Save

The Rise of the Arabic Book, written by Beatrice Gruendler

In: المركز: مجلة الدراسات العربية
Author:
Ibrahim Abdulrahman Alfraih (إبراهيم بن عبد الرحمن الفريح) أستاذ الأدب والنقد المساعد في جامعة الملك سعود (Assistant Professor of Arabic Literature and Criticism, Department of Arabic Language and Literature, King Saud University) الر ياض (Riyadh) المملكة العربيّة السعوديّة (Saudi Arabia)

Search for other papers by Ibrahim Abdulrahman Alfraih (إبراهيم بن عبد الرحمن الفريح) in
Current site
Google Scholar
PubMed
Close
Open Access

Beatrice Gruendler, The Rise of the Arabic Book, 272 pp. Cambridge, Massachusetts: Harvard University Press, 2020. €36.00. Hardcover. ISBN 9780674987814.

تُمثِّل المرحلة الزمنيّة الممتدّة من النصف الثاني من القرن الثاني الهجريّ وحتّى نهاية القرن الثالث مرحلةً بالغة الأهمّيّة في تاريخ الحضارة العربيّة الإسلاميّة؛ إذ شهدت انفتاحًا ثقافيًّا على حضارات أخرى وازدهارًا للكتابة والتدوين. وعُرفت هذه المرحلة في دراسات عديدة بعصر التدوين، أو طور الانتقال من الثقافة الشفاهيّة إلى الكتابيّة؛ إذ كان الكتاب فيها وسيطًا جوهريًّا في نقل المعرفة وتدوين العلوم. وقد قارن بعض الباحثين بين هذه المرحلة ومرحلة ازدهار الكتب التي شهدتها أوروبا بعد اختراع تقنيّة الطباعة بالأحرف المتحرّكة في القرن الخامس عشر الميلاديّ التي كان لها دورٌ فعَّال في إحداث تغييرات جوهريّة ممتدّة، مثل إتاحة الكتب لجمهورٍ أوسع من القرّاء. هذا فضلًا عمّا أفضَت إليه الطباعة من آثارٍ لغويّة وثقافيّة مشابهة لتلك التي حدثت نتيجةً لثورة الكتاب العربيّ في القرن الثالث الهجريّ.1 يُقرِّر محمد عابد الجابري أهمّيّة هذه المرحلة في تشكيل رؤية الماضي والمستقبل، مؤكّدًا أنَّ عصر التدوين هو‪:‬

الإطار المرجعيّ الذي يتحدّد به ما قبله […] فصورة العصر الجاهليّ وصورة صدر الإسلام والقسم الأعظم من العصر الأمويّ إنّما نسجتها خيوط منبعثة من عصر التدوين، هي نفسها الخيوط التي نسجت صور ما بعد عصر التدوين، وليس العقل العربيّ في واقع الأمر شيئًا آخر غير هذه الخيوط بالذات، التي امتدّت إلى ما قبل فصنعت صورته في الوعي العربيّ، وامتدّت وتمتدّ إلى ما بعد لتصنع الواقع الفكريّ الثقافيّ العامّ في الثقافة العربيّة العامّة، وبالتالي مظهرًا أساسيًّا من مظاهرها.2

‫يتمحور تركيز بياتريس غروندلر في كتابها الصادر حديثًا The Rise of the Arabic Book (نشأة الكتاب العربيّ) – الذي أعمل حاليًّا على ترجمته إلى اللغة العربيّة – حول هذه المرحلة الانتقاليّة من تاريخ الحضارة العربيّة. تؤكّد الباحثة في هذا الكتاب على الدور المركزيّ لثقافة الكتاب العربيّ، وتقرِّر غياب الأثر الذي أحدثه ضمن المنعطفات التاريخيّة للتواصل البشريّ في الدراسات الغربيّة، مقارنةً إيّاه بالأثر المشهور للطباعة بالأحرف المتحرّكة. تشير غروندلر في مقدّمتها إلى أنَّ‪:‬

