؤكد ما أشارت إليه آية سورة النجم من اختصاص علمها بالله‫.‬

يرى المفسرون أن قوله “فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا” أي “علمها الضلالة والهدى” (ابن سليمان 1423هـ، 711/4)، أو “عرفها سبيل الخير، وسبيل الشر، وهو مثل قوله: “وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ” (الفراء 1983، 266/3) ، “فبين لها ما ينبغي لها أن تأتي أو تذر من خير، أو شر أو طاعة، أو معصية” (الطبري 2001، 440/24)، أو “جعل في نفسها ما يبين القبيح من الحسن والخبيث من الطيب” (الماتريدي 2005، 542/10)، “ومعنى إلهام الفجور والتقوى: إفهامهما وإعقالهما، وأنّ أحدهما حسن والآخر قبيح، وتمكينه من اختيار ما شاء منهما” (الزمخشري 1407هـ، 759/4)، فـ “عرفها طرق ذلك وجعل لها قوة يصح معها اكتساب الفجور أو اكتساب التقوى” (ابن عطية 1422هـ، 488/5)، “وإلهام الفجور والتقوى إفهامهما وتعريف حالهما أو التمكين من الإتيان بهما” (البيضاوي 1418هـ، 315/5)، “وتعدية الإِلهام إلى الفجور والتقوى في هذه الآية مع أن الله أعلَم الناس بما هو فجور وما هو تقوى بواسطة الرسل باعتبار أنه لولا ما أودع الله في النفوس من إدراك المعلومات على اختلاف مراتبها لما فهموا ما تدعوهم إليه الشرائع الإلهية، فلولا العقول لما تيسّر إفهامُ الإِنسان الفجور والتقوى، والعقابَ والثواب” (ابن عاشور 1984، 370/30)‫.‬

2.3 دلالات موارد ذكر التقوى واشتقاقاتها في مجمل الآيات المكية والمدنية اللاحقة

ما سبق من دلالات مستخلصة من الآيات المكية الأولى سنختبر ما يؤكدها في الآيات اللاحقة من خلال استقراء مجمل تواتر مشتقات التقوى في الآيات المكية والمدنية في القرآن، وتلخيص ما اقترن به ذكر التقوى في سياقاتها، وقد لاحظت تشابهًا وتكاملًا في الدلالات المؤثرة في ضبط المفهوم في الآيات المكية والمدنية، مع تطور في الشواهد والأمثلة والموضوعات، وسأعرض تلك الشواهد مميزا بين الشواهد المكية والمدنية إن كان هذا التمييز يحمل دلالة محددة‫:‬

2.3.1 البعد الإنساني والديني لخطاب التقوى في القرآن

إن أهم ما يثير الانتباه في خطاب التقوى في القرآن أنه ذو بعد تاريخي مرتبط بوجود الإنسان، فهو موجه لبني آدم (الأعراف: 35) وكان مفهوماً مستقراً في المناظرة بين ولدي آدم (المائدة: 27) (حللي 2015، 53)، وبالتالي فمدلوله إنساني لا يخص أتباع الأنبياء فقط، لذلك جاء الأمر بالتقوى لعموم الناس (لقمان:33 )، وتكرر ذلك في الآيات المدنية مع ربط ذلك بالأصل الواحد للإنسان (البقرة: 21، النساء: 1، الحج: 1)، بل تؤكد سورة الحجرات (من السور المدنية المتأخرة، ترتيب نزولها: 106) أن التقوى هي معيار التفاضل بين الناس، فأكرم الناس أتقاهم (الحجرات: 13)، ولأجل البعد الإنساني في مفهوم التقوى خوطب بها العقلاء أولو الألباب (الطلاق: 10، المائدة: 100). وبالإضافة إلى خطاب عموم الناس بالتقوى خُصَّ بعضهم بالخطاب، فأُمِر النبي بالتقوى (الأحزاب: 1) وخص بالأمر بالتقوى أشخاص أو جماعات كزيد (الأحزاب: 33)، ونساء النبي (الأحزاب: 32، 55) كما أمر بها المؤمنون وبنو إسرائيل وأهل الكتاب‫6‬، وهذه الخصوصية في الخطاب لا تلغي بعدها العام، إنما تشير إلى المكانة التي أخذتها التقوى في الدين عبر التاريخ لاسيما وقد أصبحت تضاف إلى الله بوصفِه ملهماً لها، ويؤكد هذه المكانة الدينية اقتران ذكر الإيمان والتقوى في آيات كثيرة7، ووُصف المتقون بأنهم من آمنوا وعملوا الصالحات، ويقابلهم الفجار الذين وُصِفُوا بأنهم المفسدون في الأرض (سورة ص: 28)، وكان من طموح المؤمنين إمامة المتقين (الفرقان: 74). كما لوحظ اقتران ذكر الهداية والتقوى8، وجُعلت التقوى هي الغاية من عبادة الله (البقرة: 21)، فهي تدعو المؤمنين إلى الشكر (آل عمران: 123)، وإلى تعظيم شعائر الله (الحج: 32) فيما يترفع المتجبرون عن النصح بالتقوى (البقرة: 206). وتأكيداً لمكانة التقوى في الدين تواترت الآيات المكية التي تشير إلى أن التقوى موضوع مركزي في دعوة الرسل،9 كما أُمروا بالصبر في الدعوة على أمل أن يتجه الناس للتقوى (الأعراف: 164)، ووصف بعض الأنبياء بالتقوى (مريم: 13)، كما أن آيات الله والكتب المنزلة (التوراة والإنجيل والقرآن) وما ذكر فيها إنما هي لأجل حث الإنسان على التقوى10، وأُشِير إلى أن التقوى والإصلاح هي الاستجابة الطبيعية لدعوة الرسل (الأعراف: 35)، والمتقون أولى من يعتبر بآيات الله.11

وعليه يمكن أن نستخلص مما سبق أن التقوى مرتبطة بوجود الإنسان، فهي ذات بعد إنساني، وسابقة للتشريع ومفارقة له، ولذلك خوطب بها الناس، وغدت معيار تفاضلهم حتى بعد اكتمال التشريع، وهذا يعني أنها مستقلة عنه وأهم منه. وهي مفهوم مركزي في رسالات الأنبياء وكتب الله المنزلة، وقد دعا الرسل الناس إليها بوصفها مفهوماً معهوداً لديهم، وموقفاً أخلاقياً يدركون مكانته، وأخذت بعدها الديني في جميع الرسالات غاية للعبادة، وقرينة للإيمان، وبها تتحقق الهداية، وبالتالي هي غير الإيمان وليست العبادة نفسها‫.‬

