Save

الآثار النصّيّة: بين التناصّ والتوليد لخلق الوعي التاريخيّ

Textual Traces: Historical Consciousness between Intertextuality and Filiation

In: المركز: مجلة الدراسات العربية
Author:
Sarah R. bin Tyeer (سارة بن طيير) أستاذة مساعدة في الأدب العربيّ والأدب المقارن، دائرة دراسات الشرق الأوسط ودراسات جنوب آسيا وإفر يقيا، جامعة كولومبيا (Assistant Professor, Arabic & Comparative Literature, Department of Middle Eastern, South Asian, and African Studies, Columbia University) نيو يورك (New York) الولايات المتحّدة الأميركيةّ (USA)

Search for other papers by Sarah R. bin Tyeer (سارة بن طيير) in
Current site
Google Scholar
PubMed
Close
https://orcid.org/0000-0003-2112-4793
Open Access

المستخلص

إنّ لفظ/مفهوم التراث حديثٌ نسبيًّا، ويُطرح عادةً في النقاشات الأدبيّة عند الكلام عن الإطار النظريّ للتناصّ، وذلك لتنظير استعمال “التراث” أو الإحالة إليه. يحاجج هذا البحث، عن طريق رواية الزيني بركات لجمال الغيطانيّ نموذجًا، أنّ دراسة التناصّ في نصوصٍ تشتبك مع التراث تُغفل عادةً أهمّيّةَ النصّ القديم (المحال إليه) ووظيفتَه نتيجة الحدّ من دور المؤلّف. ولإيضاح هذه الفكرة أكثر، يستدعي البحث ما أسماه النقّاد القدامى “توليدًا،” وهو مصطلحٌ من بين مصطلحاتٍ كثيرة تشير إلى الإحالات الأدبيّة، وقد كان معتمدًا لدى بعضهم. ويرتبط التوليد عادةً باستخراج معنًى جديد من آخر قديم عن طريق استثماره أو الإضافة إليه. وبهذا، يحمل النصّ المولود رابطًا أسريًّا بالنصّ القديم؛ هو رابط البنوّة الأدبيّة بالمعنى المجازيّ. فالنصّ الجديد بمفهوم/معنى التراث هو الوريث الذي تُرك لاستثمارات مستقبليّة غرضُها النموّ والمنفعة‪.‬

المستخلص

إنّ لفظ/مفهوم التراث حديثٌ نسبيًّا، ويُطرح عادةً في النقاشات الأدبيّة عند الكلام عن الإطار النظريّ للتناصّ، وذلك لتنظير استعمال “التراث” أو الإحالة إليه. يحاجج هذا البحث، عن طريق رواية الزيني بركات لجمال الغيطانيّ نموذجًا، أنّ دراسة التناصّ في نصوصٍ تشتبك مع التراث تُغفل عادةً أهمّيّةَ النصّ القديم (المحال إليه) ووظيفتَه نتيجة الحدّ من دور المؤلّف. ولإيضاح هذه الفكرة أكثر، يستدعي البحث ما أسماه النقّاد القدامى “توليدًا،” وهو مصطلحٌ من بين مصطلحاتٍ كثيرة تشير إلى الإحالات الأدبيّة، وقد كان معتمدًا لدى بعضهم. ويرتبط التوليد عادةً باستخراج معنًى جديد من آخر قديم عن طريق استثماره أو الإضافة إليه. وبهذا، يحمل النصّ المولود رابطًا أسريًّا بالنصّ القديم؛ هو رابط البنوّة الأدبيّة بالمعنى المجازيّ. فالنصّ الجديد بمفهوم/معنى التراث هو الوريث الذي تُرك لاستثمارات مستقبليّة غرضُها النموّ والمنفعة‪.‬

التراث والكتابة الحديثة1

‫تساءلت هيلاري كيلباتريك (Hilary Kilpatrick) في مقالٍ لها عام 1974 عمّا إذا كانت هناك روايةٌ عربيّة بالفعل.2 وكان الدافع وراء ذلك تساؤلها عن حقيقة وجود تراثٍ واحدٍ موحَّد يجمع بين الروايات العربيّة في مصر ولبنان وسوريا والعراق، وذلك بالنظر إلى النشآت المتباينة لهذه الروايات واختلافاتها الأدبيّة والاجتماعيّة-السياسيّة، بغضّ النظر عن اشتراكها في لغة عربيّة واحدة (مع فوارق في اللهجات المحكيّة تظهر ضمن الحوارات). فالقول بوجود روايةٍ عربيّة يعني وجود تراثٍ واحد موحَّد. وقد تُبنى على سؤال كيلباتريك أسئلةٌ أخرى، منها: هل الرواية الأوروبيّة موجودةٌ فعلًا؟ وهل الفوارق الموجودة بين الروايات في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وإنجلترا وألمانيا على سبيل المثال تنفي إدراجها ضمن الرواية الأوروبيّة؟ مع العلم أنّ هذه الروايات لا تختلف اجتماعيًّا-سياسيًّا، وتاريخيًّا، وأدبيًّا فحسب لكنّ لغاتها تختلف أيضًا. ألا يجعل ذلك النقدَ الأدبيّ الخاصّ بالرواية الأوروبيّة باطلًا وسخيفًا؟3 وإن كانت هناك روايةٌ أميركيّة مثلًا، فهل يشترك كاتبٌ من نيويورك يكتب عن مدينته (بأسلوبه الخاصّ، وتعابيره العامّيّة المحلّيّة، وأسلوب حياته) مع قارئٍ أو كاتبٍ من أيداهو (Idaho) أو أريزونا (Arizona) أو بالتيمور (Baltimore) أو سان دييغو (San Diego)؟ وهل يشكّك القرّاء، وخاصّةً النقّاد، بخصوصيّة الرواية الأميركيّة؟ بطبيعة الأمر، تظهر فروقاتٌ ضمن أيّ تراثٍ واحد لأيّ مؤسّسةٍ أدبيّة. تستنتج كيلباتريك بشكلٍ عرضيّ مجيبةً عن السؤال الذي طرحته في البداية بشيءٍ من المواربة: تعتمد الإجابة إلى حدٍّ ما على الارتفاع الذي يُنظر فيه بعينَي طائرٍ إلى الأمور. ثمّ تُقِرّ بوجود فروقاتٍ طبيعيّة ضمن تراث الرواية العربيّة في الأساليب وفي الموضوعات الفلسفيّة التي تُلهم الكتّاب.4 بالتزامن مع هذا السؤال، نشر الكاتب المصريّ جمال الغيطانيّ (1945–2015) واحدةً من أشهر الروايات العربيّة. تُعَدّ الزيني بركات (1971)5 مثالًا مهمًّا في تاريخ الرواية العربيّة الحديثة لأنّها تفترق عن الأشكال الروائيّة المتعارف عليها.6 ويمكن وصفها بتعبير إلياس خوري على أنّها ”الكتابة الجديدة.“ يؤكّد خوري أنّ هذه الكتابة الجديدة هي محاولةٌ لتجاوز فوضى بدايات النهضة التي فرضها ”الاندراج المهمّش في حركة الرأسماليّة الغربيّة.“7 لا يقتصر ”الاندراج المهمّش“ في الواقع على شكل الرواية العربيّة؛ بل يمكن للمرء أن يوسّع هذا المفهوم ليشمل النظريّات والمصطلحات المستعارة لقراءة الرواية العربيّة ونقدها، وهذا ما سأبيّنه لاحقًا في هذا البحث‪.‬

‫تضع رواية الزيني بركات قارئها في مغامرة زمنيّة من البداية. إذ تُفتتح عام 1517 بعد الغزو العثمانيّ وسقوط الحكم المملوكيّ في القاهرة، وتبدأ بسردٍ على لسان رحّالة فينيسيّ يُدعى فيسكونتي جيانتي (Visconti Gianti). ثمّ يُقذَف القارئ عشر سنواتٍ إلى الوراء قبل دخول العثمانيّين إلى القاهرة. يُعَيَّنُ الزيني بركات حينها محتسبًا على القاهرة؛ ويتولّى الإشراف على السوق التجاريّ، ومنع الاحتكار، وضبط الأسعار، وإلى حدٍّ ما مراقبة الأخلاق العامّة (يمنع خطف النساء أو التحرّش بهنّ من قبل المماليك، إلخ). تتّضح شخصيّة الزيني بركات تدريجيًّا فيظهر للقارئ شيئًا فشيئًا متلاعبًا ومتعطّشًا للسلطة؛ لكنّه لا يُصوَّر وضيعًا بالمطلق. في المقابل، يوصف بأنّه بيروقراطيّ متلوّن، يشرّع جميع أفعاله ويسوّغها لغرضٍ أكبر هو حماية الحدود والحفاظ على استقرار مصر وأمانها‪.‬

‫يقرأ روجر ألان (Roger Allen) لقب الشخصيّة الرئيسة على أنّه استيفاءٌ حديث في محاكاة التأريخ القديم.8 ويظهر ذلك في أنّ الرواية تُفسح الطريق لمؤسّستها الخاصّة، الحديثة بالأساس، عن طريق تمييز فردٍ وإطلاق اسمه على الرواية. بهذا المعنى، يكون الفرد نتاجًا للحداثة، ويؤول هذا المفهوم إلى القول بأنّ الفرد أو ”الإنسان” في مرحلة ما قبل الحداثة لا داخلَ أو خصوصيّة له، أو لا فرديّة على نحوٍ أدقّ. إنّ تحويل الشخصيّات العامّة إلى جزءٍ من التاريخ أو الرواية ليس ممارسةً حديثة، ففي ألف ليلة وليلة، هناك حكاياتٌ للشطّار أمثال دليلة المحتالة، وعليّ الزيبق، وأحمد الدنف. ويحيل المؤرّخ المسعوديّ (ت 956) إلى المحتالة دليلة في مروج الذهب، ولا يقدّمها على أنّها مجرّد محتالة عاشت في بغداد العبّاسيّة في القرن التاسع للميلاد، لكنّه يجعلها أيضًا معيارًا تُقاس به الشطارة فيقارن مهاراتها بمهارات محتالٍ آخر.9 ويذكر ابنُ الأثير (ت 1233) في رواياته التاريخيّة لصًّا محتالًا آخر، عليّ الزيبق، ويورد خبرًا عن زيادة سلطته في بغداد أثناء الاضطرابات الأهليّة بين السُّنّة والشيعة عام 989 في ظلّ خلافة الطائع (حكم 974–991).10 وعلى نحوٍ مشابه، يذكر ابن إياس (ت 1524) في سرده التاريخيّ الخاصّ بالعام 891/1486 الحُكْمَ على أحمد الدنف بالموت بأمرٍ من السلطان المملوكيّ الأشرف قايتباي (حكم 1468–1496) في مصر.11 يعود القاصّ لحكايات ألف ليلة وليلة كذلك إلى سرديّاتٍ وشخصيّاتٍ تاريخيّة ليُضفي بواسطتها تخييلًا إلى روايته. لقد اختار القاصّ أفرادًا بعينهم في الحكايات، ومنحهم حلقاتٍ وحكايات تحمل أسماءهم،12 تمامًا مثلما فعل الغيطانيّ عند اختياره لمحتسب القاهرة الشهير الزيني بركات. ويؤكّد ذلك أنّ هذه الممارسة ليست نتاج مؤسّسة الرواية الحديثة بل كانت جزءًا من التاريخ الأدبيّ العربيّ في السابق. علاوةً على ذلك، كان المؤرّخ الذي يضع خططًا أو يجمع روايات تاريخيّة يذكر أصحاب المناصب الرسميّة الرفيعة مثل المحتسب أو القاضي بصفتهم أعيان المدينة؛ ومن الطبيعيّ أن يخصّص لهم بضع صفحاتٍ إن كانوا أعيانًا أو مشهورين بالخير أم بالسوء. وتعود الممارسة عينها إلى المترجِمين للأدباء والشعراء إذا جاز التعبير. ويمكن القول إنّ الزيني بركات حين تقدّم ذاتها وتأخذ موقعها ضمن مؤسّسة الرواية، فهي تقدّم ذاتها على أنّها أيضًا مدوّنة على الطريقة الحوليّة ضمن الروايات التاريخيّة القديمة بعنوان الزيني بركات‪.‬