إحدى نقاط التحوّل الـمُغفَلة من بين اللحظات الكبرى في تاريخ التواصل هي ثورة الكتاب في الشرق الأدنى العربيّ الإسلاميّ. وهي مساحة فارغة في خريطتنا الذهنيّة، على الرغم من أنَّ مساحتها الكتابيّة كانت حافلةً بالازدهار الثقافيّ، وأطلقت العنان لفيضان حقيقيّ من الكتب. قدَّر المسحُ العالميّ للمخطوطات الإسلاميّة مخطوطاتها الباقية منذ ثلاثة عشر قرنًا قبل الطباعة بحوالي ثلاثة ملايين مخطوطة، لكن لا بدّ أنّ الرقم الحقيقيّ كان أعلى بعدّة مرّات.3

كما تقارن غروندلر أثر هذه النهضة الكتابيّة بالحال في أوروبا “في القرن السابع الهجريّ/الثالث عشر الميلاديّ، عندما كانت أكبر مكتبة في أوروبا – مكتبة جامعة باريس – تحوي أقلّ من 2000 مجلّد، بينما كان في خمس مكتبات في بغداد وحدها ما بين 200 ألف ومليون مجلّد في كلّ مكتبة، بما في ذلك نسخ متعدّدة من الأعمال المرجعيّة عينها؛ لضمان وصول قرّاء مختلفين لها في الوقت ذاته.”4 تتّفق هذه الرؤية، عن تواري الدور الحضاريّ العربيّ – أو إغفاله – في التأريخ للكتاب ووسائط الاتّصال في المنجزات التأليفيّة الغربيّة، مع تأكيد بعض الباحثين على أثر المركزيّة الأوروبيّة في مقاربة هذا الموضوع.5

يسعى الكتاب لاستجلاء نهضة الكتاب في هذه الفترة الذهبيّة للتدوين وازدهار الثقافة العربيّة في نهاية القرن الثاني، والقرن الثالث الهجريّ، ويَعرِض لمسألة الانتقال إلى الكتاب والقبول السريع المذهل الذي حظي به. وتتمثَّل أسئلة الكتاب بحسب المؤلّفة في: “كيف حدث هذا؟ لماذا اكتسبت الكتب المخطوطة الورقيّة العربيّة نجاحًا سريعًا؟ من استخدم الكتب وأنتجها؟ وكيف؟ ماذا تعني هذه الوسيلة الجديدة لأولئك الذين قرؤوا وكتبوا، وأعادوا الكتابة واستخلصوا، وجمعوا وصنّفوا، أو لأولئك الذين اشتروا الكتب وباعوها؟ هذه هي الأسئلة التي يسعى هذا الكتاب إلى الإجابة عنها.”6 تسعى غروندلر إلى الإجابة عن هذه الأسئلة عبر اختيارٍ ثاقب لقصص عميقة ونقاشات دالَّة لعلماء وشعراء وورَّاقين وكتبيّين وقرَّاء منذ منتصف القرن الثاني الهجريّ، ضمن قصّة نهضة الكتاب المخطوط وازدهار حركة التدوين في العصر العبّاسيّ. وهو ما تسمّيه المؤلّفة “ثورة الكتاب العربيّ،” بما نشأ عنها من رواج الكتب والمكتبات والثقافة الكتابيّة عمومًا وبقيت آثارها عميقة ومُشكِّلة للثقافة العربيّة. ولا تتغيّا المؤلِّفة في عملها معالجة تأريخ نشأة الكتاب العربيّ من منظور وصفيّ خارجيّ أو تصرف اهتمامها إلى الجوانب التقنيّة للكتاب، بقدر ما تعتني بالتفاعل مع الكتاب بوصفه وسيطًا لنقل المعرفة، والتوتّرات والصراعات والنقاشات التي سادت حوله داخليًّا، وهنا تكمن قيمة كتابها وأهمّيّته‪.‬