2.3.2 البعد النفسي الداخلي لمفهوم “التقوى”

وردت عدة آيات تشير إلى أن التقوى أمر داخلي يستشعره الإنسان، ويمثل بصيرة لديه يواجه به وساوس الشيطان “إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ إِذَا مَسَّهُمْ طَٰٓئِفٌۭ مِّنَ ٱلشَّيْطَٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ” (الأعراف: 201)، فالتقوى أمر باطن “تقوى القلوب” (الحج: 32، الحجرات: 3) يعلمه الله (آل عمران: 116، التوبة: 44، 123)، ولتأكيد هذا المعنى ختمت الآيات بعد ذكر التقوى فيها بالتذكير بعلم الله وأنه خبير بأعمال الناس‫12‬، ولكونها أمراً يرتبط بالإرادة والتفكير تم تخصيص وصف المخاطبين بأولي الألباب (الطلاق: 10، المائدة: 100)‫.‬

هذه القرائن تشير إلى أن محل التقوى الباطن والدوافع ولا يمكن تعريفها بأفعال التشريع (امتثالاً أو تركاً) والتي جُعلت التقوى غاية لها، فالطاعة وترك المعصية ليسا عين التقوى، إنما يساعدان في تنمية التقوى وتحقيقها، فهي موقف أخلاقي سابق يسعى التشريع للمساعدة في تمثله. ووصف المتقين بأنهم يمتلكون بصيرة تدفع وساوس الشيطان (التي هي دوافع الشر)، يعني بالضرورة أن التقوى تمثل دوافع الخير التي تحول دون الوقوع في الشر وآثاره، وفي هذا تأكيد لمعنى الإلهام الإلهي للنفس تقواها وفجورها، وأنَّ التقوى موقف أخلاقي يستند إلى مراقبة الدوافع واتقاء السيء منها، وتورث لدى المتقي طمأنينة تُبَصِّره بما يتخذه من مواقف، ولهذا البعد المكثف لمفهوم التقوى أثره في عدِّها أهم المفهومات الأخلاقية كما سأشير لاحقًا‫.‬

2.3.3 الثقة بالمستقبل المرجو من التقوى

القرينة الأكثر تواتراً في سياقات الحديث عن التقوى هي ما يرجى من التقوى في المستقبل القريب أو البعيد، فتواتر مع ذكر التقوى التأكيد على المستقبل الدنيوي الإيجابي للتقوى (الأعراف: 96، 128، 158)، فغاية الأمر بالتقوى هي الرحمة التي تنال المتقين،‫13‬ والفلاح،‫14‬ وجعلَ الله المخرج (الطلاق: 2) واليسر (الطلاق: 4) والتأييد‫15‬ والفوز (النور: 52) للمتقين، والله معهم (البقرة: 194)، ويحبهم،‫16‬ وهم أولياؤه (الأنفال: 34)، أما المستقبل الأخروي فتحدثت الآيات المكية عن عاقبة المتقين في الآخرة واستحقاقهم النعيم، والرحمة، والنجاة،‫17‬ مع الحث على خشية الله (لقمان: 33) والتخويف من العذاب (الزمر: 16)، وأن من لم يلتزم التقوى سيتحسر عليها (الزمر: 57)، وأكدت الآيات المدنية نفس المعاني فتحدثت بخصوص المتقين عن الرفعة (البقرة: 212)، والقبول (المائدة: 27)، ورفع الجناح (المائدة: 93) وتكفير السيئات (المائدة: 65، الطلاق: 5)، والأجر العظيم في الجنة‫18‬ والحث على العمل للأنفس مع الأمر بتقوى الله (البقرة: 223)، إذ ﴿الْآخِرَةُ خَيْرٌۭ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ﴾ (النساء: 77)، كما ذَكَّرت آيات كثيرة بالمآل والمصير والجزاء والحشر،‫19‬ وأمرت بتقوى يوم الحساب والنار والعقاب لمن أعرض.‫20

هذه السياقات المكية والمدنية تؤكد ما قررته الآيات المكية الأولى من صلة بين التقوى والمستقبل المنتظر منها، وما أشرت إليه في تقرير معنى الجذر اللغوي الدال على قوة التحصن الناظرة إلى المستقبل. فتكون التقوى هي ثقة المؤمن بنفسه التي تبعث فيه الطمأنينة تجاه مستقبله، وتُبنى هذه الثقة على الرقابة التي يتضمنها معنى التقوى والذي يستند إليه المؤمن في سلوكه. وعنصر المستقبل المقترن بمعظم الآيات يشير إلى البعد الديني المتعلق بالآخرة، والذي يجعل من التقوى رقابة لا تستجيب فقط إلى الرقابة الداخلية على السلوك إنما تلحظ البعد الإيماني بالحساب وآثار عدم الالتزام بما تمليه التقوى‫.‬

2.3.4 التقوى والتشريع

اقتصر اقتران الأمر بالتقوى بالتكاليف الدينية في الآيات المكية على الأمر بالصلاة (الأنعام: 72، الروم:31 ) وإيتاء الزكاة (الأعراف: 156)، ثم توسع اقتران التقوى مع التكاليف الأخرى في التشريع المدني، فهي غاية الصيام (البقرة: 183)، واقترن ذكرها بأحكام الحج والعمرة،‫21‬ وأحكام الذبائح والطعام والصيد،‫22‬ وأحكام الأسرة كالرضاع والنفقة والطلاق وحقوق الأزواج والأرحام والأيتام،‫23‬ وأحكام المعاملات المالية كالربا والدين،‫24‬ أو الوصية (البقرة: 180)، وأحكام العهود والقتال وآثارها،‫25‬ وأحكام الجنايات والقضاء،‫26‬ والأحكام المتعلقة بالنهي عن السخرية والغيبة وسوء الظن (الحجرات: 12) والأمر بصحبة الصالحين (التوبة: 119)، واتقاء الفتنة (الأنفال: 25). كما اقترنت التقوى بعموم الأمر بالسمع وطاعة الله ورسوله وتقديره،‫27‬ والتوكل على الله (المائدة: 11)، وجعلت التقوى جوهر التكاليف (البقرة: 203)، فهي ما يصل إلى الله وليس شكليات الطاعات (الحج: 37)، وتعظيم الشعائر إنما يتأتى من التقوى (الحج:32)‫.‬