النرجسيّة-الزمنيّة وتوحيد/تفكيك القرّاء عبر الزمن

إنّ النقاشات الحاصلة حول الزيني بركات تُجمِع على طبيعة الرواية القائمة على التناصّ، وتهتمّ عادةً بالسؤال عن الرواية وأسلوبها ومحاكاتها ونقدها لقضايا معيّنة في الحياة السياسيّة في مصر (1954–1970). ولا أرمي هنا إلى مناقشة مجموعة الأسئلة والهواجس في مثل هذه الدراسات أو نقدها، وإنّما أرمي بتواضعٍ إلى معاينة طبيعة ما يُعرف بـ”التناصّ” والذي يُستعمل عادةً أداةً فنّيّة تهمّش الإحالات التراثيّة لصالح قراءة تجعل الرواية بمثابة تاريخٍ موازٍ لمصر في الستّينات من القرن العشرين. ما هي طبيعة ”التناصّ” الذي يُصوَّر غالبًا في حوارٍ مع التراث؟ أم أنّ السؤال ينبغي أن يكون: إن كان هناك حوارٌ فما فحواه؟ ما هي عناصر هذا الحوار؟ لا أهدف في هذه الورقة البحثيّة إلى مناقشة القضايا الاجتماعيّة-السياسيّة في الرواية وعلاقتها بالحياة السياسيّة ”الوطنيّة” أو المصريّة، فهناك عددٌ من الباحثين الذين تصدّوا لذلك.13 وقد أصاب صبري حافظ في انتقاد قراءات هؤلاء وتوصيفها بالتأويلات التبسيطيّة التي تختزل الرواية إلى مجرّد رمزٍ وتحصرها في سياقها السياسيّ.14 ويحاجج صبري في المقابل بأنّ أهمّيّة الرواية تقع في قدرتها الفريدة على نقل زمانها ورسم صورةٍ شاملة عن وضع الإنسان في ظلّ أشكالٍ مختلفةٍ من الاستبداد، بحيث لا يكون الخروج من قبضةٍ ظالمة إلّا وقوعًا في شراك أخرى.15 في الواقع، إنّ وفرة هذه القراءات لا تقدّم طريقةً لتضع القارئ في علاقةٍ استطراديّة مع أفق الرواية والتراث. هذه القراءات حوارٌ مع الذات لإصدار حكمٍ على أمر (الرواية)؛ هي ليست حوارًا أو محادثة مع الرواية. والفرق بين القراءتين أنّ الأولى توظّف التراث بوصفه أرشيفًا يرمز إلى الزمان الماضي، وترصد تقاطعه مع حالةٍ توصف بأنّها ليس من المفترض أن تكون في الحاضر؛ هي قراءةٌ تستثمر في المفهوم الغربيّ الاستعماريّ لفكرة ”التطوّر” التي ترى الحاضر نتاجًا للماضي في حركة مستمرّة، وفي خطّ مستقيم، نحو المستقبل، وتُعَدُّ هذه الفكرة وليدة الحداثة الاستعماريّة. إنّ هذه القراءة عدائيّة، وإن كانت في الظاهر تريدنا أن نشتبك مع أفكار الرواية، فهي تختزلها إلى ”أفكار“ (الاضطهاد، الرقابة، السجن، الفساد، الانهزام)؛ ويُنظر إلى هذه الأفكار على أنّها منتميةٌ أساسًا إلى أرشيف ”الماضي،“ ولكنّها امتدَّت في خطٍّ مستقيم نحو المستقبل الذي يمثّله حاضر قراءة الرواية. ولا تتخطّى القراءة مستوى هذه الكلمات أو الأفكار، إنّها قراءةٌ عدائيّةٌ لأنّها تحشد هذه الأفكار لما فيه صالحها. بعبارةٍ أخرى، تستعمل هذه الأفكار لتسويق أفكارٍ أخرى أو نقدها. القراءة الثانية – والتي يؤيّدها حافظ والغيطانيّ نفسه – هي قراءةٌ حواريّة تشترك مع نظام التراث. إنّها تبحث عن ”والدٍ” لها في نصوص الماضي التي استعملتها، وفي أشخاصٍ من الماضي في سلسلةٍ متّصلةٍ متضامنة تتجاوز الزمن. يدعو الغيطانيّ ذلك ”وحدة التجربة الإنسانيّة.”

يتذكّر الغيطانيّ أنّه بعد قراءته لتجربة ابن إياس – وهو آخر المؤرّخين من العصر المملوكيّ الذي سجّل أحداث الغزو العثمانيّ لمصر – شعر بمرارة هزيمة ابن إياس بعد أن ألقى القصيدة الشهيرة للنحويّ أبي الفتح السراجيّ (ت 1517) بمطلعها المعروف‪:‬

IMG000001

Citation: المركز: مجلة الدراسات العربية 1, 1-2 (2022) ; 10.1163/27728250-12340012

حرّكت هذه القصيدة في نفس الغيطانيّ المشاعر عينها التي أثارتها عام 1967.16 لم يرَ الغيطانيّ بصفته قارئًا للتراث، وقارئًا لابن إياس تحديدًا، تعابيرَ ابن إياس عن الخسارة على أنّها حدثٌ حصل وانقضى، ولكنّها حدثٌ له أهمّيّته الزمنيّة وصِلَته مع التاريخ رابطًا بذلك بين العاطفيّ والفكريّ. يقول الغيطانيّ بغية شرح هذه النقطة أكثر استنادًا إلى فلسفته في قراءة التراث: ”…يعني أنّ ضربة العصا مثلًا أثناء التعذيب التي كانت تنزل على جسدٍ في العصر المملوكيّ تؤلم بنفس القدر الذي تؤلم به الآن[...]والرواية تدين القهر خارج الزمن، أي دون أن يكون محدّدًا بفترةٍ قديمةٍ أو معاصرة.“17 بهذا القول، وبالعودة إلى نقاشنا السابق عن القراءات التي تحاول أن تحدّ معنى الرواية في رمزيّته لتقرأ اللحظة الحاضرة وتحاول تأويلها، التزمت هذه القراءات بما أسمّيه في هذا البحث ”النرجسيّة-الزمنيّة“ في منهجيّتها التي تصوّر التجربة الإنسانيّة الوحيدة الموجودة هي تجربة الزمان الحاضر. ولذلك فإنّ النرجسيّة-الزمنيّة لا تهتمّ بأحداث الماضي وأفراده ولكن بأحداث الحاضر وأفراده. والقارئ بنرجسيّةٍ-زمنيّة لا يقدر على تجاوز أهمّيّة اللحظة الحاضرة وأسبقيّتها، فالحاضر عنده هو أفق الفهم الوحيد؛ وقد لا يكون ذلك كافيًا للفهم. ومن ثمّ فهو يحدّد الشروط والطريقة التي يجب على أساسها التعامل مع النصّ الفرعيّ أو الخفيّ (التراث). إنّ توظيف الآخر البعيد زمنيًّا في النرجسيّة-الزمنيّة لا يخرج عن كونه أداةً لتحقيق المنفعة الفكريّة فقط. وكما يخبرنا الغيطانيّ بعباراتٍ مختلفة، فإنّ تجارب البشر جميعًا في ماضي الزمان وحاضره مترابطة؛ وهذا واضحٌ في عرضه للأنماط التاريخيّة التي أناقشها لاحقًا. تؤكّد هذه القراءة، كما يشير الغيطانيّ، على أنّ فعل الفهم بحدّ ذاته يبقى مفتوحًا وغير مكتمل لأنّه لا يمكنه أن يختزل التجربة الإنسانيّة المعقّدة عن طريق قمع شخصيّات الماضي – الحقيقيّة والخياليّة – ونصوصه. بعبارةٍ أخرى، إنّ فعل فهم التاريخ المملوكيّ، كما هو مطروحٌ في الرواية، يبقى مفتوحًا لأنّه يتشابك مع التجربة الإنسانيّة المشتركة لأشخاصٍ متشابهين سواءٌ في مصر في مرحلة الستّينات من القرن الماضي أم في أيّ مكانٍ أو زمان آخر‪.‬