يتضمَّنُ الكتابُ أربعةَ فصول أساسيّة، يتناول كلّ فصلٍ منها العناصرَ المؤثّرة في نهضة الكتاب العربيّ: العلماء، والشعراء، والورّاقين، والكتبيّين والقرَّاء. فضلًا عن مقدّمة مسهبة بالغة التبصّر، تؤسّس للنقاشات والقضايا التي تَتعرَّض لها في الفصول اللاحقة وخاتمة مهمّة توضح الآفاق المستقبليّة للبناء على الأعمال المنجزة واستثمارها. تُؤكِّد المؤلّفة في مقدّمتها على أهمّيّة المنتج الثقافيّ التراثيّ العربيّ، وتتوقّف عند محاولة فهم كيف حقّق الكتاب المخطوط العربيّ هذا التقبّل السريع والانتشار الواسع، مقدّمة عددًا من العوامل المؤثّرة في هذا، من بينها وجود لغة كتابة موحّدة، والأدب المتداول شفاهيًّا، وتوفّر الورق. هذه العلاقة بين الكتابة والنقل الشفاهيّ للمعرفة تحظى باهتمام الكتاب وتكرِّس المؤلّفة لها مساحة واسعة، مجادلة بأنَّ الكتابة لم تقضِ على الشفاهيّة “ولا حتّى تدريجيًّا؛ بل اندمج النمطان بطرق متنوّعة. ويمكن القول: إنّ ثقافة الكتاب العربيّ احتضنت الممارسات الشفاهيّة واحتفت بها. تُظهر الكتب آثارًا متعدّدة لهذا [الاحتفاء]، اعتمادًا على موضوع الكتاب.”7

‫وتُشدِّد في مواضع متعدّدة أنَّ الكتب أو الثقافة الكتابيّة لا تعني استبدال الثقافة الشفاهيّة ضمن الثقافة العربيّة، وهي في هذا تبني على أطروحة غريغور شولر (Gregor Schoeler) في مقالاته المهمّة المجموعة في كتاب The Oral and the Written in Early Islam عن مفهوم الثقافة التكامليّة (الشفاهيّة والكتابيّة)،8 عوضًا عن النظر إليها من ثنائيّة الشفاهيّة أو الكتابيّة، فالكتاب لم يحلّ محلّ الحفظ والشفاهيّة، بل بقي مُكمِّلًا لهما‪.‬

يناقش الفصل الأوّل “العلماء” مبيّنًا توجّهاتهم المختلفة في النظر إلى الكتاب بوصفه وسيطًا لنقل العلم، ومركِّزًا في جزئه الأكبر على عالمينِ لغويّين مؤثّرين: الأصمعيّ (ت 216/‫831‬) وأبي عبيدة مَعمر بن المثنّى (ت نحو 210/825). تعالج غروندلر في نقاشها هذا أسئلة محوريّة لدور الكتاب في هذه المرحلة الحيويّة في الثقافة العربيّة، وأسئلةً عن المواقف المتباينة تجاه الكتاب ما بين تأييد وممانعة وقبول متحفّظ، وأسئلةً أخرى عن دور الكتاب في إذابة الحدود بين التخصّصات، وإتاحته الوصول إلى جمهور أوسع من القرَّاء. وفي الوقت ذاته، تطرأ قضايا جديدة مثل الصراع بين المؤلّف والورَّاق عبر التركيز على سياقات نشر كتاب الفرَّاء (ت 207/‫822‬) معاني القرآن. ويكرّس هذا الفصل كذلك مساحةً واسعة لمناقشة جهود العالم المستقلّ عبر تناول دور العالم المتفنّن أبي عبيد القاسم بن سلَّام (ت 224/‫838‬) الذي برع في تأليف الكتب بحسب الحاجة إليها وبحسب الموضوع المقارَب‪.‬