إن هذه العلاقة بين التشريع والتقوى تحمل دلالة عميقة على مكانة التقوى في التدين، والتي بدأت مبكراً في الآيات المكية، ثم اتسع الحديث عنها تدريجياً مع توسع آيات التشريع حتى شملت معظم الأحكام التكليفية لاسيما تلك المتصلة بالشعائر أو حقوق الناس، ويمكن ملاحظة أمرين من معاني الاقتران بين الحث على التقوى وآيات التشريع‫:‬

الأول: العلاقة بين التقوى والتشريعات المتعلقة بحقوق الله (الشعائر)، فالتقوى هي غاية التشريعات الشعائرية، بمعنى أن من شأن من يلتزم هذه التكاليف أن يصبح تقياً، لما تتضمنه من حفز على التزكية والسمو الأخلاقي الذي يحصن المكلف من الوقوع في الشر، إذ يستشعر المكلف رقابة الله عليه فيتعزز الجانب الأخلاقي في سلوكه، ومن جهة أخرى فإن الالتزام بالتكاليف إذا لم يكن مستنداً إلى دافع أخلاقي في العلاقة مع الله (التقوى) فإن التدين يفقد معناه، ويغدو شكليات جوفاء لا تحقق الغاية منها، لذلك تم التأكيد عليها كجوهر في العبادات والشعائر، وعليه فالتقوى في علاقتها بالتدين الشعائري ذات بعدين، إما أن تكون غاية للتكليف، أو دافعاً للالتزام به، فجوهر التدين خلقي ابتداء وغاية.

الثاني: العلاقة بين التقوى والتشريعات المتعلقة بحقوق الناس، يرد الأمر بالتقوى في هذه السياقات لتذكير الإنسان بأنها مرجع الحق الذي لا يخطئ، وإن أخطأ الناس في تقرير الحقوق، فالحاكمية الأخلاقية التي يعرفها الإنسان من داخله هي التي تقرر ما ينبغي أن يؤديه من حقوق الناس حتى وإن اقتضت التشريعات والمحاكم خلافه، فالتقوى هنا هي الرقابة الأخلاقية بدافعيها الفطري والديني على التزام الإنسان بأداء حقوق الآخرين‫.‬

فالاقتران بين التشريع والتقوى تأكيد على أن البعد الأخلاقي هو جوهر التدين وغايته، وأن التقوى ليست عين التشريع (طاعة وتركاً) إنما هي الموقف النفسي الخلقي وراء السلوك، فحيث كان التشريع مرتبطاً بالعلاقة مع الله كان التشريع معززا للجانب الخلقي (التقوى) وهي بدورها حافز على الالتزام به، وحيث كان التشريع مرتبطاً بحقوق الناس كانت التقوى رقيباً على النفس تحفزها على أداء الحق بدافع التزام أخلاقي يهيمن على الالتزام القانوني‫.‬

2.3.5 التقوى والقيم الأخلاقية

اقترنت التقوى بقيم أخلاقية تلازمها أو تستلزمها كالعفة،‫28‬ والصبر (يوسف: 90)، والصدق (الزمر: 33)، والإحسان (النحل: 128)، وتوسعت علاقة التقوى بهذه القيم وقيم أخلاقية أخرى في الآيات المدنية، فاقترنت بـ “البر”، فوُصِف الأبرار بأنهم الذين جمعوا الصدق والتقوى (البقرة: 177)، وأن البِرَّ من اتقى (البقرة: 189)، كما اقترن الحث على البرِّ والتقوى والإصلاح (البقرة: 224)، وأُمر بالتناجي بالبر والتقوى (المجادلة: 9)، والتعاون عليهما (المائدة: 2)، وفي هذه الاقترانات دلالة على الاختلاف بين البر والتقوى، فالبارُّ تقي وزيادة، والبرُّ رتبة أرفع من التقوى، فهو غاية التقوى كما عبر المفسرون (حللي 2017). كما اقترنت التقوى بالإصلاح،‫29‬ والعمل الصالح (المائدة: 93)، واقترنت بالإحسان،‫30‬ والقول السديد (الأحزاب: 70)، وبأداء الأمانة (البقرة: 283)، واقترنت التقوى بالصبر ووصف ذلك بأنه من عزم الأمور وفي ذلك دلالة على القوة التي يتحصن بها المتقي،‫31‬ ووُصف العفو (البقرة: 237)، والعدل (المائدة: 8) بأنهما أقرب للتقوى، فكلاهما يضمنان طمأنينة أخلاقية لأداء الحقوق لأهلها، واقترنت التقوى بالوفاء بالعهد (آل عمران: 76)، ونُفِيت التقوى عن ناقضي العهد (الأنفال: 56)‫.‬

إن التأمل في حقل القيم التي تحيط بمفهوم التقوى يشير إلى مستويات منها، محورها التقوى، فالمستوى الأول والأعلى قيم عليا تكون التقوى وسيلة لها، فترتقي بالإنسان ليصل إليها وهي قيمتا البرّ والإحسان، فهما أرفع من التقوى، والمستوى الثاني قيم هي من أعمال التقوى نفسها وهي الإصلاح والعمل الصالح، والقول السديد، والوفاء بالعهد، والمستوى الثالث قيم تقترب بالإنسان من التقوى وتدعوه للحفاظ عليها وهي الصبر والعفو والعدل. إن هذه العلاقة بين مجمل القيم الحافة بالتقوى تفيد أن التقوى ليست نظيراً أو واحداً من القيم الأخلاقية، إنما هي الموقف الأخلاقي النفسي المتمثل لتلك القيم والذي يسمو بها، فثمة أفعال أخلاقية يعبر القيام بها عن التقوى، كالإصلاح وقول الحق والوفاء، وثمة مواقف أخرى من شأنها أن تقترب بالإنسان من التقوى فيطمئن إلى سلوكه، كالعفو والعدل والصبر، فالتحلي بهذه القيم لاسيما عند الخصومة تجعل الإنسان في مأمن من البغي والعدوان، ويكون أقرب إلى التقوى وراحة الضمير والطمأنينة في مواقفه، وحيث ارتقى الإنسان بالتقوى بلغ مرتبتي البر والإحسان اللتان تمثلان غاية امتثال التقوى والارتقاء بها، وهي حق التقوى، والتي بها يصل الإنسان إلى أعلى ما يمكن من الطمأنينة وراحة الضمير في علاقته مع الله والناس، فيشعر بالأمان، والإحساس بالمعنى الأخلاقي لوجوده، وهي حالة النفس المطمئنة التي تبلغ مرتبة الرضا (الفجر: 27–30)، وهي حالة الأتقى الذي يُعطى حتى يرضى (العلق: 17–21)، وحالة الطمأنينة هذه هي غاية الجواب الأخلاقي عن القلق الذي يثيره السؤال الوجودي، وتحققه التقوى بمفهومها القرآني، فبتمثل مجموع هذه القيم يبلغ الإنسان مرتبة الأتقى، وهو الأكرم عند الله والناس، وذلك حق التقوى‫.‬