إنّ الطريقة التأويليّة التي تعزل الماضي عن منهاجه أو تستعمله أداةً لتعزيز القراءة النرجسيّة-الزمنيّة عن طريق استدعاء الماضي بوصفه الزمن الوحيد المناسب للتعبير عن ”ما لم يُقَل” أو ما ”لا يُستطاع البوح به وقوله” في الزمن الحاضر (ما كان يُعَدُّ حاضرًا حينها في الستّينات)، تستدعي التراث بطريقةٍ منهجيّة وتعزله فكريًّا وعاطفيًّا. إنّ قراءة الغيطانيّ الاستفهاميّة للماضي والحاضر قد أتاحت لنفسها أن تبقى مفتوحة، وأن تطرح أسئلةً أبديّة، بدلًا من أن تقدّم بتعجرفٍ إجاباتٍ معلّبة. إنّ أهمّيّة استعمال الغيطانيّ للتراث، والذي يُختزل غالبًا على عجالةٍ بالتناصّ، لا تقع في النصّ فقط بل في كيفيّة إدراك الغيطانيّ للتراث على أنّه ليس مجموعة أعمال مؤسّسة للسنن الأدبيّة (المعتمد Canon) ولكنّه مجموعةٌ من الأسئلة والممارسات التي تعرّف الأدب. يسمح هذا الاشتباك الإبداعيّ عند الغيطانيّ بطرح أسئلةٍ شموليّة عن استمراريّة هواجس المعنى والذاكرة لأنّه يشتبك مع عناصر من الماضي في ظروفٍ مضطربة لصياغة حقائق وأسئلةٍ أبديّة. فكان أن عولم الغيطانيّ الظروف الشائكة للسجناء وعامّة سكّان القاهرة في ظلّ حكم الزيني بركات عن طريق الحديث عنها. إنّ تفكيرنا بتجارب السجناء في الماضي، تجاربهم الموثّقة في الحوليّات، والتي وجّه الغيطانيّ قارئه نحوها، يسمح لنا بالمشاركة عن طريق اللغة في هذه التجارب بواسطة تطوير التعاطف اللازم الذي يصقل وعينا التاريخيّ. إنّ الاستبعاد الساذج للحوليّات التاريخيّة الموجودة، واللجوء إلى الحديث عن التراث عبر إحالته إلى ”التناصّ،” يركّز على الفصل الزمنيّ بين النصوص وبذلك البشر. إنّ النصّ القديم وموضوعه، في هذه الحال، لا يكونان شريكينِ في قراءتنا؛ بل يكونان ضوضاء بيضاء غير مقصودة، أي مجرّد خلفيّة‪.‬

تاء التناصّ تقتل المؤلّف

إنّه لمن المثير للاهتمام أن نتفحّص روايات الغيطانيّ التي بين أيدينا بصفتها نماذج لما يُسمّى ”تناصًّا.” هل كانت هذه الأداة وهذا الإطار التحليليّ مجهولينِ ومهملينِ قبل ”اكتشاف” جوليا كريستيفا (Julia Kristeva)؟ وُضع مصطلح التناصّ عام 1966 في باريس على يد كريستيفا، وهي عضوٌ في تيل كيل (Tel Quel) النخبويّة للمنظّرين والمثقّفين الفرنسيّين، والتي كان رولان بارت (Roland Barthes) من أعضائها أيضًا.18 ولم يُطرح هذا المصطلح رسميًّا في دوائر النقد الأدبيّ العربيّ حتّى ثمانينات القرن الماضي، وسُمّي حينها تناصًّا. وصار مصطلحًا عامًّا يدلّ على الإحالات أو الإشارات إلى النصوص كافّة، القديم منها والحديث، ولم يعد مقتصرًا على النصوص القديمة و/أو التراثيّة. ولكن لم يكن هذا ما قصدته كريستيفا من المصطلح في بادئ الأمر. بالنسبة لها، كلّ شيء – أو على الأقلّ كلّ تشكّلٍ ثقافيّ – يُعَدُّ نصًّا ضمن السيميائيّات العامّة لهذه الثقافة.19 ورأت كريستيفا أنّ النصّ الاجتماعيّ (الثورات، المصارعة، إلخ) يُؤوَّل بطريقةٍ مشابهة للنصّ الأدبيّ. ولا يمكن الفصل بين النصّ الأدبيّ والنصّ الاجتماعيّ، فهما متداخلان. وهذا يعني حسب قول غراهام ألان (Graham Allan) أنّنا يجب أن نتخلّى عن المفهوم الذي يقضي بأنّ النصوص تقدّم معنًى موحّدًا، ونبدأ برؤيتها على أنّها مجموعة أقسام تؤلّف النصّ الاجتماعيّ. لا تحمل النصوص بهذا وحدةً أو معنًى موحّدًا بذاتها، هي مرتبطةٌ بشكلٍ عميق بالعمليّات الثقافيّة والاجتماعيّة الحاصلة.20 إنّ استعمال كريستيفا لهذا المصطلح وتقعيده يأتي بمثابة حجرٍ أساس ومصطلحٍ تفسيريّ لفكرة رولان بارت الراديكاليّة، وهي فكرة ”موت المؤلّف” التي ظهرت بعد عام واحد سنة 1967.21 يأتي ”موت المؤلّف” من فكرة استيعاب العالَم كنصّ، ورؤيتهما متداخلينِ ومتشابكين معًا. ”لا يخلق الكاتب شيئًا من عدم، ولكن بالعودة إلى نصوصٍ أخرى.“22 الكاتب ليس مؤلِّفًا بل ناسخًا (scripteur)، استُعيض عنه بمهامّ الناسخ الذي ينقل عن نصوصٍ مكتوبةٍ متوفّرة: اجتماعيّة وأدبيّة.23 وعلى نحو ما يؤكّده ويليام إروين (William Irwin)، إنّ تطوّر ”التناصّ“ ونظريّته وما يستتبع ذلك من ”موتٍ للمؤلّف“ هو سياسيّ في دوافعه وآثاره، وهدفُه إعادة توزيع السلطات.24 لقد كان الباعث خلف ذلك قمع الأكاديميّة الفرنسيّة، وانعدام الثقة في التواصل، والمبادئ الماركسيّة.25 أُريد منه في جوهره ”تشويه التواصل الواضح،“26 وهو ما يفسّر الشكوى المتكرّرة من غيابٍ متعمّد للوضوح عند الكتابة عن بعض هذه النظريّات؛ إنّها طريقةٌ تؤكّد ما يُعَدُّ من قِبَل المنظّرينَ شرًّا في التواصل. يرون التواصل ”شرًّا” تستعمله النخبة الحاكمة لتحصد إجماعًا على أجندتها الرأسماليّة المحافظة.27 بالعودة إلى نقاشنا، يبدو أنّ تطبيق مصطلح ”التناصّ” ونظريّاته بإطارها الأصليّ مع حجب الغيطانيّ مؤلّفًا للرواية (بغرض تحرير أنفسنا كقرّاء) ينجم عنه أمران غير محمودين: أ) يفترض ذلك أنّ رواية/روايات الغيطانيّ تسير بشكلٍ مستقلّ عن الفاعليّة البشريّة؛ إحالاته إلى ابن إياس أو المقريزيّ (ت 1442) أو غيرهما هي غير مقصودة وهو يكتب عن عالم/نصّ حوله أو ماضٍ يتضمّن نصوصًا مملوكيّة، وإن بغير قصد؛ ب) يتحرّر القارئ من عقد هذه العلاقة الواضحة ويُدعى إلى قراءة الرواية كنصّ مغلق أو كما يحلو له (لأنّ العالم برمّته نصّ، وفكرة العلاقة الواضحة لا يُعتدّ بها). فهو غير ملزمٍ بإقرار رأي الكاتب، وبذلك غير ملزم بعقد هذه العلاقات، وإن كانت واضحة، لأنّها علاقاتٌ غير مقصودة في هذا المفهوم. في دراسةٍ عن الكتابة (écriture) والتناصّ في خطط الغيطانيّ، يُذكر ما سمّيتُه توليدَ الغيطانيّ لمناهج الماضي ونصوصه لا عن طريق رواياته فقط بل عن طريق مقابلاته أيضًا. والدراسة موجّهةٌ إلى التناصّ لا إلى التوليد، وبذلك تدعونا إلى تجاهل هذه الإحالات لأنّه لا يمكننا الجزم بأنّ الكاتب قد وضعها عمدًا أو عن غير قصد. يقول الباحث‪:‬

بوسعنا أن نعدّد الأمثلة التي تؤكّد صلة الكتابة الغيطانيّة بالنصوص واللغات القديمة، وكذا بـ“صناعات” غير لغويّة كالسجّاد والعمارة مثلًا. لولا أنّ الاستدلال على حصول مقصديّة تناصّيّة في كتابة ما، استنادًا إلى ما صدر عن صاحبها من تصريحات وشهادات وأحاديث، بدعوى أنّ الكاتب أكثر إدراكًا لما يكتب، وأكثر تأهيلًا لاستنفاد معاني نصوصه ودلالتها وأبعادها أو بالاستناد إلى ما قيل عنه، وما تواتر من قبل نقّاده ودارسيه، يُعَدّ تبسيطًا خطيرًا، ويتنافى، في جزءٍ حيويّ منه، مع عزمنا الكشف عن ”الكتابة“ و”التناص” في ”خطط الغيطانيّ” عبر التقاط الإشارات والمعالم من داخل النصّ لا من خارجه.28

إنّ موت المؤلّف أو فئته لا يمنح في الواقع سلطةً للقارئ كما يُدَّعى؛ فهو يقتل القارئ في الوقت عينه لأنّه يجعله كسولًا ومهملًا لا يحترم النصّ، وغيرَ واعٍ تاريخيًّا – الغرض الأساسيّ من النظريّة كما رآه كلٌّ من كريستيفا وبارت هو تعطيل أيّ شكلٍ من أشكال السلطة؛ سلطة كلٍّ من النصّ، والكاتب، والكلمة، وأخيرًا سلطة المعنى. أيّ إحالةٍ ترد في النصّ هي غير واعية. لأكون أكثر وضوحًا، أنا لا أقول بعدم تعدّد قراءات النصّ، لكنّني أنبّه إلى أمرينِ: الاستعمال الممنهج والخاطئ للتناصّ وتداعياته الأدبيّة والاجتماعيّة-السياسيّة ونفي الفاعليّة البشريّة للمؤلّف في هذا الإطار التشكيكيّ ليظهر لنا بصفته غير واعٍ لعمليّة الكتابة والإحالات. هل كانت أشكال الإحالة غير معروفةٍ في نظريّة الشعر عند العرب قديمًا، أو في التراث، الذي كان الغيطانيّ ضليعًا فيه، لدرجة أنّ الأوساط الأدبيّة العربيّة لم تعرف التناصّ في النقد الأدبيّ حتّى ثمانينات القرن العشرين؟