أمّا الفصل الثاني فينتقل إلى مسألة مثيرة وهي صلة الشعراء بالكِتاب. كيف استخدم الشعراء الكتب، وصولًا لأعمال أسلافهم واستلهامًا منها، وكيف استعانوا بالكتب والكتابة في نظم أشعارهم وتنقيحها؟ ثمّ يناقش الفصل كتابة الشعراء للكتب عن الشعر، جمعًا لنتاجهم الشعريّ وتدوينًا لمفهومهم عنه، وهو ما حدث في وقت شهد ظهور ما عُرِف بالشعر المحدث، مع ما صاحبه من جدل. وفي حين مكَّنت الكتب من الوصول إلى الشعر العربيّ السابق، إلّا أنّها أبرزت قضايا جديدة تتّصل بالأفكار في قصائد الشعراء المعاصرين وعلاقتها بأفكار الشعراء السالفين، الأمر الذي تجلَّى في قضيّة السرقات الشعريّة وما صاحبها من أعراف وصراعات كانت الكتابة والكتاب حاضرينِ مؤثّرين فيها بوصفهما دليل إثبات. وتتّخذ المؤلّفة من أخبار شاعرين عباسيّين وإسهاماتهما – دِعْبِل الخزاعيّ (ت 246/‫860‬) وأبي تمّام الطائيّ (ت 231/‫845‬) – مساحة لمناقشة هذه القضايا‪.‬

يعالج الفصل الثالث إسهام أولئك المؤثّرين في صناعة الكتاب العربيّ “الورَّاقين،” رغم إغفال دورهم وتواريه في أحيان كثيرة، فعلاوةً على أنَّ مدوّنات التراجم المعروفة نادرًا ما تُسهب في الحديث عنهم وتزوّدنا بتفاصيل عن عملهم، فهم كذلك لا يكادون يظهرون في الأخبار الأدبيّة. ورغم هذه التحدّيات التي تؤكّدها غروندلر إلا أنّها تستثمر البيانات القليلة الموجودة عنهم، معتمدة على تراجم الورَّاقين في كتاب تاريخ الإسلام للذهبيّ (ت 748/‫1347‬)، وفي الوقت ذاته، تستعين بالأخبار الأدبيّة القليلة التي يبرز الورَّاقون فيها. وفي هذا المنهج الذي يدمج بين مصدريِ المعلومات هذه – على تفاوت عرضها – تتمكّن من تقديم صورة مجملة عن الورَّاقين، وتُصنِّفهم بحسب السياقات التي مارسوا فيها أعمالهم. كما تناقش أيضًا العلاقة بين الورَّاقين ومؤلّفي الكتب، مرورًا بقضايا مثل: الملكيّة الفكريّة والتعامل المادّيّ مع الكتب الذي يستهجنه بعض العلماء، مجلّيةً مأزق الربح والعلم الذي شكَّل موضوعًا بالغ الأهمّيّة في تاريخ ثقافة الكتاب العربيّة‪.‬

بعد مناقشة هؤلاء الفاعلين الأساسيّين في ثورة الكتاب العربيّ في العصر العبّاسيّ، تنتقل غروندلر إلى استخدام الكتاب، وتُجلِّي بعض المفاهيم السائدة عنه في ذلك الوقت عبر مناقشة “الكُتبيّين والقرَّاء” الذين حرصوا على جمع الكتب، ومفاهيم عن بناء المكتبات الشخصيّة وكيف أصبحت سمةً تدلّ على مكانة اجتماعيّة معيّنة، وفي الوقت ذاته كيف غدت حيازة بعض الكتب مظنّة الاتّهام ومساءلة السلطات. وتختم هذا الفصل بمناقشة كتاب كليلة ودمنة بوصفه نموذجًا ممثّلًا للكتاب الذي تعرّض لمصير مختلف، أي: فشل في أن يبقى في صورته الموضوعة، وتفكَّك في النقل في العصور اللاحقة؛ نتيجةً لطبيعة محتوى الكتاب وتصنيفه، وكذلك لكيفيّة تلقّي مثل هذا النوع من الكتب في ذلك العصر، وهو ما يجلِّي معايير الكتاب وكيف تُصوِّر زمانها‪.‬