IMG000001

Citation: Journal of Islamic Ethics 5, 1-2 (2021) ; 10.1163/24685542-12340053

2.3.6 حق التقوى: كمال التدين وكلية الإنسان

في أول سورة أنزلت تحدث القرآن عن “التقوى” بوصفها قيمة أخلاقية معهودة في عصر النزول الأول ويأمر بها الرسول، ثم أكدت آيات أخرى أن التقوى ملكة نفسية ألهمها الله للإنسان تحثه على الخير، وأن التقوى مفهوم تداوله الإنسان منذ بدء الخلق، ثم استرسلت الآيات ترسم صورة عن التقوى بما هي حصانة للإنسان تضمن له مستقبلاً إيجابياً في العاجل والآجل، وقد بُعثت الرسل وأنزلت الكتب لتؤكد على التقوى كغاية كلية يسعد بها الإنسان، ويطلبها الله منه، وغدت غاية التشريع، فبها يبلغ الإنسان الشأن الخلقي الكلي الذي ينبغي أن يسمو إليه، ولهذا المعنى أصبحت التقوى تُستعار لتقابل بأمور مادية أساسية يحتاجها الإنسان ويستزيد منها ولا يستغني عنها، ولتعبر بذلك عن المعنى الكلي للتقوى، فكما أن اللباس يستر سوأة الإنسان ويصان به البدن الظاهر ويضمن سلامته من الأذى فإن الأهم منه “لباس التقوى” (الأعراف: 26)، والذي يصون باطن الإنسان من الأذى ويضمن صفاءه، وكما أن زاد الطعام ضروري لقوام الجسد، فإن الأهم منه “زاد التقوى” (البقرة: 197) الذي يضمن تزكية الباطن والارتقاء الخلقي للإنسان والفوز بالحسنى، وأصبحت التقوى بالنسبة للمؤمنين عهداً من الله يلتزمونه في سلوكهم حتى مع أعدائهم، وهو ما عبر عنه بـ “كلمة التقوى” (الفتح:26 ) التي ألزم الله بها المؤمنين في مواجهة حمية الجاهلية التي جعلها الذين كفروا في قلوبهم، بل غدت التقوى أساساً معنوياً ينبغي استحضاره في كل ما هو مادي أو شكلي في الشأن الديني ولا معنى له من دونها، فهي أساس المساجد وأساس البنيان (التوبة: 108–109)، والأساس المتين في كل شيء هو ضمان نجاحه واستمراره. وستغدو تقوى الله هي غاية التدين وجوهره، وسيكون المكلف في شأن التقوى متردداً بين مطلبين، المطلب الأعلى الذي يسعى المؤمن للسمو إليه وهو أن يتقي الله حق تقاته (آل عمران: 102)، فيتزكى ليكون لباسه التقوى، وزاده التقوى، وأساس أعماله التقوى، والمطلب الأدنى الذي لا ينبغي أن يخلو منه أي مؤمن وهو أن يتقي الله قدر استطاعته (التغابن: 16)، فيبذل ما في وسعه لبلوغ ما أمكن من التقوى وبالتالي الفلاح ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِۦ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: 9)‫.‬

الخاتمة

بهذا الحد من التتبع للاحتمالات التي يمكن أن تؤثر في فهم معنى “التقوى”، يمكن الاطمئنان إلى جملة من النتائج التي من شأنها أن تضيء المعاني في السياقات التي ورد فيها لفظ التقوى أو مشتقاته في القرآن الكريم. فبدءًا من المستوى اللغوي التاريخي والمعجمي، فإن الجذر الذي يرجع إليه لفظ “التقوى” له نظائر في اللغات السامية تدل على معاني الرجاء والأمل مع الثقة بتحققه، أو على معنى القوة والثبات، وفي السياق الديني ارتبط اللفظ بالرجاء الأخروي المؤكد من الله، وفي الشعر الجاهلي استخدم جذر “وقي” بكثرة بمعان لغوية تدل على استجماع الإنسان قوة تحميه من الأذى المادي أو المعنوي، وتضمن له نجاة منه، سواء أكان التحصن ذاتياً أو بأشخاص آخرين أو بأشياء مادية أو معنوية، وسواء أكان الخطر محتملاً أو واقعاً، وانفرد شعر الحنفاء بالتعبير عن بعد أخلاقي- ديني للتقوى، في سياقات تربطها بالله أو بالمستقبل، وتدل على أنها صفة إيجابية يمدح من يتصف بها‫.‬

ويجمع الجذر اللغوي العربي لكلمة تقوى ومشتقاته بين معاني الحذر واتخاذ وسائل الحماية والقوة، وبذلك يقترب من معاني الجذر السامي، فبؤرة المعنى من جذر (وقي) العربي هي قوة التحصن والحذر من أذى متعين أو محتمل، ويتفرع عنها ثقة برجاء يتحقق بدفع الأذى ونيل العاقبة الأفضل، وهذا المعنى يتحقق بالوقاية في الأمور المادية أو المعنوية، فيكون مجالها نفسي محله الإرادة، وهو ما تؤكده السياقات القرآنية التي كان ورود لفظ “التقوى” فيها مبكراً مع أول سورة أنزلت، مستخدماً بصيغة التعريف الدالة على استقرار معنى التقوى لدى المخاطبين ابتداء، وأن معناها الإجمالي كان مكتملاً قبل نزول التشريع، وكانت مفهومة المعنى من قبل المشركين والمخاطبين عموماً في تلك الفترة‫.‬