تحدّث النقّاد العرب القدامى عن الإحالات بدءًا بأنواع السرقات ومن بينها الاقتباس (يشير عادةً إلى الاستشهاد بالقرآن أو بالحديث النبويّ)؛ والتضمين (إيراد سطرٍ أو اثنين من قصيدةٍ أخرى/نصّ آخر)، والحلّ (كتابة الشعر نثرًا)؛ والعقد (كتابة النثر شعرًا)؛ والتلميح (الإحالة). يقول عبد الفتّاح كيليطو إنّه يمكننا اختزال ظاهرة السرقات المدروسة بكاملها ضمن خانة الإحالات. […] فالسرقة عامّةً هي استعارة شاعرٍ لمعنًى ومنحه لفظًا جديدًا.29 ثمّ يشرح كيليطو نوعًا آخر من استعارة الأفكار في سياق الشعر تحت المظلّة النافعة ”للأبوّة”: إنّ الأفكار اليتيمة هي التي لا يُعرف لها مُنشِئ أو مُنشئها مجهول لأنّها عالميّةٌ وشائعة (مقارنة رجلٍ شجاع بأسدٍ على سبيل المثال)؛ والأفكار المبتكَرة أو المولّدة تحضر عندما يشقّ شاعرٌ طريقًا جديدًا وينجب الفكرة. وتُعَدُّ المحاكاة أبوّةً أيضًا وتُقارَن بـ”الفكرة الأمّ” ويُحكم عليها وفقها.30 هل هذه الإطارات مفيدةٌ للشعر فقط أم يمكن أن تُستعمل تصنيفاتٍ تحليليّة لأنواع العلاقات الأدبيّة بين النصوص غير الشعريّة؟ يقدّم لنا أميدو سنّي (Amidu Sanni) مصطلحًا مساعدًا وجميلًا لوصف هذه العلاقات التوليديّة: التوليد (filiation)، وهو الاستعارة من نتاج الآخرين في عمل الشخص الخاصّ، لا سيّما الاستعارة الأدبيّة. وهي وإن كانت في البدء تُعَدُّ سرقةً أدبيّةً في العصر المبكر من العلوم العربيّة، فإنّها قد تطوّرت فيما بعد إلى أداةٍ أدبيّة مطلوبة لدى الشعراء والكتّاب على حدٍّ سواء، الأمر الذي يؤكّد نمطًا ومسارًا مشابهًا من التطوّر في العلوم النظريّة العربيّة.31 يقتضي التوليد إحالةً إلى المُنشئ الأوّل في نصٍّ أو فكرةٍ أو حدث، والإشارة إلى علاقة البنوّة التي تربطه به. وللإضاءة أكثر على ذلك في هذا السياق، يقول الغيطانيّ في مقابلةٍ أجراها عن روايته: ”ارتبطتُ بابن إياس أكثر من غيره لفرادته في القصّ ولأسلوبه في السرد.“32 إنّ مقولة الغيطانيّ عن ارتباطه بابن إياس تُظهر لنا علاقة أوضح وأعمق من كونه ”ناسخا“ لنصٍّ عائم في مكانٍ ما من العالم، وإنّ ما قدّمه لم يلجأ إلى ما يسمّى تناصًّا غير مقصود، وبذا ينتفي الموت الأدبيّ عن الغيطانيّ بصفته كاتبًا، وأكثر من ذلك كلّه، إنّه يشير إلى ما عدّه النقّاد العرب توليدًا. إنّ التفكير في العلاقات والإحالات الأدبيّة في ضوء العلاقات الأسريّة يستدعي مباشرةً تمييز إدوارد سعيد بين ”النسب“ (filiation) و”الانتساب“ (affiliation) كإطارٍ معرفيّ. عرّف سعيد النسبَ في إطار العلاقات التي تقوم بين الفرد وعائلته، وهي علاقات لا اختيار له فيها (جذور المرء البيولوجيّة والموروثة والوطنيّة)، أمّا الانتساب فهو الانتماء الحرّ.33 إنّ اللجوء إلى مصطلح التوليد اختيارٌ واعٍ وجهدٌ مبذولٌ للاتّصال بأنماطٍ أخرى من التفكير وبأماكن أخرى، ولرؤية العالم أيضًا. إنّ التوليد في رواية الغيطانيّ (بالمعنى القديم للمصطلح)، وعلاقات النسب والانتساب مع التراث الأدبيّ (بالمعنى الخاصّ بإدوارد سعيد)، قد يجاوز الحالة الوطنيّة والمحلّيّة (بتضمينه إحالاتٍ إلى الحلّاج (ت 922) وابن عربيّ (ت 1148)) وكذلك الحالةَ الآنيّة. وكان تعليل الغيطانيّ في الزيني بركات نوعًا من النسب إلى ابن إياس لأغراض التوليد، وعلى نحوٍ مشابهٍ كانت إحالاته إلى العراقيّ الحلّاج والأندلسيّ ابن عربيّ، أو انتسابه لهما. تَظهر لنا إذن القدرة التراثيّة لا على مقاومة النرجسيّة-الزمنيّة فحسب بل على خلق علاقاتٍ نصّيّة وأفق قراءات يتعدّى المحلّيّة الآنيّة‪.‬

عدم الشرح للقارئ: انظر خارج النص

‫إنّ التخلّي عن التقسيم التقليديّ للفصول واعتماد تقسيم السرادق (جمعها سرادقات، ”canopies“ في ترجمة روجر ألان)،34 يدلّ على هيكلةٍ منغلقة لا يمكن للغرباء الدخول إليها، الأمر الذي يؤكّد استعمال الغيطانيّ المبتكر لكلٍّ من الجانبين المادّيّ وغير المادّيّ في التراث. إنّ التقسيم إلى سرادقات بدلًا من فصول بحيث يضمّ كلّ سرادق بيانات، وأنباء، ووثائق سرّيّة، وتقارير رقابيّة، كلّ ذلك يستلزم صورةً مرئيّة للسرادق على أنّه حبسٌ لا حدود له. إنّ معارضة هذه الأنواع الأدبيّة وشخصيّاتها-مستعمليها قد يمنح الرواية قيمةً متعدّدة اللغات؛ هذا حقيقيّ. لكنّ جانبًا آخر يهمّ في نقاشنا وهو اللغة التراثيّة التي ترد في الرواية. ففي حين تستعمل الرواية الأحداث التاريخيّة والأجناس الأدبيّة كالحوليّات الخاصّة بالقرن السادس عشر؛ تلجأ أيضًا إلى بعض التعابير التقنيّة واللغة الخاصّة بزمانٍ يتجاوز رُتَب المسؤولين وألقابهم. في السرادق الثالث (حيث جرت أحداث اعتقال عليّ بن أبي الجود) بعنوان: ”وقائع حبس عليّ بن أبي الجود،” تتابع الرواية بذكر ظروف اعتقال هذا الشخص والتحقيق معه، وكان حينها في منصب المحتسب قبل تنصيب الزيني بركات. تخبرنا الرواية أنّه قد مضى عامٌ على صدور الحكم، وأنّ على المحتسب الحاليّ أن يلقي القبض على المحتسب السابق قبل أن يتمّ التحقيق معه. يستعمل الغيطانيّ لفظ الترسيم (ر س م؛ وزن تفعيل) لوصف عمليّة الاعتقال ”أمر مولانا السلطان بالترسيم على المدعوّ عليّ بن أبي الجود.“35 ومصطلح الترسيم في الواقع مأخوذٌ من الفقه، ويعني أن تحدّ السلطات حركة الفرد وتحجزه في مكان ما، كالمنزل؛ وتجعله تحت المراقبة.36 وهو يختلف عن الحبس.37 تخبرنا الرواية في السرادق نفسه، وبعد عدّة مقاطع، أنّ عليًّا سيُجعل أمام الناس، سالمًا، لمن أراد أن يشهد على ذلك، وحُدِّد الوقت بالساعة ”الرابعة عربي وقت الضحى.“38 ومثل المصطلح السابق، كان استعمال نظام التوقيت العربيّ بالنسبة للقارئ العاديّ أمرًا غير مألوف ومثيرًا للأسئلة. ويجدر بي أن أذكر أنّ الرواية لا تضمّ حواشي أو شروحات لذلك؛ وهذه أداةٌ مثيرةٌ للاهتمام، أو بالأحرى غياب أداة. يسرد الثعالبيّ (ت 1038) في فقه اللغة أسماء الساعات الأربع والعشرين في النهار والليل. يقسم اليوم إلى قسمين من شروق الشمس إلى غروبها (النهار)، ومن غروبها إلى الفجر (الليل).39 سهّل الغيطانيّ الأمر على القارئ بذكر الضحى، لأنّ المقصود أربع ساعاتٍ بعد شروق الشمس؛ وهي الساعة الرابعة من ساعات النهار.40

إنّ إحالة الرواية إلى أنظمةٍ شرعيّةٍ وقضائيّةٍ قديمة (مثل الترسيم) لم تعد مطبّقةً في زمن الكاتب ومكانه – أو زمن القارئ ومكانه – أي زمن نشر الرواية عام 1971 وما بعده، فضلًا عن إحالتها إلى طريقةٍ مختلفة في حساب الوقت والإشارة إليه، هذه الإحالات التي تجري في إطاراتٍ معرفيّةٍ خاصّة ومن دون أدنى شرح تجبر القارئ على دخول التراث الذي يعتمده الغيطانيّ والذي ربّما يوحي لنا استعمالًا آخر لفكرة ”السرادق” أيضًا. وُضعت هذه التفاصيل بمثابة مطبّاتٍ للقراءة ومنغّصاتٍ للفهم؛ هي مضايقاتٌ معرفيّة هادفة تنتظر القارئ أن يثيرها. إنّ اللفتات الصغيرة إلى ما هو غير مألوفٍ قضائيًّا ولغويًّا، عن طريق عرض ما يبدو نوعًا غريبًا من العربيّة وطريقةً مغايرة لحساب الوقت في الرواية، تدعو القارئ إلى طرح عدّة أسئلة. هذه الأسئلة لا تتعلّق فقط بمعناها بل أيضًا بالاضمحلال والتقلّص اللغويّ التدريجيّ والانقطاعات والفراغات المعرفيّة. ما الذي حصل لهذه الأنظمة؟ ما الذي تغيّر في اللغة والقانون؟ إنّ نقد الغيطانيّ بارعٌ للغاية، ولا يكاد يُرى، إذ يقوم بنسخٍ مضادّ للاستعمال التقليديّ للأنظمة العربيّة المعرفيّة الحديثة الخاصّة بالوقت والقانون في فعلٍ نقديّ أو مساءلةٍ للتصنيفات القائمة أو الموجودة‪.‬

لا يقدّم الغيطانيّ حاشيةً ولا يشرح معنى هذه الإحالات؛ يتوجّب على القرّاء إن أحبّوا أن يجروا بحثهم الخاصّ. بهذه الخلفيّة، ومع حجب المعلومات عن القارئ، يبدو هذا التصرّف لفتةً مزعجة في عملٍ غير تعليميّ، يوظّفها الكاتب أداةً معرفيّة في الرواية. ويُعَدُّ أيضًا أداةً لإثارة الفضول إذا ما كان القارئ كريمًا في أفضل احتمال، أو أداةً لإحباط الفهم إذا لم يكن القارئ كريمًا في أسوأ احتمال. وفي الحالتين، فإنّ القارئ مدفوعٌ إلى تجاوز عدم الألفة والتساؤل عن مصادرها وأسبابها؛ قد يتوقّف عند تحصيل المعلومة المحدّدة لكنّه قد يذهب أبعد منها أيضًا. ولذلك فإنّ وضع الحواشي سيحرم القارئ من خوض رحلته في التراث ويقيّده‪.‬