توضح غروندلر أنَّ ازدهار ثقافة الكتاب أسهم إسهامًا جوهريًّا في ازدهار الثقافة العربيّة، وتمثَّل دورها المهمّ في إتاحة التقاطع بين التخصّصات العلميّة المختلفة، وطمس الروابط بين الخبراء والهواة، ووجاهة المعرفة التي جعلت استخدام الكتب والتعامل معها مُربحًا مادّيًّا ومعنويًّا. وساهمت ثقافة الكتاب أيضًا في تشكيل جمهور قرائيّ جديد امتدّ إلى ما بعد النخبة المتعلّمة‪.‬

يكشف الكتاب عن جهد ضخم وسنوات طويلة من البحث والقراءة في المصادر العربيّة، وهو ما أكَّدته المؤلّفة،9 وكما يتّضح في إحالات الكتاب الكثيرة، وتوثيقه الدقيق وحواشيه المهمّة. تعتمد المؤلّفة اعتمادًا كبيرًا على المصادر التراثيّة العربيّة مثل: مراتب النحويّين، والأغاني، والفهرست، وتاريخ بغداد وغيرها كثير؛ وهو ما يُعزِّز قيمة الكتاب العلميّة، ويُبيّن الجهد الواسع الذي الذي بذلته الباحثة في الاستقصاء والقراءة ليمكّنها من عرض صورة من الداخل لثقافة الكتاب العربيّ في هذه المرحلة. تستعين غروندلر كذلك في نقاشاتها بكثير من الدراسات الغربيّة المنجزة عن الكتاب، والكتابة العربيّة وعلاقتها بالشفاهيّة، غير أنّ المنجزات العربيّة العلميّة المهمّة في هذا الحقل لا تكاد تحضر، سواء أكانت تلك الإسهامات التي ناقشت هذه المرحلة الزمنيّة وتناولت التدوين ومسألة الشفاهيّة والكتابيّة مثل: ضحى الإسلام لأحمد أمين، وتكوين العقل العربيّ لمحمد عابد الجابري، وغيرهما أم تلك المنجزة عن تاريخ الكتاب العربيّ مثل: تاريخ الكتاب في الحضارة الإسلاميّة ليحيى الجبوري‪.‬

تُشير غروندلر في منهجها إلى أنَّها اختارت أن تتبَّع في كلّ فصلٍ

شخصيّاتٍ بارزة وُجدت عنها أخبار عديدة في التصنيفات المبكرة، تُسهم [هذه الشخصيّات] في توضيح مواقف شخصيّات أخرى عديدة موثَّقة أيضًا بقدرٍ أقلّ من التفصيل. هذه الروايات الـمُكمّلة عن عدد قليل من الأفراد تمنح صورة متعدّدة الأوجه وشاملة، وتمثِّل العديد من الحالات المماثلة، وهذا الإجراء مفضَّل على تجميع فسيفساء من النصوص الصغيرة لمجموعة أسماء مختلفة، ما يجعل القراءة متقطّعة.10

يستدعي هذا المنهج التأمّل، وتبرز هنا أسئلة مهمّة، إذ قد يُجادَل بأنَّ الانطلاق من شخصيّات محدودة مهمّة وتتبّع أخبارها في المصادر – عوضًا عن القضايا – قد لا يُفضي إلى صورة شاملة في مناقشة تلك القضايا التي يستلزم بعضها الكشف عن الاتّجاهات المختلفة ومدى شيوعها والظروف المؤثّرة في المواقف المتّخذة. بيد أنَّ هذا التساؤل يفتح آفاقًا لدراسات قادمة تبني على المنجز في هذا الكتاب، وتُحفِّز مزيدًا من البحث والمقارنة والاستقصاء‪.‬