هذا المعنى اللغوي المعجمي والتاريخي الجامع بين عناصر (التحصين القوي للنفس، والتطلع إلى نجاة من خطر) سيتعمق ويتسع في سياقه الديني (القرآني) ليرتبط بحصانة أخلاقية تجنب الإنسان من الوقوع في الشر، والتهيؤ لفلاح دنيوي ونجاة أخروية، فالطمأنينة للمستقبل هي المعنى الذي يبحث عنه الإنسان في الوجود، والموقف الأخلاقي –الديني هو الذي يمكنه أن يقدم هذا المعنى، والتقوى هي عنوانه، فبها يشعر الإنسان بالأمان من العذاب بل بالرضا والطمأنينة، فلا يندم المتقي على فعل مضى على أساس التقوى، ولا يخاف من مستقبل آت، فهو على بصيرة من أمره. ويؤكد استقراء الآيات القرآنية أن التقوى أمر داخلي في نفس الإنسان، ألهمه الله إياه، كما ألهمه ضدها وهو الفجور، (نوازع الخير والشر في الإنسان)، فهي ملكة تكوينية مشتركة بين الخلق، سابقة على الوحي والتشريع، بدأت مع وجود الإنسان، وهي معيار تفاضل الناس حتى بعد اكتمال التشريع، ولهذا المعنى كانت التقوى مفهوماً مركزياً في رسالات الأنبياء وكتب الله المنزلة، بل هي أهم مفهوم أخلاقي في القرآن وإن لم يكن دالًا على أعلى المراتب الأخلاقية. ولقد انتهت كثير من الدراسات الأخلاقية إلى التاكيد على مركزية مفهوم التقوى، لكنها لم تؤسس هذه المركزية والأهمية من مدخل تحليل السياقات القرآنية والتاريخية التي اعتمدها هذا البحث، فيرى محمد عبد الله دراز (ت. 1958) أن مفهوم التقوى هو الفكرة المركزية في النظام الأخلاقي الإسلامي، والفضيلة الأم التي تتكاثف فيها كل الوصايا الأخلاقية (دراز 1973، 681)، ويؤكد فضل الرحمن (ت. 1983) على المعنى النفسي الداخلي للتقوى والذي يتحكم بالتوازن الأخلاقي لدى الإنسان، ويرى أن التقوى هو المصطلح الأكثر أهمية في القرآن، وأنه يعبر عن الاندماج الكلي لشخصية الإنسان برمتها، ويربطه بمسؤولية الإنسان التي تتجسد بصورة فعلية بمفهوم الضمير ‫(فضل الرحمن 2013، 74–73، Fazlur Rahman 1983)‬ وهو المعنى الذي انتهى إليه هذا البحث‫.‬

ورغم أن التقوى محلها النفس والإرادة الفردية، إلا أن القرآن ارتقى بها من مجرد مسألة فردية نظرية إلى مسؤولية مشتركة في حياة الجماعة، في إشارة إلى أهمية تعاضد الجماعة على إحلال التقوى مكانها في حياتهم، لذلك غلبت صيغة فعل الأمر وخطاب الجماعة في اشتقاقات لفظ التقوى، تأكيداً على مركزيتها في التدين وأهميتها حياة المكلفين، فأُطلقت التقوى وصفاً مبكراً للمسلمين، ويقابَل وصف “المتقين” بوصف “المجرمين” في دلالة مباشرة على البعد الأخلاقي لمفهوم التقوى، وفي بيان مصير الفريقين تأكيد على ارتباط البعد المستقبلي للجماعة بالموقف الأخلاقي لها في إدارة شؤونها، وهذا الموقف الأخلاقي هو الذي يغلب على المستوى التشريعي (القانوني) في حياة المكلفين، وهنا تكمن أهمية الوازع الديني الذي يقدم الالتزام الأخلاقي ويجعله أصلاً للالتزام القانوني‫.‬

فالتقوى -والتي محلها الباطن والدوافع- لا يمكن تعريفها بأفعال التشريع (امتثالاً أو تركاً) والتي جُعلت التقوى غاية لها، فهي بصيرة نفسية تحض على الاستجابة لفعل الخير الذي تطمئن إليه النفس وتُدفع به وساوس الشيطان، وهي موقف أخلاقي يراقب السلوك حتى في الأعمال التكليفية والشعائر، فتبعث في نفس المؤمن ثقة وطمأنينة تجاه مستقبله، يعززها البعد الإيماني الذي يحذر من آثار عدم الالتزام بما تمليه التقوى‫.‬

ومن دلالات الاقتران بين التشريع والتقوى التأكيد على أن البعد الأخلاقي هو جوهر التشريع، وأنه مفارق له، فحيث كان التشريع مرتبطاً بالعلاقة مع الله كان معززا للجانب الخلقي (التقوى) في السلوك، وحيث كان التشريع مرتبطاً بحقوق الناس كانت التقوى رقيباً على النفس تحفزها على أداء الحق بدافع التزام أخلاقي يهيمن على الالتزام القانوني‫.‬

وعن العلاقة بين مجمل القيم الحافة بالتقوى، يفهم من مجمل الآيات أن التقوى ليست نظيراً أو واحداً من القيم الأخلاقية، إنما هي موقف أخلاقي نفسي يتمثل تلك القيم ويسمو بها، فثمة أفعال أخلاقية يعبر القيام بها عن التقوى، وثمة مواقف أخرى من شأنها أن تقترب بالإنسان من التقوى فيطمئن إلى سلوكه، وحيث ارتقى الإنسان بالتقوى بلغ مرتبتي البر والإحسان اللتين تمثلان غاية التقوى أو حق التقوى، حتى تصبح التقوى اختيار الإنسان، فتكون لباساً يصون باطنه من الشر، وزاداً للروح تضمن تزكية الباطن والارتقاء الخلقي للإنسان، وأساساً للعمران وعهداً مع الخلق، ويبلغ مرتبة “النفس المطمئنة”، التي تجاوزت مشكلات القلق الوجودي، والخوف من المستقبل العاجل أو الآجل‫.‬

وبكلمات يمكن القول: إن الدلائل اللغوية والسياقية تشير إلى أن مفهوم “التقوى” في القرآن يعبر عن الضمير الأخلاقي الفطري لدى الإنسان، وأن الاستجابة لهذا الضمير هي جوهر الاستجابة للتكاليف الدينية، والتي غايتها الارتقاء بهذا الضمير، وتعزيزه، فهو المرجع في العلاقة مع الله، وفي التفاضل بين الناس، والبعد الديني في التقوى هو تعزيز لهذه الفطرة وليس استبدالاً لها بأعمال سلوكية. وجمعاً بين المعنى اللغوي والسياقي، فإن التقوى موقف أخلاقي رقابي داخلي يعبر عن الثقة بالنفس والطمأنينة للمستقبل، وتبلغ هذه الثقة أقصاها عندما ترتبط بالإيمان بالله ووعده، وقد أبعد مَن عبَّر عن التقوى بأنها عين الطاعة أو الترك، أو أنها الخوف من الله، والذي لم يكن من معاني التقوى إنما من المحفزات عليها‫.‬