فضلًا عن ذلك، إنّ اختيار الغيطانيّ من الأدب ومن الحوليّات والسجلّات التاريخيّة لابن إياس تحديدًا يشير إلى تأليفٍ قائمٍ على التضادّ. أعني بذلك أنّ الغيطانيّ انتخب بعنايةٍ لحظاتٍ من التاريخ المملوكي تركّز على الرقابة، والسجن والتعذيب، والارتشاء في السلطة أثناء ذلك العصر. إنّ الحقيقة التاريخيّة للمحتسب الزيني بركات، والحقائق التاريخيّة للمعارك التي جرت بين المماليك والعثمانيّين منتهيةً بغزو العثمانيّين، فضلًا عن ذكر اسم أحد أبشع السجون في القاهرة، وهو سجن المقشرة (سُمّي كذلك لأنّه كان مخزنًا للقمح)، كلّ ذلك يصبّ في ما عرّفه بارت بـ”تأثير الواقع.“41 يخبر المقريزيّ عن سجن المقشرة قائلًا: ”وهو من أشنع السجون وأضيقها، يقاسي فيه المسجونون من الغمّ والكرب ما لا يوصف عافانا الله من جميع بلائه.“42 تستعمل الرواية هذا النسيج المملوكيّ لتتقاطع مع حاضر القارئ؛ ما تركّز عليه الرواية هو تحديدًا ما يعاينه القارئ. وباختيار اللحظات والسجلّات التاريخيّة التي ترد في الرواية، تتوقّف عينا القارئ لملاحظة هذه العلاقة. وقد يخبرنا ذلك عن موقف الرواية من حاضرها، ولكن ماذا يخبرنا عن استعمالها للماضي؟ ولصياغة السؤال بشكلٍ أفضل، كيف يؤثّر هذا الاستعمال للتراث على قراءة التراث نفسه ومعه مفهوم الماضي؟ هل قدّمت الرواية معنًى للماضي، وعن طريقه للحاضر أيضًا؟

تبدأ الرواية بهذه الجملة: ”لكلّ أولٍ آخر، ولكلّ بدايةٍ نهاية.“43 تدين هذه الجملة نوعًا ما لمفهوم التاريخ عند ابن خلدون (ت 1406) عن طريق استدعاء مبدأ ارتفاع الأمم والإمبراطوريّات وهبوطها، وإن لم يُذكر ذلك صراحةً ولكن يُحال إليه بشكلٍ تجريديّ كجزءٍ من موضوعٍ محذوف. دعت هذه الملاحظة بعض الباحثين للتمسّك بفكرة أنّ الرواية تغطّي حقبةً تاريخيّةً معيّنة. ”مضمون الرواية يغطّي حقبة زمنيّة محدّدة، قد تكون تكرارًا لحقيقة مماثلة سبقتها، أو إعلانًا عن حقيقةٍ مماثلة لاحقة لها؛ لكنّها على أيّة حال تقع ‘الآن‘ في زمن الرواية.“44 في الواقع، إنّ التركيز على ”الآن” في الرواية واضحٌ في استعمال الفعل المضارع في السرد، والذي يضفي بدوره حيويّةً إلى الأحداث ويجعلها أكثر حركيّة.45 لكنّ الفعل المضارع أيضًا يبرأ بنفسه من تاريخيّة الرواية كقراءةٍ بديلة، ويؤكّد على نقد الحاضر باستعمال إطارٍ تاريخيّ. تقول سامية أسعد إنّ الزيني بركات رواية وليست روايةً تاريخيّة.46 هذا هو الفرق بين الرواية التاريخيّة والرواية التي تستعمل التاريخ إطارًا. فالأخيرة انتقائيّةٌ في اختيار الأحداث التي تريد عرضها لتدفع القارئ للربط بين الأحداث المعروضة والأحداث في حاضر القارئ نفسه.47 على سبيل المثال، تبدأ الرواية نهايةَ انتصار العثمانيّين على المماليك في معركة مرج دابق عام 922/1517، عرفنا ذلك من رواية شخصيّةٍ خياليّة هي المستكشف الإيطاليّ فيسكونتي جيانتي. يُؤخذ القارئ بعدها إلى ذكرى وقعت عام 910 هـ. من شأن استحضار الذكريات في الرواية أن ”يوقف الزمن والحدث.“48 يُروى الماضي على أنّه الحاضر بالنسبة للرحّالة الإيطاليّ. تساعد هذه الأداة الأدبيّة، بإضافة بعدٍ آخر من اللعبة الزمنيّة، على تعزيز فكرة الحاضر عند القارئ. بهذا الصدد، يُرجَع حاضر كلٍّ من فيسكونتي جيانتي والقارئ خطوةً إلى الوراء لقراءة أحداث الرواية التي يُعبَّر عنها بصيغة المضارع (صيغة التعبير عن الواقع)؛ وطُبّقت الاستراتيجيّة ذاتها في خطط الغيطانيّ حيث يسرد لنا خطّة المدينة (الماضية) بصيغة المضارع.49 إنّ تجنّب البدء من ”البداية“ أي زمن أحداث رواية الزيني بركات وتقلّده السلطة يعزّز أيضًا تعتيم فكرة الغائيّة ومفهوم الزمن الخطّيّ في هذا الإطار. تدور الفقرة السابقة حول نفسها، لذلك لا بدّ من إيضاح فكرة التاريخ الدوريّ التي طرحتها تحليلاتٌ خاطئة لفكرة ابن خلدون عن ارتفاع الأمم والإمبراطوريّات وهبوطها‪.‬

إنّ القول بدوريّة التاريخ هو استيعاب كلّ شيءٍ تحت مظلّة التاريخ بما في ذلك الثقافة، والحضارة، وليس فقط الأمّة، أو ”الدولة“ باصطلاح ابن خلدون. هذا خطأٌ في التصنيف. لقد أظهر مايكل كوبرسون (Michael Cooperson) على نحوٍ مقنع أنّ نظريّة ابن خلدون عن ارتفاع الأمم وهبوطها خاصّةٌ بالنظام والدولة.50 ولا تشمل حركة التاريخ، والحضارة، وغير ذلك ممّا يُلحَق بها. يقول ابن خلدون بوضوح إنّ معدّل أعمار الأمم والإمبراطوريّات هو 120 عامًا – هذه الفرضيّة خاصّةٌ بالدولة ولا تشير أبدًا إلى ”الحضارة“ أو ”الثقافة.“ إنّ توسيع ظاهرة الارتفاع والهبوط لتشمل جوانب من الثقافة هو أمرٌ قد سوّق له المستشرقون بالحديث عن ”الحضارة الإسلاميّة“ وبذلك استبدال ”الدولة“ بـ“الحضارة” وإضافتها إلى كلمة ”الإسلاميّة.“51 اعتُمد هذا التعبير لسوء الحظّ، وتمّ استيعابه وتوظيفه بشكلٍ خاطئ حتّى يومنا هذا. وممّا لا يساعد أنّ الإطار التاريخيّ للفترة المملوكيّة يوصف خطأً بالانحطاط، والإصرار على توصيفه بالانحطاط يتزامن مع مقارنة وعلاقة ضدّيّة تصوِّرُ العصرَ العبّاسيّ بأنّه العصر الذهبيّ. يقول كوبرسون إنّ العبّاسيّين قدّموا الأرشيف الورقيّ الأوّل حين عاش العلماء والمفكّرون في ”نورٍ تامٍّ من التاريخ“ وبذلوا جهدًا واعيًا لتسجيل كلّ شيء.52 هل يعني ذلك أنّ هذه الجهود لم تتوفّر في عصورٍ لاحقة، أم أنّه يعني أنّ هذه العصور تخلو من أرشيفٍ غنيّ؟

قد يعترض المرء على هذا النقاش بالقول إنّ الفترات اللاحقة كانت لها شخصيّاتها الحيّة وقصصها المعقّدة أيضًا. هذا صحيحٌ بالفعل. لكنّ حجّتي هنا بأنّه كانت هناك مادّة وفيرة عبّاسيّة (أو شبه عبّاسيّة) تنتظر أن يفعّلها أحدهم ما إن يُتّخذ قرارٌ أوّليّ بالاعتراف بالعصر الممتدّ من منتصف القرن الثامن إلى منتصف القرن التاسع بأنّه عصرٌ ذهبيّ. فإن وقع الاختيار مثلًا على العصر المملوكيّ، توضع خاصّيّة المادّة الوفيرة لتلك الفترة في الخدمة بلا شكّ.53

كانت الحركة الأدبيّة المملوكيّة بعيدةً عن التدهور والانحطاط في الواقع، وهذا ما يبيّنه محسن الموسويّ على نحوٍ مقنع، وكانت لها ديناميكيّة وشبكة فكريّة واسعة تمتدّ في ما أسماه الموسويّ ”جمهوريّةَ الآداب في العصر الإسلامي الوسيط“ وكانت مصر تُعَدُّ مركزًا مهمًّا من بين عدّة مراكز لتلك الحركة.54 إنّ تعبير كوبرسون الذي اختاره بعناية عن المادّة ”التي تنتظر من يفعّلها“ يثبت صحّته مثلًا عندما يُقارَن بين المتخصّصين والطلّاب في الأدب العبّاسيّ وتاريخه مقابل أولئك الذين تخصّصوا في الأدب المملوكيّ وتاريخه، أو عصور أخرى، ناهيك بعدد الطلّاب الضئيل أو المعدوم للمهتمّين بالأدب القديم عامّةً (مقارنةً بالأدب الحديث أو ما يُعرف بأدب عصر النهضة العربية). إنّ عدد المتخصّصين مقارنةً بوفرة المادّة التي تنتظر من يفعّلها لا يضيء بشكلٍ تامّ تاريخ العصور غير العبّاسيّة‪.‬