يتميَّز الكتاب بسلاسة لغته وقربها من القارئ؛ نظرًا للاستعانة بمجموعة من الروايات والأخبار التي تستثمرها المؤلّفة في مناقشة القضايا التي تتغيّاها في تقديم سرديّة ماتعة باعثة على متابعة القراءة، ويتضمّن الكتاب كذلك مجموعة من الصور التي توضح عددًا من النقاط المناقشة. وهو بهذا موجّه للمتخصّصين ولغيرهم، يتأكّد غرض المؤلّفة هذا من إشارتها إلى أنّها أرادته متيسّرًا ليس للمتخصّصين في الدراسات العربيّة فحسب، بل لأيّ “قارئ مهتمّ.”11 ورغم سعي الكتاب إلى ردم فجوة في الدراسات الغربيّة عن تاريخ الكتاب ووسائط الاتّصال في العالم فإنّه يتقاطع مع المهتمّين بالدراسات الأدبيّة والثقافيّة والتاريخيّة العربيّة، مقدِّمًا إسهامات فاعلة وبالغة الأهمّيّة ليس للمشتغلين بهذه الفروع فحسب، بل للباحث والقارئ المهتمّ بالتراث العربيّ خاصّة، وكذلك للقارئ المهتمّ بتاريخ الكتابة والكتب عامّة‪.‬

1

يؤكّد هذا على سبيل المثال جوناثان بلوم (Jonathan Bloom) في كتابه تاريخ الورق في العالم الإسلاميّ: “توفّر الورق في العالَم الإسلامي شجَّع أيضًا على ازدهار الكتب والثقافة المكتوبة على نحوٍ لا يُقارن بازدهار الكتب الذي عرفته أوروبا قاطبة بعد اختراع المطبعة من طراز الأحرف المتحرّكة في القرن التاسع الهجريّ/الخامس عشر الميلاديّ.” جوناثان بلوم، قصّة الورق: تاريخ الورق في العالم الإسلاميّ قبل ظهور الطباعة (الرياض: دار أدب للنشر والتوزيع، 2021)، 191. وتؤكّد المؤلّفة ذلك وتصف ازدهار ثقافة الكتاب في العالم العربيّ الإسلاميّ بنقطة التحوّل مثلها مثل ظهور الطباعة بالأحرف المتحرّكة، انظر‫:‬

Beatrice Gruendler, The Rise of the Arabic Book (Cambridge, Massachusetts: Harvard University Press, 2020), 2;

(أُحيل إلى الطبعة الإنجليزية، فلم تصدر الترجمة العربيّة حتّى ساعة كتابة هذه المراجعة). وانظر أيضًا‫:‬

Dana Sajdi, “Print and Its Discontents: A Case for Pre-print Journalism and Other Sundry Print Matters,” in The Translator: Studies in Intercultural Communication 15, 1 (2009): 105–138.

2

محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربيّ (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيّة، 2009)، 61. وانظر كذلك: جورج طرابيشي، إشكاليّات العقل العربيّ (بيروت: دار الساقي، 1998)، 14‫.‬

3

Gruendler, The Rise of the Arabic Book, 2.

4

المصدر نفسه، 2‫.‬

5

انظر: ألكسندر ستيبتشفيتش، تاريخ الكتاب، ترجمة محمد الأرناؤوط (الكويت: المجلس الوطنيّ للثقافة والفنون والآداب، 1993)، 1: 5–6. وكذلك بلوم، قصّة الورق، 55‫.‬

6

Gruendler, The Rise of the Arabic Book, 5.

7

المصدر نفسه، 7‫.‬

8

انظر‫:‬

Gregor Schoeler, The Oral and the Written in Early Islam, trans. Uwe Vagelpohl (New York: Routledge, 2006).

وصدرت للكتاب ترجمة عربيّة: غريغور شولر، الكتابة والشفويّة في بدايات الإسلام، ترجمة رشيد بازي (الدار البيضاء: المركز الثقافيّ للكتاب، 2018)، وللمؤلّف كتاب تُرجم من الفرنسيّة: غريغور شولر، الكتابة والنقل في صدر الإسلام، ترجمة فادي شاهين (دمشق: أبولودور، 2011)‫.‬

9

Gruendler, The Rise of the Arabic Book, 233.

10

المصدر نفسه، 33‫.‬

11

المصدر نفسه، 234‫.‬

Content Metrics

All Time Past Year Past 30 Days
Abstract Views 0 0 0
Full Text Views 264 264 27
PDF Views & Downloads 359 359 34