إن ما انتهى إليه هذا البحث يفتح بنظرنا نافذة جديدة لمراجعة جملة من المفهومات الأخلاقية من منظور صلتها بمفهوم التقوى المركزي، بل ومفهومات دينية مهمة – كمفهوم الفطرة- ومدى صلتها بمفهوم التقوى، كما يلفت البحث النظر إلى أهمية درس سلم المفهومات الأخلاقية ومراتبها، وأرى أن ضبط المفهوم الأخلاقي في القرآن من شأنه أن يحقق هذا الغرض، وأدعي أيضًا أن من شأن دراسة مفهوم التقوى في السنة النبوية أن يؤكد هذه النتائج، وكذلك المفهومات الأخلاقية-القرآنية الأخرى التي تشكل معًا منظومة أخلاقية محكمة البنية في القرآن‫.‬

المصادر والمراجع

  • ابن أبي الصلت، أمية. 1998. ديوان أمية بن أبي الصلت، تحقيق: سجيع جميل الجبيلي. بيروت: دار صادر‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • ابن أبي سلمى، زهير. 1988. ديوان زهير بن أبي سلمى، تحقيق: علي حسن فاعور. بيروت: دار الكتب العلمية‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • ابن الجوزي، جمال الدين أبو الفرج. 1984. نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر، تحقيق: محمد عبد الكريم كاظم الراضي. بيروت: مؤسسة الرسالة‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • ابن ربيعة العامري، لبيد. 2004. ديوان لبيد بن ربيعة، تحقيق: حمدو طمّاس. بيروت: دار المعرفة‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • ابن سليمان، مقاتل. 1423هـ. التفسير الكبير، تحقيق: عبد الله محمود شحاته. بيروت: دار إحياء التراث‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • ابن سليمان، مقاتل. 2006. الوجوه والنظائر في القرآن، تحقيق: حاتم الضامن. دبي: مركز جمعة الماجد‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • ابن سيده، أبو الحسن. 1996. المخصص، تحقيق: خليل إبراهيم جفال. بيروت: دار إحياء التراث العربي‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • ابن سيده، أبو الحسن. 2000. المحكم والمحيط الأعظم، تحقيق: عبد الحميد هنداوي. بيروت: دار الكتب العلمية‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • ابن طيفور. 1908. بلاغات النساء، تحقيق: أحمد الألفي. القاهرة: مطبعة مدرسة والدة عباس الأول‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • ابن عاشور، محمد الطاهر. 1984. التحرير والتنوير. تونس: الدار التونسية‫.‬

  • ابن عطية، عبد الحق بن غالب. 1422هـ. المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد. بيروت: دار الكتب العلمية‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • ابن فارس، أحمد أبو الحسين الرازي. 1979. معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون. بيروت: دار الفكر‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • ابن منظور، جمال الدين. 1414ه. لسان العرب، ط:3. بيروت: دار صادر‫.‬

  • الأحمد نكري، عبد النبي. 2000. دستور العلماء: جامع العلوم في اصطلاحات الفنون. بيروت: دار الكتب العلمية‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • الأحمدي، مُقبل التَّامّ. 2014. شُعراء مذحج. صنعاء: مَجمَع العربيَّة السَّعيدة‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • الأصفهاني، الراغب. 1412هـ. المفردات في غريب القرآن، تحقيق: صفوان عدنان الداودي. دمشق: دار القلم،‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • الأنباري، أبو بكر محمد بن القاسم. 1992. الزاهر في معاني كلمات الناس، تحقيق: حاتم صالح الضامن. بيروت: مؤسسة الرسالة‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • إيزوتسو، توشيهكو. 2008. المفهومات الأخلاقية – الدينية في القرآن، ترجمة: عيسى علي العاكوب. حلب: دار الملتقى‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • إيزوتسو، توشيهيكو. 2007. بين الله والإنسان في القرآن، ترجمة: عيسى العاكوب. حلب: دار الملتقى‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • البغوي، الحسين بن مسعود. 1420هـ. معالم التنزيل في تفسير القرآن، تحقيق: عبد الرزاق المهد. بيروت: دار إحياء التراث العربي‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • البقاعي، إبراهيم بن عمر. د.ت. نظم الدرر في تناسب الآيات والسور. القاهرة: دار الكتاب الإسلامي‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • البيضاوي، ناصر الدين. 1418هـ. أنوار التنزيل وأسرار التأويل، تحقيق: محمد عبد الرحمن المرعشلي. بيروت: دار إحياء التراث العربي‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • الترمذي، الحكيم. 1969. تحصيل نظائر القرآن، تحقيق: حسني نصر زيدان. القاهرة: مطبعة السعادة‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • الجرجاني، علي بن محمد. 1983. التعريفات. بيروت: دار الكتب العلمية‫.‬

  • الجوهري، أبو نصر إسماعيل بن حماد. 1987. الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، ط:4. بيروت: دار العلم للملايين‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • الحلبي، السمين. د.ت. الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، تحقيق: أحمد محمد الخراط. دمشق: دار القلم‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • حللي، عبد الرحمن. 2015. رسالات الأنبياء: دين واحد وشرائع عدة. بيروت: مركز نماء‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • حللي، عبد الرحمن. 2017. “مفهوم البِرّ والمنظومة الأخلاقية القرآنية: البنية والسياق.” مجلة الأخلاق الإسلامية (JIE)، عدد 1: 122157‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • حللي، عبد الرحمن. 2019. “الإمكانات التأويلية للمهمل من علوم القرآن: معهود العرب في عصر النزول نموذجاً.” ضمن أعمال الندوة العملية الدولية “علوم القرآن: إشكالية المفهوم والمنهج والوظيفة”، 479–501. الرباط: دار الحديث الحسنية‫.‬