ولذلك فإنّ القراءة الأرشيفيّة والنرجسيّة-الزمنيّة هي بتعريفها ملتزمةٌ بإطارٍ تحليليّ للتطوّر الفلسفيّ والتاريخيّ ومستدعيةٌ لذلك الإطار. وتشتبك هذه القراءة بقراءةٍ تقارن بين الماضي والحاضر مع تفضيلٍ لأخلاق الحاضر بصفته وارثًا لأفكار الحداثة الاستعماريّة؛ هذه الحداثة التي تُفهَم ضمن إطار الغائيّة والمصطلحات التاريخيّة للتطوّر. تدعو القارئ إلى القول: ”لا شيء قد تغيّر حقيقةً“ أو ربّما ”إنّ التاريخ يرجع إلى الوراء.“ يُحتمل كثيرًا أن تكون هذه القراءة متاحةً لأيّ قارئٍ للرواية يقارن بين ممارسات المماليك ونظامهم في المراقبة وسجونهم وانهزامهم – كما بيّنت الرواية –، وبعض أحداث الستّينات من القرن العشرين في مصر. كان أدب السجون شائعًا، وكَثُر دخول المفكّرين والروائيّين إلى السجن وخضوعهم للمراقبة بين ستّينات القرن العشرين وسبعيناته وإلى حدٍّ ما ثمانيناته أيضًا، وكتب الكثير من الكتّاب والروائيّين المصريّين عن تجاربهم تلك، وممّا كُتب على سبيل المثال تلك الرائحة [1966] واللجنة [1981] لصنع الله إبراهيم، واثنتا عشرة امرأة في زنزانة [1982] لنوال السعداويّ فضلًا عن مذكّراتها الواقعيّة في سجن النساء، والكرنك [1974] لنجيب محفوظ. وتتكرّر التجربة الأدبيّة ذاتها مع كتّابٍ آخرين من العالم العربيّ في تلك الفترة التاريخيّة، تُذكر في سوريا رواية السجن [1972] لنبيل سليمان، والرواية الحديثة مديح الكراهية [2008] لخالد خليفة والتي نالت الجائزة العالميّة للرواية العربيّة، والقوقعة: يوميّات متلصّص [2007] لمصطفى خليفة والتي اشتُهرت كثيرًا وتناولت الحياة في سجن تدمر. ومن العراق تُذكر رواية القلعة الخامسة [1972] لفاضل العزّاويّ. دُرِست مادّة أدب السجون على نحوٍ شاملٍ ومستمرّ في الأوساط الأكاديميّة العربيّة، لكنّها لم تأخذ حقَّها في الأكاديميّات الغربيّة التي ظهر فيها كتابٌ واحدٌ حتّى الآن هو: Arabic Prison Literature: Resistance, Torture, Alienation, and Freedom (2014) لجولا إليمليخ (Geula Elimelekh). تستحقّ مادّة أدب السجون الاهتمامَ لما فيها من احتمالات هائلة للكشف عن الابتكارات الأدبيّة والأدوات الجماليّة والأسلوبيّة الفريدة وذلك للكتابة عمّا ”يفوق الوصف“ في التجارب الإنسانيّة وما لم يُحكَ ولم يُعرَض؛ سيكون بمقدور الدراسات المستقبليّة أن تشتبك مع هذه الاحتمالات وأن تضعها في حوارٍ مع نظرائها ضمن الأدب المقارن‪.‬

تختلف رواية الزيني بركات في استعمالها أنواعًا أدبيّةً مختلفة مثل الرحلة والحوليّات وتقارير المراقبة، وأساليب منوّعةً في الكتابة مثل النداء.55 وتختلف أيضًا – بعكس كثيرٍ من الروايات العربيّة قبلها – في توظيفها أشكالَ الكتابة هذه والأنواعَ الأدبيّة. ولم يكن الاستعمال المبتكَر للتراث مقتصرًا على أغراض ”تجريبيّة“؛ فذلك خطأٌ نظريٌّ يحرم الكاتب من الفاعليّة ويصوّره غير مدركٍ لهذه الإحالات، ويُعفي بذلك القارئ من هذه العلاقة لصالح نصٍّ مغلق. ولكنّ الاستعمال المبتكَر للتراث يشير إلى استراتيجيّة ”الاستمراريّة التاريخيّة“ من جهة الكاتب، وإلى رغبةٍ في الوعي التاريخيّ (عن طريق التراث أيضًا) من جهة القارئ. أحالت الرواية إلى ابن خلدون، وقد لاحظت بعض الدراسات الإحالاتِ الخلدونيّة الجوهريّة إلى التاريخ، وقد حاولتُ إيضاحها في ما سبق. يبقى الكلام عن ناحيةٍ أخرى برزت في النقاش عن ابن خلدون، وهو أستاذ المقريزيّ. إنّ توصيف الرواية لما يسمّيه ابن خلدون ”المَلَكَة“ يستحقّ النقاش. المَلَكَة بالنسبة لابن خلدون إمّا أن تكون رفيقةً وعادلة وذلك وجهها الحسن، وإمّا أن تكون سيّئة ومتعسّفة فتحدث ضررًا على الناس وهلاكًا لهم.56

تبدأ الرواية في سرادقها الأوّل بأحداثٍ تتعلّق بالمحتسب السابق عليّ بن أبي الجود الذي استغلّ منصبه لجني ثروته. ويقدّم لنا المطلع وصفًا لمنزله الفخم وجواريه السبعة والستّين من جميع أنحاء العالم. وتطالعنا مباشرةً صورةٌ ”بما يأتيه عليّ بن أبي الجود في حقّ الخلق، المظالم المستجدّة في كلّ يوم.“57 ثمّ يُذكر أنّ عليًّا كان يفكّر دائمًا في تطوير طرقٍ جديدةٍ للظلم والتعذيب، وقد بلغ في فنون تعذيبه للضحايا أن أمر باعتقال امرأةٍ حامل فقيرة، ثمّ أمر بضربها بالمقارع، وبإحراق أطرافها بالقطران ”حتّى رمت ما في رحمها ولدًا ذكرًا في ستّة شهور.“58 يروي المقريزيّ بعض الأعمال الوحشيّة المشابهة لما يصوّره الغيطانيّ في روايته. يخبرنا عن أشخاصٍ أُلقوا في السجن لتخلّفهم عن دفع الضرائب أو الديون أو أموالٍ مستحقّة للدولة، وكان قبل ذلك قد أورد أنّه في زمن النبيّ، وأثناء حكم الخلفاء الراشدين الأربعة، لم يكن الرجل يُسجن بسبب دَيْن (والسجن في ذلك الزمان كان احتجاز الرجل في داره أو مراقبته، ويُدعى ترسيمًا). ويعرض المقريزيّ ذلك على ممارسات ”الإدارة“ المعاصرة للبلاد فيقول‪:‬

وأمّا الحبس الذي هو الآن، فإنّه لا يجوز عند أحد من المسلمين، وذلك أنّه يجمع الجمع الكثير في موضع يضيق عنهم، غير متمكّنين من الوضوء والصلاة، وقد يرى بعضهم عورة بعض، ويؤذيهم الحرّ في الصيف، والبرد في الشتاء، وربما يحبس أحدهم السنة وأكثر ولا جدّة له، وأنّ أصل حبسه على ضمان، وأمّا سجون الولاة فلا يوصف ما يحلّ بأهلها من البلاء، واشتهر أمرهم أنّهم يخرجون مع الأعوان في الحديد حتّى يشحذوا وهم يصرخون في الطرقات الجوع، فما تصدّق به عليهم لا ينالهم منه إلّا ما يدخل بطونهم، وجميع ما يجتمع لهم من صدقات الناس يأخذه السجّان وأعوان الوالي، ومن لم يرضهم بالغوا في عقوبته، وهم مع ذلك يستعملون في الحفر وفي العمائر ونحو ذلك من الأعمال الشاقّة، والأعوان تستحثّهم، فإذا انقضى عملهم ردّوا إلى السجن في حديدهم من غير أن يطعموا شيئًا. إلى غير ذلك ممّا لا يسع حكايته هنا.59

الاستبداد عند ابن خلدون ليس فرض القوّة على الشعب؛ وإنّما استعمال الطبقة المقرّبة من الحكم سلطتَها للتغلّب على السلطان الحاكم وللانتفاع. فهذه الطبقة ”مستتر[ة] في استبداده[ا] بالحجاب الذي ضربه السلطان وأوّلوه على أنفسهم…،“60 والذي بدوره يُضعف المجتمع في نهاية المطاف ويجعله عرضةً لاحتلال خارجيّ‪.‬

يضيء المقريزيّ على اضطهاد أجهزة الحكم للسجناء لما فيه مصالحها الخاصّة. وفي الرواية، يُعزل الفاسد عليّ ويشتري الزيني بركات المنصب من أحد الأمراء بثلاثة آلاف درهم.61 ويبدو الزيني بركات واثقًا من أنّ المنصب سيعود عليه بأكثر بكثير ممّا دفعه رشوةً للحصول عليه. وعندما تولّى الزيني بركات منصبه، احتجز عليًّا في داره (بحكم الترسيم) للتحقيق في ممتلكاته. كان دخله اليوميّ من أملاكه وضماناته ألف دينار؛ وقُدِّرت تركته بمائة وخمسين ألف دينارٍ ذهبًا فضلًا عن ستّة صناديق من الجواهر والأحجار الكريمة والماس، إلخ. وتبطئ الرواية هنا في تعداد ممتلكات عليّ وما في خزائنه: مائة قفطان بفرو السناجب، وأربعمائة قفطانٍ بغير فرو، وعشرون سرجًا ذهبيًّا، فضلًا عن خمسين فرسًا ومائة بغل ومائة جمل، وغنم، والكثير من الجواري والمماليك.62 ثمّ يخبر الراوي مستنكرًا أنّ الرجل اللعين كان يُخفي الكثير، وأنّ هذه الأموال كلّها ستُضَمّ إلى خزانة السلطان لأنّ الناس في أمسّ الحاجة إليها في ظلّ الأوقات الحرجة من الهجمات العثمانيّة على مصر.63 بحسب ابن خلدون، يغدو التعاون الداخليّ مع الوقت والأطوار مستحيلًا، وتبدأ المجتمعات الصغيرة بالانقلاب على بعضها بقصد التغلّب. يقدّم لنا الزيني بركات مثالًا جيّدًا على ذلك، فهو ونائبه في تنافسٍ لا تعاون، ومعظم الفاسدين وكذلك الأمراء المتنافسون المتخاصمون انقلبوا ضدّ بعضهم وتآمروا، واستعملوا السلطة لمصالحهم الخاصّة (أي لتعزيز السلطة والثراء). فالإبقاء على ما شخّصه ابن خلدون من أمراض الدولة يؤدّي في النهاية إلى إضعافها وتعرّضها لهجماتٍ خارجيّة، وهو ما ظهر بوضوحٍ في الرواية. فالأمر لا يتعلّق فقط بربط أحداث الرواية بمصر في الستّينات من القرن العشرين كما تورد معظم الأبحاث السابق ذكرها. ولكنّ البعد التراثيّ للإحالة الخلدونيّة يشير إلى أنّ أيّ حاكم تنقصه الحكمة السياسيّة – كما يرى ابن خلدون – لن يكون قادرًا على حماية حدوده ومجتمعه ضدّ قوّة خارجيّة أو انحطاطٍ داخليّ. إنّ التعريف الخلدونيّ للحكمة السياسيّة لا يقتصر فقط على معرفة علم التاريخ وتعلّم الأخبار وجمعها، وأخبار انتصارات الحضارات السابقة والحاضرة وإخفاقاتها، ولكن أيضًا ”يعرّفك كيف دخل أهل الدول من أبوابها، حتّى تنزع من التقليد يدك، وتقف على أحوال ما قبلك من الأيّام والأجيال وما بعدك.“64 إذن نرى التأصيل للوعي التاريخيّ الذي يربط الماضي والحاضر والمستقبل – بحسب قول ابن خلدون – نواةً للحكمة السياسيّة أيضًا وليس فقط روايةً تاريخيّة منقولة‪.‬