  • الدامغاني، الحسين. 1980. إصلاح الوجوه والنظائر في القرآن الكريم، تحقيق: عبد العزيز سيد الأهل، ط:3. بيروت: دار العلم للملايين‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • دراز، محمد عبدالله. 1973. دستور الأخلاق في القرآن: دراسة لنظام الأخلاق النظرية والعملية في القرآن الكريم مقارنا بالنظريات القديمة والحديثة، تعريب وتحقيق وتعليق: عبد الصبور شاهين. بيروت: مؤسسة الرسالة‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • الرازي، أبو عبد الله. 1999. مختار الصحاح، تحقيق: يوسف الشيخ محمد، ط:5. بيروت: الدار النموذجية‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • الرازي، فخر الدين. 1420هـ. مفاتيح الغيب، ط:3. بيروت: دار إحياء التراث العربي‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • الزمخشري، جار الله. 1407هـ. الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، ط:3. بيروت: دار الكتاب العربي‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • الزمخشري، جار الله. 1998. أساس البلاغة، تحقيق: محمد باسل عيون السود. بيروت: دار الكتب العلمية‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • زيد بن علي. د.ت. تفسير غريب القرآن، تحقيق: محمد جواد الحسيني الجلالي. قم: مكتب الإعلام الإسلامي‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • السمرقندي، أبو الليث. 1993. بحر العلوم، تحقيق: علي محمد معوض، ط:3. بيروت: دار الكتب العلمية‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • الصنعاني، عبد الرزاق بن همام. 1999. تفسير عبد الرزاق، تحقيق: محمود محمد عبده. بيروت: دار الكتب العلمية‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • الضُبَعي، المتلمس. 1970. ديوان المتلمس الضُبَعي: رواية الأثرم وأبي عبيدة عن الأصمعي، تحقيق: حسن كامل الصيرفي. القاهرة: معهد المخطوطات العربية‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • الطبري، محمد بن جرير. 2001. جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي. بيروت: دار هجر‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • الطوسي، محمد بن الحسن. د.ت. التبيان في تفسير القرآن، تحقيق: أحمد حبيب قصير العاملي. بيروت: دار إحياء التراث العربي‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • عبد الباقي، محمد فؤاد. 1364هـ. المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم. القاهرة: دار الكتب المصرية‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • العسكري، أبو هلال الحسن بن عبد الله. 1412هـ. معجم الفروق اللغوية، تحقيق: بيت الله بيات. قم: مؤسسة النشر الإسلامي‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • العسكري، أبو هلال. 2007. الوجوه والنظائر، تحقيق: محمد عثمان. القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • الفراء، يحيى بن زياد. 1983. معاني القرآن، ط:3. بيروت: عالم الكتب‫.‬

  • الفراهي، عبد الحميد. 2002. مفردات القرآن: نظرات جديدة في تفسير ألفاظ قرآنية، تحقيق: محمد أجمل أيوب الإصلاحي. بيروت: دار الغرب الإسلامي‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • الفراهيدي، الخليل بن أحمد. د.ت. العين، تحقيق: مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي. القاهرة: دار ومكتبة الهلال‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • فضل الرحمن 2013. المسائل الكبرى في القرآن الكريم، ترجمة: محمد أعفيف. بيروت: دار جداول‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • الفيروزأبادي، مجد الدين. 1996. بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، تحقيق: محمد علي النجار. القاهرة: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • الفيروزأبادي، مجد الدين. 2005. القاموس المحيط، إشراف: محمد نعيم العرقسُوسي، ط:8. بيروت: مؤسسة الرسالة‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • القيسي، أيهم عباس. 1422هـ. “زيد بن عمرو بن نفيل: حياته وما تبقى من شعره.” مجلة المورد 29(4):8794‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • الكفوي، أبو البقاء. 1998. الكليات، تحقيق: عدنان درويش ومحمد المصري. بيروت: مؤسسة الرسالة‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • كمال الدين، حازم علي. 2008. معجم مفردات المشترك السامي في اللغة العربية. القاهرة: مكتبة الآداب‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • الماتريدي، أبو منصور. 2005. تأويلات أهل السنة: تفسير الماتريدي، تحقيق: مجدي باسلوم. بيروت: دار الكتب العلمية‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • مصالحة، سلمان وألبير أرازي. 1999. العقد الثمين في دواوين الشعراء الستة الجاهليين. القدس: معهد الدراسات الآسيوية والأفريقية بالجامعة العبرية‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • معجم الدوحة التاريخي للغة العربية. 2020. الدوحة: مؤسسة معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، جذر “و-ق-ي” www.dohadictionary.org/root/%D9%88%D9%82%D9%8A تاريخ الزيارة 9/ 3/ 2020‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • المناوي، عبد الرؤوف. 1990. التوقيف على مهمات التعاريف. القاهرة: عالم الكتب‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • الهروي، أبو منصور الأزهري. 2001. تهذيب اللغة، تحقيق: محمد عوض مرعب. بيروت: دار إحياء التراث العربي‫.‬

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • Alexander, Scott C. 2002. “Fear” and “Patience and Trust.” In Encyclopaedia of the Qurʾān, edited by Jane Dammen McAuliffe. Leiden: Brill.

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • Botterweck, Johannes et al., ed. 1977–2006. Theological Dictionary of the Old Testament, entries qaw, qāweh, iqwâ: 12:562 ff., entry tiqwâ: 15:759 ff. Grand Rapids, MI: William B. Erdmans Publishing Company.

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • Dukhrana Biblical Research. 2006–2017. “mqw) – ܡܩܘܐ.” In The Comprehensive Aramaic Lexicon. http://dukhrana.com/lexicon/word.php?adr=2:18225&font=Estrangelo+Edessa&source=khabouris.

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • el Masri, Ghassan. 2020. The Semantics of Qurʾanic Language: al-Āḫira. Leiden: Brill.

  • Fazlur Rahman. 1983. “Some Key Ethical Concepts of the Qurʾān.” The Journal of Religious Ethics 11(2): 170185.

  • Gesenius, William. 1865. A Hebrew and English Lexicon of the Old Testament including the Biblical Chaldee, translated from the Latin by Edward Robinson, Entry קו. Boston: Crocker and Brewster.

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • Jeffery, Arthur. 2006. The Foreign Vocabulary of the Qurʾān. Leiden: Brill.

  • Koehler, Ludwig and Walter Baumgartner. 2004. Hebräisches und Aramäisches Lexikon zum Alten Testament, 3rd ed. Leiden: Brill.

  • Neuwirth, Angelika. 2011. Der Koran: Poetische Prophetie Handkommentar mit Übersetzung. Berlin: Insel Verlag.

  • Ohlander, Erik S. 2005. “Fear of God (taqwā) in the Qurʾān: Some Notes on Semantic Shift and Thematic Context.” Journal of Semitic Studies 50(1): 137152.

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
  • Roth, Veronika and Nicolai Sinai. 2020. “Jesaja 11:1–5 – TUK_0647.” In Texte aus der Umwelt des Korans. Berlin: Berlin-Brandenburgischen Akademie der Wissenschaften. www.corpuscoranicum.de/kontexte/index/sure/96/vers/12.