اهتمّت السلطات المذكورة في الرواية بجمع المعلومات عن الأشخاص وراقبت أكثرَ أسرارِهم خصوصيّةً داخل منازلهم وغرف نومهم. والشخص الوحيد في الرواية الذي يُحتمل أن يكون جامعًا للحكمة السياسيّة، بالمعنى الخلدونيّ، ويدوّن المعلومات الخاصّة بالنجاحات والإخفاقات في مصر هو في الواقع التاجر الإيطاليّ الخياليّ فيسكونتي جيانتي. ومع انتهاء الرواية بسردٍ على لسان هذا التاجر؛ يكون السرد الأوّل في شهر رجب 922/1517 بعد الغزو العثمانيّ، ثمّ تعود الرواية بالزمن إلى الوراء إلى عام 1507/912 وتنتهي بسردٍ نهائيّ لفيسكونتي عام 923/1517–1518. يذكر فيسكونتي عددًا من الممارسات البشعة بحقّ أجساد الأموات في الطرقات، رجالٌ أُدخل سيخٌ في ضلوعهم، ونساءٌ ملقيات على الطرقات ميّتات ونهودهنّ مقطوعة، وجثثٌ مشوّهة سقطت أثناء غزو العثمانيّين. يسأل فيسكونتي السؤال الجوهريّ، ويصفه بسؤال أبله معلّق: ”لماذا جرى ما جرى؟“65 هذا هو السؤال الخلدونيّ الذي تطرحه الرواية. وبهذا، تخدم تقنيّات الغيطانيّ الروائيّة ما هو أبعد من قراءةٍ رجعيّةٍ للماضي؛ فهي من جهةٍ تُسهم في الحكمة السياسيّة لدى القرّاء، ومن جهةٍ أخرى تنقد مفاهيم الحكمة السياسيّة. بتعبيرٍ أدقّ، إنّ عرض مقوّمات الانحطاط الخلدونيّة في الرواية يرد مفصّلًا في النهاية التي تخبرنا بالغياب الكامل للحكمة السياسيّة لدى السلطات المذكورة في الرواية. ويُروى أنّ الزينيّ كان يحاول جمع الشباب لمقاتلة العثمانيّين لكنّ نواياه كانت محطّ تشكيك؛ فالناس لم يعودوا يثقون به لأنّهم رأوه يزور الأمير خاير بك، حاكم مصر بأمر العثمانيّين والمتواطئ معهم. يستدعي ذلك المشهد ما أورده ابن خلدون في معرض حديثه عن أمراض الدولة المؤدّية إلى إضعافها وتعرّضها للغزو بسهولة لفساد الحماية‪:‬

ويعود حسن الملكة إلى الرفق فإنّ الملك إذا كان قاهرًا باطشًا بالعقوبات منقّبًا عن عورات الناس وتعديد ذنوبهم شملهم الخوف والذلّ ولاذوا منه بالكذب والمكر والخديعة فتخلّقوا بها وفسدت بصائرهم وأخلاقهم وربّما خذلوه في مواطن الحروب والمدافعات ففسدت الحماية بفساد النيّات… وإذا كان رفيقًا بهم متجاوزًا عن سيّئاتهم استناموا إليه ولاذوا به وأشربوا محبّته واستماتوا دونه في محاربة أعدائه فاستقام الأمر من كلّ جانب وأمّا توابع حسن الملكة فهي النعمة عليهم والمدافعة عنهم فالمدافعة بها تتمّ حقيقة الملك وأمّا النعمة عليهم والإحسان لهم فمن جملة الرفق بهم والنظر لهم في معاشهم وهي أصل كبير من التحبّب إلى الرعيّة[.]66

يذكّر هذا المشهد بشراء الزيني بركات المنصبَ في بداية الرواية، للتأكيد على ما أسماه ابن خلدون فساد الحماية بفساد النيّات. ينتهي سرد فيسكونتي بإعلانين يُظهران لنا أنّ الزيني بركات هو المحتسب، وأنّه نفسه ينادي بأنّ العملة العثمانيّة قد حلّت محلّ العملة المملوكيّة.67 لقد أُجيب عن سؤال فيسكونتي والقرّاء لأنّ السلطات تعرض نقصًا طوعيًّا للحكمة السياسيّة لتعزيز غلبتها أو انتفاعها أو ثرائها، لكنّها تنتهي بملاحظةٍ إيجابيّة على لسان أحد العابرين يقول لفيسكونتي إنّهم لا يثقون به بعد الآن. ويتماشى الوعي التاريخيّ الناشئ لدى هذا العابر مع عرض الرواية الخاصّ بالتاريخ أي الحكمة السياسيّة للقارئ‪.‬

إنّ الطبيعة المنهجيّة للتناصّ في الحديث عن الزيني بركات على وجه الخصوص، أو عن الإحالات إلى الماضي عامّةً، قد تسبّبت فعلًا بظلمٍ معرفيّ. حُرمَت الرواية من كامل إمكانيّاتها عن طريق مناقشة التراث بكامل إمكانيّاته، واستعماله في الرواية بأكثر من مجرّد إحالة أو خلفيّة يُقصد بها التقليل من شأن موقفٍ غير مرغوبٍ فيه، أو عرضه على نحو ما تعرّفه بعض الدراسات برمزيّة مصر في الستّينات من القرن العشرين. يعفي التناصّ الكاتب ومعه القارئ من إجراء أيّ إحالاتٍ خارج النصّ ويعدّها غير مقصودة. وبهذا، يرفض التناصّ تذكُّر التراث وهو بذلك يمحو التاريخ والوعي التاريخيّ. ومن شأن الوعي التاريخيّ أن يوضح العلاقة التي تربط الماضي بالحاضر والمستقبل؛ ويسمح لنا أن ننظر إلى التاريخ بصفته روائيًّا ومعلّمًا لا تصويرًا فحسب.68 قدّمت لنا رواية الغيطانيّ تصويرًا للحظةٍ حاسمة في التاريخ المملوكيّ. وقد رُتِّبت الأحداث التاريخيّة لتصير رواية، وسمح هذا الترتيب للقارئ بالتركيز على أسئلةٍ محدّدة لا تتعلّق بتصوير الماضي فقط بل الحاضر والمستقبل أيضًا وِفق التعبير الخلدونيّ. إنّ الغيطانيّ بحجبه لتفسير المصطلحات التراثيّة وأبعادها الفكريّة والفلسفيّة يؤكّد هذا الاعتقاد القويّ في أهمّيّة الوعي التاريخيّ. وأبعد من الحصول على تعريفٍ لمصطلحاتٍ غير معروفة، فإنّ الحصول على إجابةٍ لسؤال فيسكونتي أو عبرته المستخلصة يرسم الفارق بين التراث بصفته تناصًّا غير مقصود، والتراث بصفته توليدًا ووعيًا تاريخيًّا؛ ويرسم الفارق بين خلق قارئٍ نرجسيّ في تفضيله لزمانه وبين قارئٍ يوحّد التجربة الإنسانيّة على حدّ تعبير الغيطانيّ‪.‬

1

سُلّم هذا المقال بالإنجليزيّة، ونقلته إلى العربيّة المراجعة اللغويّة في مجلّة المركز لينا الجمّال‪.‬

2

Hilary Kilpatrick, “The Arabic Novel – A Single Tradition?,” Journal of Arabic Literature 5 (1974), 93–107.

3

انظر بعض الأمثلة التي اعتمدت على تصنيف “الرواية الأوروبيّة” في النقد الأدبيّ‪:‬

Franco Moretti, Atlas of the European Novel 1800–1900 (London: Verso, 1997); Daniel R. Schwarz, Reading the European Novel to 1900: A Critical Study of Major Fiction from Cervantes’ Don Quixote to Zola’s Germinal (Oxford: Wiley-Blackwell, 2014); idem., Reading the Modern European Novel Since 1900 (Oxford: Wiley-Blackwell, 2018); Tatiana Kuzmic, Adulterous Nations: Family Politics and National Anxiety in the European Novel (Illinois: Northwestern University Press, 2016).

4

Hilary Kilpatrick, “The Arabic Novel – A Single Tradition?,” 107.

5

يؤكّد صبري حافظ أنّ الرواية طُبعت في دمشق عام 1974 ويخطّئ إدوارد سعيد ومطلع الترجمة الذي يجعل تاريخ النشر عام 1971. ولكن في مقابلةٍ أُجريت مع الغيطانيّ يروي الكاتب أنّ الرواية طُبعت عام 1971 وذلك التاريخ يشير إلى طباعتها مسلسلة وتعتمد مراجع مختلفة هذا التاريخ أيضًا. وأُثبت بدوري التاريخ الذي ذكره الغيطانيّ. انظر‪:‬

Sabry Hafez, “Touching on taboos,” Third World Quarterly 11, 4 (Oct. 1989), 305–8;

جمال الغيطانيّ، “حوار مع الروائيّ جمال الغيطانيّ،” مجلّة الحياة الثقافيّة 58 (تونس، 1990)، 109‫.‬

6

للمزيد انظر:

Richard Jacquemond, Conscience of the Nation: Writers, State, and Society in Modern Egypt, trans. David Tresilian (Cairo: The American University in Cairo Press, 2008); Elisabeth Kendell, Literature, Journalism and the Avant-Garde: Intersection in Egypt (New York: Routledge, 2006);

لنقاشٍ عن مجموعة 69 وجيل الكتّاب اليافعين في الستّينات الذين طوّروا تقنيّاتٍ جماليّة إبداعيّة، انظر‪:‬

Yasmin Ramadan, “The Emergence of the Sixties Generation in Egypt and the Anxiety over Categorization,” Journal of Arabic Literature 43 (2012), 409–30.

7

إلياس خوري، الذاكرة المفقودة (بيروت: دار الآداب، 1981)، 42‫.‬

8

Roger Allen, The Arabic Novel: An Historical and Critical Introduction (New York: Syracuse University Press, 1995), 197.

9

المسعوديّ، مروج الذهب ومعادن الجوهر (بيروت: دار الأندلس، 1966)، 4: 168؛ استُشهد به في: محمّد رجب النجّار، حكايات الشطّار والعيّارين في التراث العربيّ (الكويت: المجلس الوطنيّ للثقافة والفنون والآداب، 1981)، 64؛

Robert Irwin, The Arabian Nights: A Companion (London: I.B. Tauris., 1994), 145.

10

ابن الأثير، الكامل في التاريخ (بيروت: دار صادر، 1966)، 9: 591–592؛ استُشهد به في النجّار، حكايات الشطّار والعيّارين، 65‫.‬

11

ابن إياس، بدائع الزهور في وقائع الدهور (القاهرة: دار الشعب، د.ت.)، 537؛ استُشهد به في النجّار، حكايات الشطّار والعيّارين، 65‫.‬

12

للمزيد عن الشطّار والمحتالين في حكايات ألف ليلة وليلة، انظر‫:‬

Sarah R. bin Tyeer, The Qur’an and the Aesthetic of Premodern Arabic Prose (London: Palgrave Macmillan, 2016), 169–90.

13

انظر‫:‬

Samia Mehrez, Egyptian Writers between History and Fiction (Cairo: American University in Cairo Press, 1994), 96–118; Ceza Kassem, “In Quest of New Narrative Forms: Irony in the Works of Four Egyptian Writers,” Journal of Arabic Literature 12 (1981), 137–59;

سيزا قاسم، “المفارقة في القصّ العربيّ المعاصر،” فصول 2 (1982)، 143–152‫.‬

14

Sabry Hafez, “Touching on taboos,” 307.

15

المصدر نفسه‫.‬

16

جمال الغيطانيّ، “حوار مع الروائيّ جمال الغيطانيّ،” 108‫.‬

17

المصدر نفسه‫.‬

18

تيل كيل مجلّة أدبيّة فرنسيّة أُسّست في باريس عام 1960، وكانت أيضًا تُعَدُّ مؤسّسةً فكريّة وضمّت كتّابًا ومساهمين تركوا أثرًا عميقًا في الحياة الفكريّة الفرنسيّة، منهم: ميشال فوكو (Michel Foucault)، وموريس بلانشو (Maurice Blanchot)، وجاك دريدا (Jacques Derrida)، وشوشانا فيلمن (Shoshana Felman)، وتزفيتان تودوروف (Tzvetan Todorov)، وأومبرتو إكو (Umberto Eco)، وجرار جينيت (Gérard Genette). توقّفت المجلّة عن النشر عام 1982‫.‬

19

Manfred Pfister, “How Postmodern is Intertextuality?,” in Intertextuality, ed. Henrich F. Plett (Berlin: Walter de Gruyter, 1991), 212.

20

Graham Allen, Intertextuality (New York and Oxford: Routledge, 2000, 2011), 36.

21

انظر:

Roland Barthes, “La mort de l’auteur” [The Death of the Author];

وانظر أيضًا نقد ميشال فوكو لهذا المقال وردّه غير المباشر في عام 1969‫:‬

Michel Foucault, “Qu’est-ce qu’un auteur?” [What is an Author?].

22

William Irwin, “Against Intertextuality,” Philosophy and Literature 28, 2 (2004), 230.

23

انظر: المصدر نفسه، 230‫.‬

24

المصدر نفسه، 233‫.‬

25

المصدر نفسه، 230‫.‬

26

المصدر نفسه، 231‫.‬

27

المصدر نفسه، 232‫.‬

28

الحبيب الدائم ربّي، الكتابة والتناصّ في الرواية العربيّة (الرباط: اتّحاد كتّاب المغرب، 2004)، 8‫.‬

29

Abdelfattah Kilito, The Author and His Doubles: Essays on Classical Arabic Culture, trans. Michael Cooperson (Syracuse: Syracuse University Press, 2001), 19.

30

المصدر نفسه، 20‫.‬

31

Amidu Sanni, “Filiation: The Arabic Theorist’s Prescription for Artistic Excellence,” Quaderni di Studi Arabi 12 (1994), 13.

32

جمال الغيطانيّ، “حوار مع الروائيّ جمال الغيطانيّ،” 108. يثبت الغيطانيّ ذلك بواسطة روايةِ حدثٍ قرأ عنه في كلٍّ من رواية ابن إياس ورواية شهاب الدين ابن حجر العسقلانيّ في إنباء الغمر بأبناء العمر، وهو قتل المؤيّد ابنَه إبراهيم بالسمّ. يذكر الغيطانيّ أنّه قارن الحدث في الروايتين وأُعجب ببراعة ابن إياس الفنّيّة في إعادة نقل الرواية، وقارنه بالروائيّ في اهتمامه بالتفاصيل‫.‬

33

Edward Said, “Introduction: Secular Criticism,” in The World, the Text, and the Critic (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1983), 1–30.

34

يحاجج روجر ألان بأنّ السرادق خيمة (canopy) أكثر منه جناح (pavilion) لا سيّما أنّ ثبات الأخير لا يتّفق مع المعنى الأصلي للسرادق في النصّ العربيّ الذي يقتضي طبيعةً أقلّ ثباتًا مثل الخيمة‫.‬

35

جمال الغيطانيّ، الزيني بركات (القاهرة: دار الشروق، 2005)، 131‫.‬

36

محمّد أحمد دهمان، معجم الألفاظ التاريخيّة في العصر المملوكيّ (دمشق: دار الفكر، 1990)، 42‫.‬

37

القرافيّ، الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرّفات القاضي والإمام، تحقيق عبد الفتّاح أبو غدّة (بيروت: دار البشائر الإسلاميّة للطباعة والنشر والتوزيع، 1995)، 31، حاشية رقم 3‫.‬

38

الغيطانيّ، الزيني بركات، 132‫.‬

39

الثعالبيّ، فقه اللغة وسرّ العربيّة، تحقيق عبد الرزّاق المهديّ (بيروت: دار إحياء التراث العربيّ، 2002)، 215. ساعات النهار (الشروق، البكور، الغدوة، الضحى، الهاجرة، الظاهرة، الرواح، العصر، القصر، الأصيل، العشيّ، الغروب)؛ ساعات الليل (الشفق، الغسق، العتمة، السدفة، الفحمة، الزلّة، الزلفة، البهرة، السحر، الفجر، الصبح، الصباح)‫.‬

40

للمزيد عن مفهوم الوقت وحسابه في الحضارة العربيّة-الإسلاميّة، انظر‫:‬

Ibn Jābir al-Battānī al-Ḥarrānī, Kitāb al-zīj al-ṣābiʾ [Al-Battānī sive Albatenii Opus astronomicum], ed. Carlo Alphonso Nallino (Mediolani Insubrum: Prostat apud U. Hoeplium, 1899–1907); Gerhard Böwering, “The Concept of Time in Islam,” Proceedings of the American Philosophical Society 141, 1 (March 1997), 55–66.

41

Roland Barthes, “The Reality Effect,” in The Rustle of Language, trans. Richard Howard (Berkeley and Los Angeles: University of California Press, 1989), 141–49.

42

المقريزيّ، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار [خطط المقريزيّ] (بيروت: دار الكتب العلميّة، 1418هـ)، 3: 340‫.‬

43

الغيطانيّ، الزيني بركات، 5‫.‬

44

سامية أسعد، “عندما يكتب الروائيّ التاريخ،” فصول 2 (1982)، 7‫.‬

45

المصدر نفسه، 70‫.‬

46

المصدر نفسه، 68‫.‬

47

المصدر نفسه‫.‬

48

Constance E. Berkley, “The Roots of Consciousness Molding in the Art of Tayeb Salih: A Contemporary Sudanese Writer” (PhD Dissertation, New York Univ., 1979), 206.

49

تطبّق شهرزاد الاستراتيجيّة ذاتها في ألف ليلة وليلة. تحوّل الماضي والمستقبل إلى الحاضر المستمرّ (صيغة المضارع). انظر‫:‬

Ferial Ghazoul, Nocturnal Poetics: The Arabian Nights in Comparative Context (Cairo: The American University in Cairo Press, 1996), 96.

50

Michael Cooperson, “The Abbasid Golden Age: An Excavation,” al-ʿUṣūr al-Wuṣṭā 25 (2017), 41–65.

51

انظر نقاش مايكل كوبرسون (Michael Cooperson) عن هذا، وخاصّةً نقاشه عن فهم ألفرد فون كريمر (Alfred von Kremer) لعمل ابن خلدون بصفته تاريخًا ثقافيًّا (Kulturgeschichte)، فيشيد فون كريمر بابتكار ابن خلدون لهذه الطريقة التي شخّص فيها تدهور حضارته؛ المصدر نفسه، 47‫.‬

52

المصدر نفسه، 57‫.‬

53

المصدر نفسه‫.‬

54

انظر‫:‬

Muhsin al-Musawi, The Medieval Islamic Republic of Letters: Arabic Knowledge Construction (Indiana: Notre Dame University Press, 2015).

محسن جاسم الموسوي، جمهورية الآداب في العصر الإسلامي الوسيط: البنية العربية للمعرفة. ترجمة حبيبة حسن (الشبكة العربية للأبحاث و النشر، 2020)‫.‬

55

تمّت محاكاة هذه التقنيّة بعد ذلك طبعًا كما في أن تكون عباس العبد لأحمد العايدي الذي وظّف أنواعًا أدبيّةً مختلفة ولغة التكنولوجيا‫.‬

56

ابن خلدون، المقدّمة: ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، تحقيق خليل شحادة (بيروت: دار الفكر، 1988)، 1: 236‫.‬

57

الغيطانيّ، الزيني بركات، 23‫.‬

58

المصدر نفسه‫.‬

59

المقريزيّ، المواعظ والاعتبار، 3: 328‫.‬

60

ابن خلدون، المقدّمة، 1: 233–234‫.‬

61

الغيطانيّ، الزيني بركات، 23‫.‬

62

المصدر نفسه، 131–132‫.‬

63

المصدر نفسه، 132‫.‬

64

ابن خلدون، المقدّمة، 1: 9‫.‬

65

الغيطانيّ، الزيني بركات، 281‫.‬

66

ابن خلدون، المقدّمة، 1: 236‫.‬

67

الغيطانيّ، الزيني بركات، 282–283‫.‬

68

Andrew Glencross, “From ‘doing history’ to thinking historically: Historical consciousness across History and International Relations,” International Relations 29, 4 (2015), 413–33.

Content Metrics

All Time Past Year Past 30 Days
Abstract Views 0 0 0
Full Text Views 481 481 63
PDF Views & Downloads 740 740 52