    • Search Google Scholar
    • Export Citation
*

‪أنجز أصل هذا البحث في إطار زمالة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسة ‫(ACRPS) (2017/2-2016/8)‬ ، وذلك بالتنسيق مع مركز الدراسات العابرة للأقاليم في برلين ‫(Studien Forum Transregionale)‬ والمدرسة العليا لدراسة الثقافات والمجتمعات المسلمة ‫(BGSMCS)‬ في جامعة برلين الحرة ‫(FUB)‬‫.‬‬

1

أشكر الصديق د. غسان المصري لمساعدتي في تتبع بعض مصادر هذا المحور من البحث‫.‬

2

تذكر الروايات وجود فترة للوحي بين مطلع سورة العلق (الآيات 1–5)، وبين نزول تتمة السورة، والتي تتضمن لفظ التقوى، لكن هذه الفترة من الوحي كما يرجح ابن عاشور قصيرة، ولا تؤثر على أقدمية سورة العلق في ترتيب النزول (ابن عاشور 1984، 30/443–444)، فلم يرد ذكر آيات أخرى نزلت بين مطلع السورة وخاتمتها، وسبب نزول تتمة سورة الفلق – كما سيأتي بيانه- يشير إلى فترة جد مبكرة من الدعوة‫.‬

3

مثل: الطبري: ت. 310هـ/923م؛ مكي: ت. 437هـ/1045م؛ الطوسي: ت. 460هـ/1050م؛ القشيري: ت. 465هـ/1074م؛ أبو السعود: ت. 982هـ/1574م؛ الشوكاني: ت. 1250هـ/1834م؛ الآلوسي: ت. 1270هـ/1854م‫.‬

4

وهو ما ذهب إليه عموم المفسرين كالصنعاني، ت. 211هـ/826م؛ والطبري، ت. 310هـ/923م؛ والماتريدي، ت. 333هـ/944م؛ وابن عطية، ت. 542هـ/1146م؛ والماوردي، ت. 450هـ/1058م؛ والفخر الرازي، ت. 606هـ/1210م؛ وأبو حيان، ت. 745هـ/1344م؛ والثعالبي، ت. 875هـ/1471م؛ والبقاعي، ت. 885هـ/1480م‫.‬

5

وهو رأي كثير من المفسرين مثل: مقاتل، ت. 150هـ/767م؛ والتستري، ت. 283هـ/896م؛ والطبري، ت. 310هـ/923م؛ والزمخشري، ت. 538هـ/1143م؛ وابن عطية، ت. 542هـ/1146م‫.‬

6

(الزمر: 10، البقرة: 41، النساء: 131، الأحزاب: 70)‫.‬

7

(الأعراف: 96، النمل: 53، يونس: 63، يوسف: 57، الحديد: 28 محمد: 36، الطلاق: 10، المائدة: 57، 65، 88، 93، 112، آل عمران: 179 البقرة: 103 الحشر: 18)‫.‬

8

(الزمر: 57، البقرة: 2، محمد: 17، التوبة: 115)‫.‬

9

(الأعراف: 63، 65، الشعراء: 11، 106، 108، 110، 124، 126، 131، 132، 142، 144، 161، 163، 177، 179، 184، الأنعام: 51، 153، الصافات: 124، الزخرف: 63، النحل: 2، نوح: 3، المؤمنون: 23، 32، 52، 87، العنكبوت: 16) انظر: حللي، عبد الرحمن (2015). رسالات الأنبياء: دين واحد وشرائع عدة، بيروت: مركز نماء‫.‬

10

(الأعراف: 171، طه: 113، الأنعام: 69، 155 يونس: 31، الزمر: 28 الحاقة: 48، البقرة: 2، 66، 63، 187، آل عمران: 138، المائدة: 46، النور:34 )‫.‬

11

(يونس: 6، النحل: 52، المؤمنون:87 )‫.‬

12

(النساء: 1، المائدة: 7، 8، التوبة: 115، الحجرات: 1، الحشر: 18)‫.‬

13

(يس: 45، الأنعام: 155، الحجرات: 10)‫.‬

14

(آل عمران: 130، 200، المائدة: 36، 100، البقرة: 189)‫.‬

15

(الجاثية: 19، النحل: 128، التوبة: 36)‫.‬

16

(آل عمران: 76، التوبة: 4، 7)‫.‬

17

(المرسلات: 41، ق: 31، القمر: 54، ص: 49، الأعراف: 35، 156، 169، الفرقان: 15، مريم: 63، 72، 85، 97، طه: 132، الشعراء: 90، النمل: 53، القصص: 83، هود: 49، يوسف: 57، 90، 109، الحجر: 45، الأنعام:32 ، الزمر: 20، الزمر: 61، 73 فصلت: 18، الزخرف: 35، الدخان: 51، الذاريات: 15 النحل: 30، 31، الطور: 17، النبأ: 31، الزخرف: 67)‫.‬

18

(آل عمران: 133، 172، 179، 198، محمد: 15، 36، الرعد: 35، الطلاق: 5)‫.‬

19

(البقرة: 103، 203، 223، آل عمران: 15، المائدة: 93، الأنفال: 29، الحج: 1، المجادلة: 9)‫.‬

20

(البقرة: 24، 48، 123، 281 (آخر آية في القرآن)، آل عمران: 131، المائدة: 2، 4، الحشر: 7)‫.‬

21

(البقرة: 196، 197، 203، الحج: 32)‫.‬

22

(المائدة: 4، 88، 93، الحج: 37)‫.‬

23

(البقرة: 231، 233، 237، 241، النساء: 1، 9، 128، 129، الطلاق: 1، الممتحنة: 11)‫.‬

24

(البقرة: 278، 282، آل عمران: 130)‫.‬

25

(التوبة: 4، 7، 36، 123، المائدة: 35، 57، الأنفال: 1، الأنفال: 56، 69)‫.‬

26

(البقرة: 178، 194، 282، المائدة: 8، 108)‫.‬

27

(آل عمران: 50، المائدة: 108، النور: 52، الحجرات: 1، الحشر: 7)‫.‬

28

(مريم: 18، هود: 78، الحجر: 69)‫.‬

29

(البقرة: 224، النساء: 129، الأنفال: 1، الحجرات: 10)‫.‬

30

(آل عمران: 172، النساء: 128، المائدة: 93)‫.‬

31

(آل عمران: 120، 186، آل عمران: 12، 125، 200)‫.‬